الغزالة الحكيمة والنمر الجبان
فِي غَابَةٍ كَثِيفَةِ الأَشْجَارِ، تَلْتَفُّ فِيهَا الأَغْصَانُ لِتَحْجُبَ أَشِعَّةَ الشَّمْسِ عَنِ الأَرْضِ المُرْتَدِيَةِ رِدَاءَ العُشْبِ الأَخْضَرِ، كَانَتِ الغَزَالَةُ الرَّشِيقَةُ "لَيْلَى" تَرْتَعُ بِسَكِينَةٍ وَهَدُوءٍ. لَمْ تَكُنْ لَيْلَى وَحْدَهَا، بَلْ كَانَ يُرَافِقُهَا صَغِيرَاهَا "رُبَى" وَ"سُهَيْل"، اللَّذَانِ كَانَا يَمْرَحَانِ وَيَقْفِزَانِ حَوْلَهَا بِمَرَحٍ لَا يَعْرِفُ لِلْخَوْفِ طَرِيقاً. وَبَيْنَمَا كَانَا يَتَتَبَّعَانِ فَرَاشَةً زَاهِيَةَ الأَلْوَانِ، ابْتَعَدَا قَلِيلاً حَتَّى دَلَفَا إِلَى مَدْخَلِ كَهْفٍ مُظْلِمٍ يَسْكُنُ فِي جَوْفِ صَخْرَةٍ عَظِيمَةٍ.
انْتَبَهَتْ لَيْلَى لِغِيَابِهِمَا، فَهَرَعَتْ نَحْوَ المَكَانِ، وَمَا إِنْ وَطِئَتْ قَدَمَاهَا مَدْخَلَ الكَهْفِ حَتَّى ارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهَا؛ فَقَدْ كَانَ هَذَا المَكَانُ هُوَ مَعْقِلُ النَّمِرِ الكَاسِرِ "رَاغِب"، وَكَانَتْ عِظَامُ الحَيَوَانَاتِ المَنْتُورَةُ هُنَا وَهُنَاكَ تَشْهَدُ عَلَى بَطْشِهِ وَشَرَاسَتِهِ. كَانَ الصَّغِيرَانِ يَنْظُرَانِ حَوْلَهُمَا بِفُضُولٍ وَبَرَاءَةٍ، غَيْرَ مُدْرِكَيْنِ لِحَجْمِ الخَطَرِ الَّذِي يُحِيطُ بِهِمْ. لِحُسْنِ الحَظِّ، كَانَ رَاغِبٌ فِي رِحْلَةِ صَيْدٍ خَارِجَ عَرِينِهِ، فَهَمَّتْ لَيْلَى بِإِخْرَاجِهِمَا بِأَسْرَعِ وَقْتٍ مُمْكِنٍ، لَكِنَّ قَلْبَهَا كَادَ يَتَوَقَّفُ حِينَ سَمِعَتْ زَئِيراً رَخِيماً يَهَزُّ أَرْجَاءَ الغَابَةِ، ثُمَّ لَمَحَتْ ظِلَّ النَّمِرِ يَقْتَرِبُ رُوَيْداً رُوَيْداً مِنْ بَابِ الكَهْفِ.
أَدْرَكَتِ الغَزَالَةُ الحَكِيمَةُ أَنَّ الهَرَبَ الآنَ مُسْتَحِيلٌ، وَأَنَّ المَوَاجَهَةَ الجَسَدِيَّةَ تَعْنِي المَوْتَ المُحَقَّقَ لَهَا وَلِصِغَارِهَا. هُنَا، اسْتَجْمَعَتْ شَجَاعَتَهَا وَرَبَاطَةَ جَأْشِهَا، وَقَرَّرَتْ أَنْ تَسْتَخْدِمَ سِلَاحاً أَقْوَى مِنَ المَخَالِبِ وَالأَنْيَابِ؛ سِلَاحَ العَقْلِ. رَفَعَتْ صَوْتَهَا بِثِقَةٍ مُصْطَنَعَةٍ وَنَبْرَةٍ حَازِمَةٍ قَائِلَةً: "يَا أَحِبَّائِي الصِّغَارَ، لَا تَبْكُوا وَلَا تَبْتَئِسُوا، لَقَدْ شَمَمْتُ رَائِحَةَ نَمِرٍ سَمِينٍ يَقْتَرِبُ مِنَّا الآنَ. اصْبِرُوا قَلِيلاً، فَسَأَصْطَادُهُ لَكُمْ لِتَكُونَ مَأْدُبَةَ عَشَائِنَا اللَّذِيذَةَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ!".
