مِيدُو الَّذِي تَعَلَّمَ أَدَبَ الْحَدِيثِ

مِيدُو الَّذِي تَعَلَّمَ أَدَبَ الْحَدِيثِ

مِيدُو الَّذِي تَعَلَّمَ أَدَبَ الْحَدِيثِ

كَانَ هُنَاكَ طِفْلٌ صَغِيرٌ يُدْعَى مِيدُو، يَمْتَلِئُ وَجْهُهُ بِالْبَرَاءَةِ وَعَيْنَاهُ تَلْمَعَانِ بِالذَّكَاءِ. كَانَ مِيدُو طِفْلًا مَحْبُوبًا لَدَى الْجَمِيعِ بِسَبَبِ قَلْبِهِ الطَّيِّبِ وَرُوحِهِ الْمَرِحَةِ، لَكِنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ صِفَةً وَاحِدَةً جَعَلَتْ وَالِدَيْهِ وَأَصْدِقَاءَهُ يَشْعُرُونَ بِالِارْتِبَاكِ دَائِمًا؛ فَقَدْ كَانَ مِيدُو "بَرَّادًا لِلْكَلَامِ" لَا يَتَوَقَّفُ أَبَدًا! كَانَ يَتَحَدَّثُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَفِي أَيِّ وَقْتٍ، وَالْأَسْوَأُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَنْتَظِرُ أَحَدًا حَتَّى يُنْهِيَ جُمْلَتَهُ، بَلْ يَقْفِزُ مُقَاطِعًا لِيُلْقِيَ بِمَا فِي جَعْبَتِهِ مِنْ كَلِمَاتٍ.

فِي صَبَاحِ أَحَدِ الْأَيَّامِ، كَانَتْ وَالِدَتُهُ تَجْلِسُ فِي غُرْفَةِ الْمَعِيشَةِ تَتَحَدَّثُ فِي الْهَاتِفِ مَعَ خَالَتِهِ عَنْ تَرْتِيبَاتِ زِيَارَةٍ عَائِلِيَّةٍ هَامَّةٍ. قَالَتِ الْأُمُّ: "يَا أُمَّ خَالِدٍ، لَقَدْ فَكَّرْنَا طَوِيلًا، وَقَرَّرْنَا أَنْ نُفَاجِئَ..." وَقَبْلَ أَنْ تَنْطِقَ بِالْكَلِمَةِ التَّالِيَةِ، انْدَفَعَ مِيدُو كَالصَّارُوخِ نَحْوَهَا صَارِخًا: "أُمِّي! أُمِّي! انْظُرِي لَقَدْ رَسَمْتُ زَرَافَةً زَرْقَاءَ! هَلْ سَنَذْهَبُ إِلَى حَدِيقَةِ الْحَيَوَانِ لِنَرَى الزَّرَافَاتِ غَدًا؟". اعْتَذَرَتِ الْأُمُّ مِنَ الْخَالَةِ وَأَغْلَقَتِ الْهَاتِفَ، ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى مِيدُو بِهُدُوءٍ وَقَالَتْ: "يَا صَغِيرِي، لَقَدْ كُنْتُ أَتَحَدَّثُ فِي أَمْرٍ هَامٍّ، وَمُقَاطَعَتُكَ لِي تَجْعَلُنِي أَفْقِدُ تَرْكِيزِي وَتُزْعِجُ مَنْ أُحَدِّثُهُ. عَلَيْكَ أَنْ تَنْتَظِرَ حَتَّى أَضَعَ الْهَاتِفَ ثُمَّ تَتَكَلَّمَ." هَزَّ مِيدُو رَأْسَهُ بِالْمُوَافَقَةِ، لَكِنَّ حَمَاسَهُ كَانَ دَائِمًا أَسْرَعَ مِنْ وَعْدِهِ.

