حُلْمُ الطُّفُولَةِ
وَقَفَتْ أَمِينَةُ قُرْبَ الْبِئْرِ، بَعْدَ أَنْ مَلَأَتِ الدَّلْوَ بِالْمَاءِ، ثُمَّ أَلْقَتْ بِنَظَرَاتِهَا هُنَاكَ خَلْفَ الْجِبَالِ الْمُحِيطَةِ بِقَرْيَتِهَا الصَّغِيرَةِ، وَهِيَ تَرْنُو بِعَيْنَيْهَا الْبَرَّاقَتَيْنِ إِلَى الْأُفُقِ الْبَعِيدِ، وَقَدْ لَاحَ أَمَامَهَا الْغَدُ الْمُشْرِقُ الَّذِي طَالَمَا مَنَّتْ بِهِ نَفْسَهَا. لَقَدْ أَزِفَ الْمَوْعِدُ يَا أَمِينَةُ! هَكَذَا هَمَسَتِ الصَّغِيرَةُ لِنَفْسِهَا، ثُمَّ افْتَرَّ ثَغْرُهَا عَنِ ابْتِسَامَةٍ مُتْرَعَةٍ بِالْأَمَلِ، وَهِيَ تَتَذَكَّرُ فَرْحَتَهَا الْعَارِمَةَ بِإِتْمَامِ دِرَاسَتِهَا الِابْتِدَائِيَّةِ قَبْلَ أَيَّامٍ. وَهَا هِيَ ذِي تَتَطَلَّعُ فِي شَوْقٍ إِلَى مُوَاصَلَةِ رِحْلَةِ الدِّرَاسَةِ بِكُلِّ إِصْرَارٍ، حَتَّى تُبَدِّدَ كَآبَتَهَا، وَتُعَوِّضَ ذَلِكَ الْفَرَاغَ الْأَلِيمَ الَّذِي خَلَّفَهُ رَحِيلُ وَالِدِهَا عَلَى مَدَى السِّنِينَ.
حَلَّقَ عُصْفُورٌ بِجَنَاحَيْهِ بَعْدَ أَنْ ارْتَوَى مِنْ مِيَاهِ السَّاقِيَةِ، ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ اخْتَفَى رُوَيْداً رُوَيْداً فِي عُمْقِ السَّمَاءِ. وَعَلَى مِهَادِ الْأَرْضِ الْمُتْرِبَةِ الْفَاصِلَةِ بَيْنَ الْبِئْرِ وَمَنْزِلِ أُسْرَتِهَا، سَارَتِ الصَّبِيَّةُ وَئِيدَةَ الْخُطَى، وَهِيَ تَحْمِلُ الْوِعَاءَ الثَّقِيلَ فِي أَنَاةٍ، قَبْلَ أَنْ تَتَنَاهَى إِلَى مَسَامِعِهَا جَلَبَةٌ قَادِمَةٌ مِنْ فِنَاءِ الْمَنْزِلِ. وَمَا إِنْ دَفَعَتْ أُذُنَاهَا كَلِمَاتِ خَالِهَا، وَهُوَ يُخَاطِبُ الْحَاضِرِينَ فِي حَزْمٍ قَائِلاً:
لَسْتُ مُتَّفِقاً إِطْلَاقاً، فَمِنَ الْأَوْلَى أَنْ تَتَعَلَّمَ الصَّبِيَّةُ الطَّهْيَ وَالْعِنَايَةَ بِالْأُسْرَةِ اسْتِعْدَاداً لِلزَّوَاجِ. أَلَيْسَ هَذَا دَوْرُهَا؟
