بَطَلُ الْجَبَلِ الْحَقِيقِيُّ
كَانَ الثَّعْلَبُ الصَّغِيرُ "ثَعْلُوبُ" يَعِيشُ يَوْماً مَلِيئاً بِالشَّوْقِ وَالْحَمَاسِ. فَفِي الْيَوْمِ التَّالِي، كَانَتِ الْغَابَةُ عَلَى مَوْعِدٍ مَعَ حَدَثٍ فَرِيدٍ، وَهُوَ "مُسَابَقَةُ بَطَلِ الْجَبَلِ الْكَبِيرَةِ"، الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا أَشْجَعُ وَأَقْوَى الْأَبْطَالِ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ وَصَوْبٍ لِيَتَنَافَسُوا عَلَى اللَّقَبِ. لَمْ يَكُنْ ثَعْلُوبُ يُرِيدُ فَقَطْ مُشَاهَدَةَ التَّحَدِّيَاتِ، بَلْ كَانَ يَحْلُمُ بِلِقَاءِ أُولَئِكَ الْأَبْطَالِ الَّذِينَ طَالَمَا سَمِعَ عَنْ بُطُولَاتِهِمْ. فَتَحَ خَرِيطَتَهُ بِعِنَايَةٍ، وَحَدَّدَ مَوْقِعَ الْمُسَابَقَةِ الَّذِي سَيَكُونُ فَوْقَ قِمَّةِ الْجَبَلِ الشَّاهِقِ، حَيْثُ تَمْلِكُ الْبُومَةُ السَّاحِرَةُ "حَكِيمَةُ" تِلْكَ الْأَرَاضِيَ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، جَافَى النَّوْمُ عَيْنَيْ ثَعْلُوبَ الصَّغِيرِ، فَظَلَّ يَنْظُرُ مِنْ نَافِذَتِهِ إِلَى قِمَّةِ الْجَبَلِ الْبَعِيدَةِ الَّتِي تَلْمَعُ تَحْتَ ضَوْءِ الْقَمَرِ، مُتَخَيِّلاً نَفْسَهُ بَيْنَ الْأَبْطَالِ. وَمَا إِنْ بَزَغَ فَجْرُ الْيَوْمِ التَّالِي، حَتَّى قَفَزَ مِنْ سَرِيرِهِ بِنَشَاطٍ، فَنَظَّفَ أَسْنَانَهُ وَتَنَاوَلَ فُطُورَهُ الشَّهِيَّ الَّذِي أَعَدَّتْهُ لَهُ أُمُّهُ لِيَمُدَّهُ بِالطَّاقَةِ لِرِحْلَتِهِ الطَّوِيلَةِ. قَبَّلَ أُمَّهُ وَوَعَدَهَا أَنْ يَكُونَ حَذِراً وَأَنْ يَعُودَ إِلَى الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الظَّلَامُ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَرْكُضُ نَحْوَ الْجَبَلِ.
بَيْنَمَا كَانَ ثَعْلُوبُ يَقْطَعُ الْمُرُوجَ الْخَضْرَاءَ وَيَتَسَلَّقُ التِّلَالَ الصَّخْرِيَّةَ، وَصَلَ إِلَى نَهْرٍ يَجْرِي بِقُوَّةٍ. وَفَجَأَةً، تَنَاهَى إِلَى مَسَامِعِهِ صَوْتُ اسْتِغَاثَةٍ رَقِيقٍ. بَحَثَ بِبَصَرِهِ حَتَّى رَأَى خُنْفُسَاءَ صَغِيرَةً تَقَارِعُ الْأَمْوَاجَ، بَعْدَمَا انْزَلَقَتْ فَوْقَ ضَفَّةِ النَّهْرِ الْمُنْحَدِرَةِ. كَانَتِ الْخُنْفُسَاءُ تُلَوِّحُ بِأَرْجُلِهَا فِي ذُعْرٍ، عَاجِزَةً عَنِ الْخُرُوجِ. لَمْ يَتَرَدَّدْ ثَعْلُوبُ لَحْظَةً؛ فَرَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ غُصْناً طَوِيلاً لِيَمُدَّهُ لَهَا، إِلَّا أَنَّهُ اسْتَخْدَمَ ذَيْلَهُ الْكَثِيفَ كَحَبْلِ نَجَاةٍ، وَغَمَسَهُ فِي الْمَاءِ لِتَتَشَبَّثَ بِهِ الْخُنْفُسَاءُ، ثُمَّ سَحَبَهَا بِرِفْقٍ إِلَى بَرِّ الْأَمَانِ. شَعَرَ ثَعْلُوبُ بِالتَّعَبِ لِأَنَّ ذَيْلَهُ أَصْبَحَ ثَقِيلاً بِالْمَاءِ، لَكِنَّهُ كَانَ سَعِيداً جِدّاً لِأَنَّهُ أَنْقَذَ رُوحاً ضَعِيفَةً.
