الموظف المطيع حكايه من التراث المنغولي
كان يا مكان، في قديم الزمان، في بلاد منغوليا البعيدة، كانت هناك مقاطعة تحكمها قوانين قاسية وعادات غريبة. كان أهل هذه البلاد يعيشون على الصيد وتربية الماشية والترحال، وكانوا يعتقدون أن كبار السن الذين يتجاوزون الستين من عمرهم يصبحون عبئاً على المجتمع لأنهم لا يقدرون على العمل الشاق، لذلك كانت هناك عادة ظالمة تقضي بالتخلص منهم!
في تلك المقاطعة، كان يعيش شاب طيب ومخلص يُدعى "مهاري"، وكان يعمل موظفاً لدى حاكم البلاد الذي يُلقب بـ "الـطّان". وفي تلك السنة، بلغ "هاسال"، وهو والد مهاري العزيز، سن السبعين، وجاء الوقت العصيب الذي يفرضه القانون الجائر.
أقام مهاري وزوجته عشاء وداعٍ حزيناً للوالد. وكان الأب هاسال راضياً بقضاء الله وقال لابنه بابتسامة حنونة: "يا بني، لقد عشتُ طويلاً ورأيتُ بلاداً كثيرة، وليس في قلبي أي ندم. نفّذ أمر الحاكم وأنا نائم، فلابد أن والدتك تنتظرك في السماء".
لكن قلب مهاري كان مليئاً بالحب والبر، ولم يطاوعه أبداً أن يؤذي والده. بكت زوجته وقالت: "يا عزيزي، لنفكر في طريقة لإنقاذ أبينا، هذا أفضل بكثير!". وبالفعل، خططا بذكاء؛ فحفرا مخبأً سرياً (كهفاً صغيراً) تحت أرضية البيت ليختبئ فيه الأب. ولكي يخدعا جنود الحاكم الذين جاءوا للتأكد من موته، قامت الزوجة بذبح خروف وإلقائه في النار، وادعى مهاري أن والده مات بوباء جلدي خطير واضطروا لحرقه فوراً خوفاً من العدوى. انطلت الحيلة على الجنود، ونجت حياة الأب الحكيم.
مرت الأيام، وفي أحد الأيام، هجم على البلاد حاكم مغرور من مقاطعة مجاورة يُدعى "تريكل" ومعه جيش كبير. لكن تريكل لم يرد استخدام القوة فوراً، بل أراد إحراج "الطان" وإثبات غباء شعبه، فقال له: "سأعطيك لغزاً، إذا استطعت حله سأرحل بجيشي، وإلا سأستولي على بلادك غداً!".
كان اللغز عبارة عن جذع شجرة منحوت بشكل متساوٍ تماماً من الطرفين، وتحدى تريكل الجميع أن يعرفوا أين هو طرف الجذر (الأسفل) وأين هو طرف الأغصان (الأعلى). عجز الحاكم وجميع وزرائه وشبابه عن الحل، فلم يكن أحد منهم يملك الخبرة الكافية.
عاد مهاري إلى بيته حزيناً وقصّ على والده المختبئ ما حدث، فضحك الأب الحكيم وقال: "هذا سهل جداً يا بني! الطرف الذي به الجذر هو الأثقل دائماً. اذهب غداً وضع الجذع في النهر، فالطرف الثقيل (الجذر) سينحني ويسير في الأمام مع مجرى الماء".
في الصباح، نفّذ مهاري نصيحة والده أمام الحاكمين، فذهل "تريكل" من ذكاء مهاري واضطر للانسحاب وهو غاضب. لكنه عاد بعد أسبوع بجيش أضخم، ومعه فيل قوي هائل، وقال متحدياً: "هذه المرة، إذا لم تحزروا ما هو الحيوان الصغير الذي يخافه هذا الفيل العظيم حتى الصباح، فسأسحق خيامكم ومدينتكم كلها!".
خاف الجميع، فالأفيال لم تكن تعيش في بلادهم ولم يروها من قبل. وأمر الحاكم "الطان" مهاري ألّا يغادر خيمته حتى يجد الجواب. حاول مهاري التخمين وقال للحاكم: "لعله النمر يا سيدي، بقوته ومخالبه!"، فضحك تريكل وقال: "أيها الأحمق، الأفيال تصطاد النمور وتقتلها بخرطومها!".
كادت البلاد أن تضيع، فعاد مهاري مسرعاً إلى والده الذي قال له بحكمة السنين: "لا تقلق يا بني، الفيل على ضخامته حيوان عصبي ومزاجي، وهو يخاف خوفاً شديداً من الفأر الصغير إذا قفز حول أقدامه!". لم يضع مهاري الوقت، فجمع أطفال القرية وأمسكوا بمجموعة من الفئران ووضعوها في أكياس.
وعندما تقدم الفيل ليدمر الخيام، أطلق مهاري الفئران حول أقدامه. فزع الفيل الضخم وبدأ يجري ويهرب بخوف شديد، واختل توازن جيش "تريكل" وهُزموا شر هزيمة وعاد السلام إلى البلاد بفضل فكرة الأب.
استدعى الحاكم "الطان" مهاري وقال له بغضب ممزوج بالدهشة: "كيف عرفت كل هذه الإجابات؟ لقد كدت تتسبب في سحقنا بالنمر! أخبرني بالحق!".
جثا مهاري على ركبتيه وقال بشجاعة: "سامحني يا سيدي.. أنا لم أقتل والدي عندما بلغ الستين، بل خبأته، وهو الرجل الحكيم الذي أعطاني كل هذه الحلول وأنقذ بلادنا".
تأثر الحاكم "الطان" كثيراً، وامتلأ قلبه بالندم على العادة القديمة، وقال لمهاري: "ارفع رأسك يا مهاري، إنك بطل شجاع، وشجاعتك وحبك لوالدك أنقذا وطننا. لقد علمتني حكمة والدك أن كبار السن هم بركة البلاد وعقلها المفكر".
ومنذ ذلك اليوم، أصدر الحاكم قراراً بمنع تلك العادة القاسية تماماً، وأمر الشعب بأن يعتنوا بآبائهم وأمهاتهم المسنين ويحترموهم. أما مهاري البار، فقد عيّنه الحاكم مستشاراً أولاً له، ليعيش الجميع في أمان وسعادة بفضل "حكمة الشيوخ وبر الأبناء".