عِنْدَمَا حَانَ وَقْتُ الْمَسَاءِ، اجْتَمَعَتِ الْعَائِلَةُ حَوْلَ مَائِدَةِ الْعَشَاءِ. دَخَلَ الْأَبُ وَعَلَى وَجْهِهِ ابْتِسَامَةٌ عَرِيضَةٌ، وَقَالَ: "يَا أَبْنَائِي، لَدَيَّ خَبَرٌ سَيَجْعَلُكُمْ تَقْفِزُونَ مِنَ الْفَرَحِ، لَقَدْ كَانَ يَوْمِي فِي الْعَمَلِ حَافِلًا، وَلِأَنَّكُمْ كُنْتُمْ مُجْتَهِدِينَ هَذَا الْأُسْبُوعَ سَأُخْبِرُكُمْ بِمُفَاجَأَةٍ..." لَمْ يَنْتَظِرْ مِيدُو أَنْ يَتَنَفَّسَ وَالِدُهُ، بَلْ صَفَّقَ بِيَدَيْهِ وَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "أَنَا أَعْرِفُ! أَنَا أَعْرِفُ! سَنَذْهَبُ إِلَى بَيْتِ جَدِّي فِي الْمَزْرَعَةِ وَنَرْكَبُ الْخَيْلَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ يَا أَبِي؟".

سَادَ الصَّمْتُ لَحْظَةً، وَتَلَاشَتِ الِابْتِسَامَةُ مِنْ وَجْهِ الْأَبِ. نَظَرَ الْأَبُ إِلَى مِيدُو بِحَزْمٍ لَمْ يَعْتَدْهُ مِيدُو مِنْ قَبْلُ، وَقَالَ: "لَقَدْ أَفْسَدْتَ لَحْظَةَ التَّشْوِيقِ يَا مِيدُو. كُنْتُ سَأُخْبِرُكُمْ أَنَّنِي حَجَزْتُ تَذَاكِرَ لِرِحْلَةٍ مُمَيَّزَةٍ إِلَى حَدِيقَةِ الْحَيَوَانِ الْكُبْرَى الَّتِي كُنْتَ تَتَمَنَّاهَا، لَكِنَّكَ قَاطَعْتَنِي لِلْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ هَذَا الْيَوْمَ رَغْمَ تَنْبِيهِ وَالِدَتِكَ. وَلِكَيْ تَتَعَلَّمَ أَنَّ لِلْآخَرِينَ حَقًّا فِي إِكْمَالِ حَدِيثِهِمْ، سَتَبْقَى أَنْتَ فِي الْمَنْزِلِ مَعَ مُرَبِّيَتِكَ غَدًا، بَيْنَمَا أَذْهَبُ أَنَا وَإِخْوَتُكَ."

انْفَجَرَ مِيدُو بِالْبُكَاءِ، وَشَعَرَ بِغَصَّةٍ فِي حَلْقِهِ. طَوَالَ ذَلِكَ الْمَسَاءِ، لَمْ يَنْطِقْ مِيدُو بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ. جَلَسَ فِي زَاوِيَتِهِ يُرَاقِبُ الْجَمِيعَ وَهُوَ صَامِتٌ تَمَامًا. بَعْدَ قَلِيلٍ، اقْتَرَبَ مِنْهُ الْأَبُ وَجَلَسَ بِجَانِبِهِ، وَرَبَّتَ عَلَى ظَهْرِهِ بِحَنَانٍ قَائِلًا: "مَا بَالُ بَطَلِي الصَّغِيرِ حَزِينًا وَصَامِتًا هَكَذَا؟". أَجَابَ مِيدُو وَالدُّمُوعُ تَلْمَعُ فِي عَيْنَيْهِ: "يَا أَبِي، أَنَا أَخَافُ أَنْ أَتَحَدَّثَ فَأُخْطِئَ مَرَّةً أُخْرَى. لَقَدْ قَرَّرْتُ أَنْ أَصْمُتَ إِلَى الْأَبَدِ كَيْ لَا يُغْضِبَكَ كَلَامِي."