وَقَعَتْ هَذِهِ الكَلِمَاتُ عَلَى مَسَامِعِ النَّمِرِ "رَاغِب" كَالصَّاعِقَةِ، فَتَجَمَّدَ فِي مَكَانِهِ وَتَمَلَّكَهُ رُعْبٌ شَدِيدٌ. حَدَّثَ نَفْسَهُ قَائِلاً: "يَا لَلْهَوْلِ! أَيُّ كَائِنٍ جَبَّارٍ هَذَا الَّذِي يَسْكُنُ كَهْفِي وَيَنْتَظِرُ مَجِيئِي لِيَجْعَلَنِي طَعَاماً لِصِغَارِهِ؟ لَا بُدَّ أَنَّهُ وَحْشٌ ضَارٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ مِنْ قَبْلُ!". وَدُونَ أَنْ يَنْظُرَ خَلْفَهُ، وَلَّى النَّمِرُ الدُّبُرَ، رَاكِضاً بِأَقْصَى سُرْعَتِهِ نَحْوَ أَعْمَاقِ الغَابَةِ.
وَفِي طَرِيقِ هَرَبِهِ المَذْعُورِ، صَادَفَهُ ابْنُ آوَى يُدْعَى "مَاكِر"، كَانَ مَعْرُوفاً بِلُؤْمِهِ وَخِدَاعِهِ. اسْتَوْقَفَهُ مَاكِرٌ مُتَعَجِّباً: "مَا بَالُكَ يَا مَلِكَ الغَابَةِ تَرْكُضُ هَكَذَا وَالرُّعْبُ يَمْلأُ عَيْنَيْكَ؟". لَهَثَ رَاغِبٌ وَقَالَ: "الخَطَرُ دَاهِمٌ يَا مَاكِر! هُنَاكَ مَخْلُوقٌ مَهُولٌ اسْتَوْلَى عَلَى كَهْفِي، وَقَدْ سَمِعْتُهُ بِأُذُنَيَّ يَعِدُ صِغَارَهُ بِأَكْلِي!". ضَحِكَ مَاكِرٌ بِخُبْثٍ وَقَالَ: "أَيُّهَا النَّمِرُ الشُّجَاعُ، لَقَدْ خَدَعَتْكَ هَذِهِ الغَزَالَةُ بِحِيلَتِهَا! لَقَدْ كُنْتُ أَرْقُبُ المَكَانَ عَنْ بُعْدٍ، وَرَأَيْتُ تِلْكَ الغَزَالَةَ وَهِيَ تَدْلِفُ إِلَى عَرِينِكَ خُفْيَةً مَعَ صِغَارِهَا، وَلَيْسَ فِي الكَهْفِ سِوَاهُمْ. هَيَّا بِنَا نَعُودُ لِنَفْتَرِسَهُمْ مَعاً، فَإِنَّ الصَّيْدَ ثَمِينٌ وَسَهْلٌ!"
تَرَدَّدَ رَاغِبٌ وَقَالَ بَيْنَ خَوْفِهِ وَحِذْرِهِ: "أَخْشَى أَنْ نَصِلَ إِلَى هُنَاكَ فَتَهْرُبَ أَنْتَ بِنَفْسِكَ وَتَتْرُكَنِي أُوَاجِهُ مَصِيرِي وَحِيداً". فَكَّرَ مَاكِرٌ ثُمَّ قَالَ: "إِذَنْ، لِنَرْبِطْ ذَيْلِي بِذَيْلِكَ بِعُقْدَةٍ مَتِينَةٍ، وَهَكَذَا لَنْ أَسْتَطِيعَ الهَرَبَ دُونَكَ". وَافَقَ النَّمِرُ عَلَى هَذَا الِاقْتِرَاحِ، وَبَعْدَ أَنْ أَحْكَمَا رَبْطَ ذَيْلَيْهِمَا، انْطَلَقَا نَحْوَ الكَهْفِ مَرَّةً أُخْرَى.
