فرخ البط القبيح

🦢 فرخ البط القبيح

فرخ البط القبيح

🥚 البيضة الغريبة وجفاء الحظيرة

في يوم من الأيام، كانت أنثى البط تحضن عشاً من البيض بترقب وصبر. وذات صباح، بدأت القشور تتصدع، لتخرج منها خمسة فراخ صغيرة، يكسوها زغب أصفر ناعم كالحرير. غير أن بيضة سادسة، تفوق بقية البيض حجماً، ظلت راقدة في العش متماسكة لم تنكسر بعد.

أقبلت إحدى صديقات البطة لتفقدها، فرمقت البيضة الكبيرة بعين الريبة وقالت:

«إن هذه البيضة تفوق حجم بيض البط بكثير! ما أظنها إلا بيضة ديك رومي.»

سألتها الأم بنبرة حائرة: «أما من سبيل لأتبين حقيقتها؟»

فأجابتها الصديقة: «لن تقوى على السباحة إن هي خرجت إلى النور، فالرومي لا يألف الماء أبداً!»

بيد أن الظنون خابت؛ فعندما انشقت القشرة أخيراً وخرج ذلك الطائر الغريب، اندفع صوب البحيرة وسبح ببراعة ورشاقة لا تقل عن بقية الفراخ.

لكن براءته لم تشفع له لدى ساكني الحظيرة. فلما رأته الدجاجات، تعالت ضحكاتها الساخرة وقالت: «يا لقبح هذا الفرخ الأخير!»، وحقاً، لم يكن فيه قيد أنملة من شبه بإخوته.

وحتى الإوز ضج بالقهقهة صائحاً: «ما هذا إلا فرخ بط قبيح!»

ومنذ ذلك الحين، لازمته تلك التسمية الجائرة. فكانوا إذا أرادوا استدعاءه نادوا: «أيها القبيح، أين أنت؟»، وإذا ضاقوا بوجوده صاحوا: «أيها البائس القبيح، اغرب عن وجوهنا!»

حتى استقر الحزن في أعماق الطائر المسكين، وأخذ يرى نفسه بعين القبح والازدراء. لم يجد رفيقاً يشاركه اللعب، ولا أنيساً يسبح بجواره، وحتى أمه جفت ينابيع عطفها وأخذت تضيق به ذرعاً.

ولما لم يعد في قوس الصبر منزع، فرّ الطائر الصغير هائماً على وجهه، ولم يذرف أحد في الحظيرة دمعة واحدة على رحيله.

❄️ مرارة الغربة وقسوة الصقيع

جاب الطائر الصغير الآفاق الفسيحة، تحذوه رغبة واهنة في العثور على رفيق يتقبله كما هو، ولا يكترث لمظهره. غير أن وحوش البرية لم تكن بأرأف حالاً من دجاج المزرعة؛ فقد ناصبه البط البري العداء، وتضاحك عليه الإوز بصياحه النكر.

جلس وحيداً منكسر الوجدان في غمار مستنقع كئيب، وتنهد بمرارة:

«هل لي بخلٍ ودود في هذا العالم الفسيح؟ وهل سأذوق للبهجة طعماً يوماً ما؟»

وفي أحد الأيام، بينما كان يستشعر وطأة اليأس، نمى إلى مسامعه خفق أجنحة منتظم يهز كبد السماء. ولما شخص ببصره إلى الأعلى، هالته رؤية أسراب من طيور البجع الأبيض تعبر الآفاق، مادة أعناقها الطويلة المقوسة بجلال، بينما يسطع ريشها الناصع كأنه الفضة تحت أشعة الشمس. كانت آية في السحر والجمال، فطفق يرقبها بقلب واجف وعينين ملأهما الانبهار.

قضى الطائر البائس شتاءه الطويل في تلك البحيرة المنعزلة. كان القوت شحيحاً، وعضّ الجوع أنيابه في جسده النحيل. وفي ليلة تضاعف صقيعها، تجمدت مياه البحيرة وأطبقت على جسده الضعيف، فأشرف على الهلاك، لولا أن تداركه فلاح طيب وكلبه، فأنقذاه من قبضة الموت في الرمق الأخير.

ثم تنفس الربيع الصعداء، وعادت الحياة تدب في أرجاء البحيرة بصخب مبهج وأصوات طيور شتى تعزف ألحان الحياة. لكن الطائر لم يجد في تلك البهجة نصيباً، إذ لم يلتفت إليه أحد، ولم يشاركه طائر حديثاً.

شعر بوطأة العزلة تشتد عليه، فبسط جناحيه اللذين لم يعهد الطيران بهما من قبل، ودهش لما وجد فيهما من قوة وعزم. طار محلقاً في السماء، بعيداً عن غدر المستنقعات، حتى هبط في حديقة وارفة الظلال.

وعلى صفحة بركة رقراقة ساكنة في تلك الحديقة، رأى البجع الأبيض ينساب بأناقة ملكية، وهنا تمنى الطائر المسكين لو تزهق روحه، لعجزه عن مجاراة هذا الجمال البديع.

أقبل الطائر في اليوم التالي نحو البركة، وقد استبد به اليأس، وهمس في نفسه: «سأدنو من تلك الطيور المهيبة لتضع حداً لحياتي البائسة، فما عاد لقبيح مثلي مكان تحت الشمس.»

دنا من الماء بخطى واهنة، وطأطأ رأسه بخضوع، وأغلق عينيه مستسلماً لمصيره وقال:

«اقتلونني، فأنا أقبح من أن أعيش بينكم.»

فقالت له طيور البجع بنبرة ملؤها العجب: «أتقول قبيحاً؟ ألم تنظر يوماً إلى ما تعكسه صفحة الماء؟»

أجابها وعيناه لا تزالان مسبلتين: «لا حاجة لي بالنظر، فأنا أعلم علم اليقين مقدار قبحي.»

فقالت الطيور: «بل انظر، لترى بعينيك حقيقتك!»

فتح الطائر عينيه بحذر، ونظر إلى المرآة المائية الصافية. وفي تلك اللحظة، خفقت دقات قلبه بعنف، واعتصرت السعادة روحه اعتصاراً!

لم يرَ خيال طائر رمادي مشوه، بل رأى بجعة بيضاء ناصعة، ذات عنق طويل ممتد بكبرياء وأناقة لم يعهدها. لقد غيرت شهور الصقيع الطويلة ملامحه، وجعلت منه كائناً بديعاً.

همس بصوت مرتعش لا يصدق الوقع: «أنا... أنا واحد منكم...»

وفي تلك الأثناء، تراكض أطفال الحديقة ينثرون الفتات، وتعالت صيحاتهم الفرحة:

«انظروا! بجع جديد قد انضم إلى السرب... إنه الأبهى والأجمل بينها جميعاً!»

حينها أدرك البطل، دون أدنى ريب، أنه لم يكن يوماً فرخ بط قبيح، بل كان بجعة ملكية تخفيها الأقدار، وأن عهد السخرية والوحدة قد ولى إلى غير رجعة.

Hikayat.vip

أحدث أقدم