حَاوَلَتِ الْأُمُّ أَنْ تُعَارِضَ كَلَامَ الْخَالِ فِي لُطْفٍ، لَكِنَّ الْكَلِمَاتِ لَمْ تُسْعِفْهَا لِلرَّدِّ، وَهِيَ الَّتِي طَالَمَا دَأَبَتْ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِابْنَتِهَا وَتَشْجِيعِهَا عَلَى مُوَاصَلَةِ الدِّرَاسَةِ. وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ قَدِ انْتَبَهَ إِلَى مَقْدَمِ أَمِينَةَ تِلْكَ اللَّحْظَةَ. فَقَدْ كَانُوا جَمِيعاً مُنْشَغِلِينَ بِالتَّدَاوُلِ فِي مُسْتَقْبَلِ الْفَتَاةِ الصَّغِيرَةِ، وَهِيَ تَقِفُ عِنْدَ مُنْعَطَفِ الْمَمَرِّ الْمُفْضِي إِلَى الْبَاحَةِ، قَبْلَ أَنْ تَقْتَحِمَ الْمَجْلِسَ قَائِلَةً فِي بَرَاءَةٍ:
- لَكِنَّنِي أُرِيدُ أَنْ أَتَعَلَّمَ. أَلَيْسَ مِنْ حَقِّي الظَّفَرُ بِفُرْصَةِ الدِّرَاسَةِ حَتَّى أَضْمَنَ مُسْتَقْبَلِي؟
انْدَهَشَ الْجَمْعُ لِكَلَامِ الصَّبِيَّةِ، وَارْتَسَمَتْ عَلَى وَجْهِ مُعَلِّمِهَا ابْتِسَامَةُ فَخْرٍ، وَهُوَ يُطَالِعُ نَظْرَةَ الْإِصْرَارِ فِي بَرِيقِ عَيْنَيْهَا، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْحَاضِرِينَ قَائِلاً:
- أَلَا يَحْسُنُ بِنَا أَنْ نُشَجِّعَ هَذِهِ الْفَتَاةَ عَلَى تَحْقِيقِ حُلْمِهَا؟ لِمَاذَا تَسْعَوْنَ إِلَى إِقْبَارِ حَقِّهَا فِي التَّعْلِيمِ مِثْلَ بَقِيَّةِ أَقْرَانِهَا؟
أَطْبَقَ الصَّمْتُ عَلَى الْغُرْفَةِ الْفَسِيحَةِ، بَيْنَمَا اسْتَطْرَدَ الْمُعَلِّمُ قَائِلاً:
- إِنَّ التَّعْلَمَ مِفْتَاحُ الْمُسْتَقْبَلِ، وَهُوَ السَّبِيلُ الْوَحِيدُ لِلنَّجَاحِ.
كَانَتْ كَلِمَاتُ الْمُعَلِّمِ كَافِيَةً لِبَثِّ التَّفَاؤُلِ فِي نَفْسِ أَمِينَةَ مَرَّةً أُخْرَى، بَعْدَ أَنْ لَمَسَتْ فِي صَمْتِ الْحَاضِرِينَ تَبَاشِيرَ أَمَلٍ قَرِيبٍ.
سَيَنْفَضُّ الْجَمْعُ ذَاكَ الْمَسَاءِ، وَسَيَرْحَلُ كُلٌّ إِلَى حَالِ سَبِيلِهِ، وَسَتَظَلُّ الْفَتَاةُ الصَّغِيرَةُ مُتَشَبِّثَةً بِالْحُلْمِ الْكَبِيرِ، إِلَى أَنْ تَحْظَى أَخِيراً بِفُرْصَةِ الِانْتِقَالِ إِلَى الْمَدِينَةِ الْقَابِعَةِ خَلْفَ الْجِبَالِ، وَتُدَشِّنَ بِذَلِكَ رِحْلَتَهَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ.