عِنْدَمَا أَبْصَرَتْ لَيْلَى النَّمِرَ يَعُودُ بِمَعِيَّةِ ابْنِ آوَى، أَدْرَكَتْ أَنَّ الخُطَّةَ تَعَقَّدَتْ، لَكِنَّ بَدِيهَتَهَا لَمْ تَخُنْهَا. صَرَخَتْ مَرَّةً ثَانِيَةً بِصَوْتٍ عَالٍ جِدّاً كَيْ يَسْمَعَهَا النَّمِرُ: "أَحْسَنْتَ يَا صَدِيقِي العَزِيزَ مَاكِر! لَقَدْ وَفَيْتَ بِوَعْدِكَ وَأَحْضَرْتَ لَنَا النَّمِرَ مَرْبُوطاً كَمَا طَلَبْتُ مِنْكَ، لِكَيْ لَا يَهْرُبَ مِنَّا هَذِهِ المَرَّةَ. انْظُرُوا يَا أَبْنَائِي، لَقَدْ جَاءَ بِهِ إِلَيْنَا لِنَأْكُلَهُ!"
حِينَهَا، اعْتَقَدَ النَّمِرُ رَاغِبٌ أَنَّ ابْنَ آوَى قَدْ غَدَرَ بِهِ وَسَلَّمَهُ لِلْوَحْشِ المَزْعُومِ طَعَاماً جَاهِزاً. انْقَلَبَ فُضُولُ النَّمِرِ إِلَى رُعْبٍ قَاتِلٍ، فَانْدَفَعَ يَرْكُضُ بِجُنُونٍ لَا يَلْوِي عَلَى شَيْءٍ، جَارّاً خَلْفَهُ ابْنَ آوَى الَّذِي كَانَ يَصْرُخُ طَالِباً النَّجْدَةَ دُونَ جَدْوَى. كَانَ رَاغِبٌ يَقْفِزُ فَوْقَ الصُّخُورِ الحَادَّةِ وَيَخْتَرِقُ الأَشْوَاكَ الكَثِيفَةَ، حَتَّى اشْتَبَكَ جَسَدُ مَاكِرٍ بَيْنَ صَخْرَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ، وَمِنْ شِدَّةِ الِانْدِفَاعِ وَقُوَّةِ السَّحْبِ، انْقَطَعَ ذَيْلُ النَّمِرِ، وَلَقِيَ ابْنُ آوَى حَتْفَهُ بَيْنَ الصُّخُورِ نَتِيجَةَ غَدْرِهِ وَمَكْرِهِ.
أَمَّا النَّمِرُ فَقَدْ وَاصَلَ جَرْيَهُ حَتَّى غَادَرَ تِلْكَ المِنْطَقَةَ لِلأَبَدِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ نَجَا مِنَ المَوْتِ بِأُعْجُوبَةٍ، رَغْمَ فُقْدَانِهِ لِذَيْلِهِ. وَفِي تِلْكَ الأَثْنَاءِ، خَرَجَتِ الغَزَالَةُ لَيْلَى مَعَ صَغِيرَيْهَا بِكُلِّ هُدُوءٍ، وَسَارَتْ نَحْوَ مَرَاعِي قَطِيعِهَا، حَامِلَةً مَعَهَا دَرْساً ثَمِيناً لِصِغَارِهَا: أَنَّ العَقْلَ هُوَ الحِصْنُ الحَصِينُ، وَأَنَّ الثَّبَاتَ عِنْدَ الشَّدَائِدِ يَفْتَحُ أَبْوَابَ النَّجَاةِ.
🌱 القيم والدروس
- الذكاء قد يهزم القوة - الحيلة تنقذ من المواقف الخطيرة - لا تكن جبانًا، ولا تثق بمن لا تعرفه - الأم الذكية تحمي أطفالها دائمًا❓ أسئلة الفهم
1. من دخل كهف النمر؟ 2. ماذا قالت ليلى عندما اقترب النمر؟ 3. كيف تصرف النمر راغب؟ 4. ماذا فعل ابن آوى ماكر؟ 5. كيف انتهت القصة؟💡 أسئلة التفكير
1. هل تصرف ليلى كان ذكيًا؟ لماذا؟ 2. ما رأيك في تصرف النمر؟ 3. هل كان ماكر مخادعًا أم شجاعًا؟🏡 التطبيق العملي
1. هل واجهت موقفًا احتجت فيه للتفكير السريع؟ 2. كيف تحمي نفسك من الخطر؟ 3. ما هي أهمية الذكاء في حياتك اليومية؟🎨 أنشطة ممتعة
- 🎨 رسم مشهد ربط الذيل بين النمر وابن آوى - 🎭 تمثيل القصة كمسرحية قصيرة - ✍️ كتابة نهاية بديلة للقصة من وجهة نظر النمر
Tags:
قصص حيوانات