تَابَعَ ثَعْلُوبُ مَسِيرَهُ، وَبَعْدَ فَتْرَةٍ، اكْتَشَفَ أَنَّهُ أَضَاعَ إِحْدَى قُفَّازَاتِهِ الدَّافِئَةِ. وَبَيْنَمَا كَانَ يَبْحَثُ عَنْهَا، رَأَى أَرْنَباً صَغِيراً يَرْتَجِفُ مِنَ الْبَرْدِ. رَغْمَ أَنَّ الْوَقْتَ كَانَ يَدْهَمُهُ لِلَّحَاقِ بِالْمُسَابَقَةِ، إِلَّا أَنَّ قَلْبَهُ الرَّحِيمَ دَفَعَهُ لِمُسَاعَدَةِ الْأَرْنَبِ. أَخَذَ ثَعْلُوبُ يَبْحَثُ فِي الْأَرْجَاءِ حَتَّى وَجَدَ قُفَّازَهُ الضَّائِعَ بَيْنَ الشُّجَيْرَاتِ، فَقَدَّمَهُ لِلْأَرْنَبِ الصَّغِيرِ لِيَحْتَمِيَ فِيهِ. فَرِحَ الْأَرْنَبُ كَثِيراً وَشَكَرَهُ، وَتَابَعَ ثَعْلُوبُ طَرِيقَهُ نَحْوَ الْقِمَّةِ.
وَفِي طَرِيقِهِ الْوَعِرِ، وَجَدَ مَجْمُوعَةً مِنَ النَّمْلِ تُحَاوِلُ نَقْلَ حَبَّةِ بَلُّوطٍ ثَقِيلَةٍ جِدّاً إِلَى مَخْزَنِهَا الشِّتَائِيِّ. كَانَ النَّمْلُ يَبْذُلُ جُهْداً جَبَّاراً، فَقَرَّرَ ثَعْلُوبُ أَنْ يُسَاعِدَهُمْ، فَحَمَلَ عَنْهُمُ الثَّمَرَةَ الثَّقِيلَةَ وَأَوْصَلَهَا إِلَى مَسْكَنِهِمْ. وَعِنْدَمَا وَصَلَ ثَعْلُوبُ أَخِيراً إِلَى قِمَّةِ الْجَبَلِ، كَانَتِ الْمُسَابَقَةُ قَدِ انْتَهَتْ، وَالْأَبْطَالُ قَدْ بَدَأُوا بِالرَّحِيلِ. جَلَسَ ثَعْلُوبُ حَزِيناً يُفَكِّرُ كَيْفَ ضَاعَ حُلْمُهُ فِي رُؤْيَةِ الْأَبْطَالِ بِسَبَبِ تَوَقُّفِهِ الْمُتَكَرِّرِ لِلْمُسَاعَدَةِ.
فَجَأَةً، ظَهَرَتِ الْبُومَةُ السَّاحِرَةُ "حَكِيمَةُ" وَهِيَ تُرَفْرِفُ بِأَجْنِحَتِهَا الْكَبِيرَةِ، وَقَالَتْ لَهُ بِصَوْتٍ رَزِينٍ: "لَا تَحْزَنْ يَا ثَعْلُوبُ، فَقَدْ كُنْتَ أُرَاقِبُكَ طَوَالَ الرِّحْلَةِ". ثُمَّ قَدَّمَتْ لَهُ وِسَاماً ذَهَبِيّاً لَمِيعاً مَكْتُوباً عَلَيْهِ "بَطَلُ الْجَبَلِ الْحَقِيقِيُّ". تَعَجَّبَ ثَعْلُوبُ وَسَأَلَ: "وَلِمَ أَنَا؟ أَنَا لَمْ أُشَارِكْ فِي السِّبَاقِ!". فَأَجَابَتْهُ الْبُومَةُ: "لَقَدْ أَثْبَتَّ شَجَاعَةً فِي نَجْدَةِ الْغَرِيقِ، وَكَرَماً فِي تَدْفِئَةِ الْمُحْتَاجِ، وَقُوَّةً فِي مُعَاوَنَةِ الضَّعِيفِ. الْأَبْطَالُ لَيْسُوا مَنْ يَفُوزُونَ بِالسِّبَاقَاتِ فَقَطْ، بَلْ مَنْ يَمْلِكُونَ قُلُوباً تَنْبِضُ بِالْخَيْرِ". عَادَ ثَعْلُوبُ إِلَى مَنْزِلِهِ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَهُوَ يَشْعُرُ بِفَخْرٍ عَظِيمٍ، حَامِلاً مَعَهُ أَجْمَلَ قِصَّةٍ لِيَحْكِيَهَا لِعَائِلَتِهِ.