بَدَأَتْ أَمِينَةُ تَشُقُّ طَرِيقَهَا بِكُلِّ عَزْمٍ بَيْنَ الْأَسْلَاكِ الدِّرَاسِيَّةِ. فَاجْتَازَتِ الْمَرْحَلَةَ الْإِعْدَادِيَّةَ فَالثَّانَوِيَّةَ بِتَفَوُّقٍ، ثُمَّ وَلَجَتْ بَعْدَهَا كُلِّيَّةَ الطِّبِّ. حَيْثُ اسْتَطَاعَتْ أَنْ تَلْفِتَ أَنْظَارَ الْأَسَاتِذَةِ وَالطَّلَبَةِ بِمَا تَحَلَّتْ بِهِ مِنْ مُثَابَرَةٍ وَاجْتِهَادٍ، مَحْفُوفَةً بِرِعَايَةِ وَالِدَتِهَا، وَمُتَسَلِّحَةً بِالْإِصْرَارِ وَالصُّمُودِ. أَمَّا أَهْلُ الْقَرْيَةِ، فَبَدَا أَنَّهُمْ نَسُوا أَمْرَهَا تَمَاماً، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ ذِكْرَاهَا سِوَى طَيْفِ تِلْكَ الطِّفْلَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي قَرَّرَتْ فِي ذَاكَ الْمَسَاءِ الْبَعِيدِ كَسْرَ الْقُيُودِ، لِتَمْتَطِيَ بِسَاطَ حُلْمِهَا مُنْطَلِقَةً نَحْوَ الْأُفُقِ الْبَعِيدِ.
بَعْدَ سَنَوَاتٍ مَدِيدَةٍ، وَذَاتَ صَبِيحَةٍ مُشْرِقَةٍ، اسْتَفَاقَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ عَلَى نَبَإِ عَوْدَةِ أَمِينَةَ وَوَالِدَتِهَا. كَانَتِ الْجُمُوعُ لَا تَزَالُ تَتَوَافَدُ عَلَى مَنْزِلِهَا الرِّيفِيِّ يَوْمَئِذٍ، وَقَدْ سَرَى خَبَرٌ عَلَى الْأَلْسُنِ، خَبَرٌ لَمْ يَخْطُرْ لِأَحَدٍ عَلَى بَالٍ. لَقَدْ أَصْبَحَتْ أَمِينَةُ طَبِيبَةً. أَجَلْ، وَهَا هِيَ ذِي تَحُلُّ بِمَسْقِطِ رَأْسِهَا، مُتَوَّجَةً بِالْمَجْدِ، عَلَى إِيقَاعِ الْفَرَحِ وَالزَّغَارِيدِ.
وَمَا هِيَ إِلَّا أَيَّامٌ، حَتَّى طَبَّقَتْ شُهْرَةُ الطَّبِيبَةِ أَمِينَةَ الْآفَاقَ، بَعْدَ أَنْ أَنْشَأَتْ عِيَادَتَهَا الْخَاصَّةَ فِي قَرْيَتِهَا النَّائِيَةِ. كَمَا تَمَكَّنَتْ أَيْضاً مِنْ تَأْسِيسِ جَمْعِيَّةٍ خَيْرِيَّةٍ لِجَمْعِ الْمُسَاعَدَاتِ، وَتَقْدِيمِ مِنْحٍ دِرَاسِيَّةٍ لِلْفَتَيَاتِ الْقَرَوِيَّاتِ، كَيْ يُوَاصِلْنَ دِرَاسَتَهُنَّ وَيُحَقِّقْنَ أَحْلَامَهُنَّ.
وَذَاتَ مَسَاءٍ، وَقَفَتْ أَمِينَةُ مُسْتَنِدَةً ذِرَاعَ أُمِّهَا، قُرْبَ الْبِئْرِ الَّذِي شَهِدَ مِيلَادَ أَحْلَامِهَا فِي ذَاكَ الزَّمَنِ الْبَعِيدِ. وَعَلَى ضَوْءِ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ الْمُتَرَاقِصِ، نَزَّتْ مِنْ عَيْنَيْ أَمِينَةَ دَمْعَةُ فَرَحٍ مَمْزُوجٍ بِالْفَخْرِ، قَبْلَ أَنْ تَطْبَعَ عَلَى جَبْهَةِ أُمِّهَا قُبْلَةً طَوِيلَةً، وَهِيَ تَعَانِقُهَا فِي حُبٍّ وَامْتِنَانٍ.