ابْتَسَمَ الْأَبُ وَضَمَّهُ إِلَيْهِ قَائِلًا: "لَا يَا حَبِيبِي، لَيْسَ هَذَا مَا أَرَدْتُهُ. الْكَلَامُ مَوْهِبَةٌ، وَأَنْتَ مُتَحَدِّثٌ بَارِعٌ، لَكِنَّ الِاسْتِمَاعَ فَنٌّ أَعْظَمُ. هَلْ تَعْلَمُ لِمَاذَا خَلَقَ اللَّهُ لَنَا أُذُنَيْنِ اثْنَتَيْنِ وَلِسَانًا وَاحِدًا؟ لِنَسْتَمِعَ ضِعْفَ مَا نَتَكَلَّمُ! عِنْدَمَا تَسْتَمِعُ لِلْآخَرِينَ، أَنْتَ تُظْهِرُ لَهُمُ الِاحْتِرَامَ، وَتَفْهَمُ مَا يُرِيدُونَ قَوْلَهُ بِدِقَّةٍ. الِاسْتِمَاعُ هُوَ السِّرُّ الَّذِي يَجْعَلُ النَّاسَ يُحِبُّونَ حَدِيثَكَ عِنْدَمَا يَأْتِي دَوْرُكَ."

مَسَحَ مِيدُو دُمُوعَهُ وَقَالَ: "أَعِدُكَ يَا أَبِي أَنَّنِي سَأُدَرِّبُ أُذُنَيَّ عَلَى الْعَمَلِ أَكْثَرَ مِنْ لِسَانِي. سَأَنْتَظِرُ دَوْرِي دَائِمًا." نَظَرَ الْأَبُ إِلَى مِيدُو وَرَأَى فِي عَيْنَيْهِ صِدْقًا وَنُضْجًا، فَقَالَ لَهُ: "وَلِأَنَّكَ فَهِمْتَ الدَّرْسَ بِسُرْعَةٍ، وَاعْتَذَرْتَ بِشَجَاعَةٍ، فَقَدْ قَرَّرْتُ مَسَامَحَتَكَ. بَلْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، سَنُؤَجِّلُ الرِّحْلَةَ لِلْأُسْبُوعِ الْقَادِمِ لِنَذْهَبَ إِلَى مَحْمِيَّةٍ طَبِيعِيَّةٍ أَكْبَرَ حَيْثُ يُمْكِنُنَا رُؤْيَةُ كُلِّ الْحَيَوَانَاتِ مَعًا." قَفَزَ مِيدُو فَرَحًا وَعَانَقَ وَالِدَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، صَارَ مِيدُو مَعْرُوفًا بَيْنَ أَقْرَانِهِ بِأَنَّهُ "الْمُسْتَمِعُ الذَّكِيُّ"، الَّذِي لَا يَنْطِقُ إِلَّا بِأَجْمَلِ الْكَلَامِ فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ.

القيم والدروس الأخلاقية

  • أَدَبُ الْحَدِيثِ: مِنْ أَهَمِّ قَوَاعِدِ التَّوَاصُلِ هُوَ عَدَمُ مُقَاطَعَةِ الْآخَرِينَ وَالِاسْتِمَاعُ لَهُمْ بِاحْتِرَامٍ حَتَّى يُنْهُوا كَلَامَهُمْ.
  • الِاسْتِمَاعُ فَنٌّ: كَمَا أَنَّ الْكَلَامَ مُهِمٌّ، فَإِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الِاسْتِمَاعِ بِتَرْكِيزٍ هِيَ مَهَارَةٌ أَسَاسِيَّةٌ تُظْهِرُ الِاحْتِرَامَ.
  • التَّرْبِيَةُ بِالْحُبِّ وَالْحَزْمِ: أَظْهَرَ الْأَبُ حَزْمًا عِنْدَمَا عَاقَبَ ابْنَهُ، لَكِنَّهُ أَظْهَرَ حُبًّا عِنْدَمَا شَرَحَ لَهُ سَبَبَ الْعُقُوبَةِ وَسَامَحَهُ.
  • التَّعَلُّمُ مِنَ الْخَطَأِ يُكَافَأُ: عِنْدَمَا نَعْتَرِفُ بِأَخْطَائِنَا وَنَتَعَلَّمُ مِنْهَا، فَإِنَّنَا نَسْتَحِقُّ الْمُكَافَأَةَ وَالثَّنَاءَ.

أسئلة لفهم القصة

أسئلة بسيطة

  1. مَا هِيَ عَادَةُ مِيدُو الَّتِي كَانَتْ تُزْعِجُ الْآخَرِينَ؟
  2. مَنْ قَاطَعَ مِيدُو أَوَّلًا، وَمَنْ قَاطَعَ ثَانِيًا؟
  3. مَاذَا كَانَتْ عُقُوبَةُ الْأَبِ لِمِيدُو؟
  4. لِمَاذَا قَرَّرَ مِيدُو أَنْ يَصْمُتَ وَلَا يَتَكَلَّمَ؟
  5. مَا هُوَ الْأَمْرُ الْمُهِمُّ الَّذِي أَرَادَ الْأَبُ أَنْ يُعَلِّمَهُ لِابْنِهِ؟

أسئلة للتفكير النقدي

  1. لِمَاذَا يُعْتَبَرُ مُقَاطَعَةُ حَدِيثِ الْآخَرِينَ تَصَرُّفًا غَيْرَ لَائِقٍ؟
  2. هَلْ كَانَ الْأَبُ قَاسِيًا عِنْدَمَا عَاقَبَ مِيدُو؟ لِمَاذَا؟
  3. كَيْفَ يُمْكِنُ لِلِاسْتِمَاعِ الْجَيِّدِ أَنْ يَجْعَلَنَا أَصْدِقَاءَ أَفْضَلَ؟

أسئلة لربط القصة بحياتك

  1. هَلْ سَبَقَ لَكَ أَنْ قَاطَعْتَ حَدِيثَ شَخْصٍ مَا بِحَمَاسٍ؟ مَاذَا حَدَثَ؟
  2. مَاذَا تَفْعَلُ عِنْدَمَا تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ شَيْئًا مُهِمًّا وَلَكِنَّ شَخْصًا آخَرَ يَتَحَدَّثُ؟
  3. صِفْ شُعُورَكَ عِنْدَمَا يَتَحَدَّثُ إِلَيْكَ شَخْصٌ وَيَسْتَمِعُ لَكَ بِاهْتِمَامٍ.

أنشطة تفاعلية ممتعة

  • لُعْبَةُ "عَصَا الْكَلَامِ": اجْلِسُوا فِي دَائِرَةٍ. الشَّخْصُ الَّذِي يُمْسِكُ بِـ "عَصَا الْكَلَامِ" (يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ قَلَمًا أَوْ أَيَّ شَيْءٍ آخَرَ) هُوَ الْوَحِيدُ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ التَّحَدُّثُ. الْآخَرُونَ يَجِبُ أَنْ يَسْتَمِعُوا حَتَّى يَنْتَهِيَ وَيُمَرِّرَ الْعَصَا.
  • تَمْثِيلُ الْمَشْهَدِ: قُمْ بِتَمْثِيلِ الْمَشْهَدِ الَّذِي يُقَاطِعُ فِيهِ مِيدُو وَالِدَهُ، ثُمَّ مَثِّلْ نَفْسَ الْمَشْهَدِ بِالطَّرِيقَةِ الصَّحِيحَةِ حَيْثُ يَنْتَظِرُ مِيدُو حَتَّى يُنْهِيَ وَالِدُهُ كَلَامَهُ.
  • ارْسُمِ الْفَرْقَ: ارْسُمْ صُورَتَيْنِ: الْأُولَى لِعَائِلَةٍ الْكُلُّ فِيهَا يَتَحَدَّثُ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ وَتَبْدُو الْفَوْضَى، وَالثَّانِيَةَ لِعَائِلَةٍ يَسْتَمِعُ فِيهَا الْجَمِيعُ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ يَتَحَدَّثُ بِهُدُوءٍ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم