حيلة جحا والدجاجة الذكية
كان يا مكان، في قديم الزمان، وفي قرية هادئة يكسوها عبق الزهور في الصيف ودفء المواقد في الشتاء، عاش جحا مع زوجته وأطفاله الصغار. كان جحا رجلاً طيب القلب، مشهوراً بذكائه الذي يغلفه بطابع من المرح، وبحكاياته التي لا تنتهي مع حماره الوفي. وفي صباح يوم شتوي بارد، استيقظ جحا من نومه مبكراً قبل أن تشرق الشمس، وغسل وجهه بالماء البارد المنعش، ثم ارتدى ثيابه الصوفية الثقيلة لتقيه من لسعات البرد. جلس جحا مع أسرته الصغيرة يتناولون طعام الإفطار المكون من الخبز الساخن والزيت والزعتر، وكان جحا يبتسم لأطفاله ويعدهم بأنه سيحضر لهم بعض الحلوى عند عودته من السوق.
بعد الإفطار، توجه جحا إلى فناء البيت حيث توجد حظيرة الدجاج. كان جحا يربي دجاجات جميلة، جميعها بيضاء اللون وسمينة، وكان يعتني بها جيداً. بدأ جحا يمسك الدجاجات برفق ويضعها في ثلاثة أقفاص خشبية كبيرة، وفي كل قفص وضع خمس عشرة دجاجة، حتى صار المجموع خمسة وأربعين دجاجة. ربط جحا الأقفاص بإحكام فوق ظهر حماره، وركب خلفها وهو يمسك عصاه الصغيرة، ثم انطلق نحو السوق وهو يدندن بأهازيج الصباح الجميلة.
وصل جحا إلى السوق، وكان المكان يضج بالحركة والباعة والزبائن. اختار جحا مكانه المعتاد، وأنزل الأقفاص بحرص، ثم غطاها بقطعة كبيرة من القماش لحمايتها من المطر المحتمل أو من شمس الظهيرة إذا اشتدت. وبجانب جحا، وقف تاجر جديد لم يره من قبل يدعى سعيد، كان سعيد يبيع الدجاج أيضاً، لكنه كان ينظر إلى جحا وعيناه تملؤهما الغيرة؛ فقد كان الناس يتسابقون لشراء دجاج جحا لنظافته وصحته، بينما ظل سعيد ينتظر الزبائن دون جدوى.
بعد ساعات من البيع والشراء، شعر جحا بالحاجة للذهاب لقضاء حاجته، فالتفت إلى جاره الجديد سعيد وقال له بلياقة: "يا جاري العزيز، هل يمكنك مراقبة أقفاصي حتى أعود؟ لن أتأخر عليك". أجاب سعيد بمكر وهو يخفي نية سيئة: "بالطبع يا جحا، اذهب مطمئناً، سأحمي دجاجك كما أحمي مالي". شكره جحا وذهب، لكن سعيداً استغل غياب جحا، وبسرعة خاطفة فتح الأقفاص وسرق ثلاث دجاجات كبيرة وخبأها في أقفاصه الخاصة ليبيعها لنفسه.
عندما عاد جحا، وجد سعيداً يتظاهر بالانشغال بجمع بضاعته. بدأ جحا يعد ما بقي من دجاجه، وحسب ثمن ما باعه من قبل. كان يعلم أن الدجاجة الواحدة بثلاثة دنانير، وبحسبة بسيطة اكتشف أن هناك نقصاً، فبدلاً من أن يجد عشر دجاجات متبقية، وجد سبعاً فقط! عرف جحا فوراً أن سعيداً قد خانه، لكنه لم يرغب في الصراخ أو اتهامه دون دليل قاطع، ففكر قليلاً حتى لمعت في رأسه فكرة عبقرية.
باع جحا كل الدجاج المتبقي إلا دجاجة واحدة، كانت كبيرة وجميلة جداً. وعندما حاول الزبائن شراءها، كان جحا يقول: "عذراً، هذه الدجاجة ليست للبيع بأي ثمن!". تعجب سعيد وسأله: "لماذا ترفض بيعها وهي الأفضل بين خرافك؟". تظاهر جحا بالغموض، وأخذ يغطي القفص بالقماش، ثم يدخل رأسه تحت الغطاء ويهمس بكلمات غير مفهومة، ثم يخرج رأسه وكأنه يسمع سراً خطيراً. اقترب سعيد بفضول قاتل وقال: "ماذا تفعل يا جحا؟ هل جننت؟".
ابتسم جحا وقال بصوت منخفض: "صه يا سعيد! هذه ليست دجاجة عادية، إنها دجاجة تتكلم، وهي تخبرني الآن بكل ما حدث في السوق منذ الصباح! إنها تحفظ الأسرار وتكشف اللصوص، وقد أخبرتني للتو عن المشاجرة التي وقعت بين العطار وبائع الفطير خلف المسجد". صعق سعيد، فقد كانت تلك المشاجرة قد حدثت بالفعل وجحا بعيد، فصدق المسكين أن الدجاجة هي من نقلت الخبر، وبدأ يرتجف خوفاً من أن تنطق الدجاجة باسمه أمام الناس وتفضح سرقته.
بدأ جحا يجمع أقفاصه وهو يتظاهر بمخاطبة الدجاجة: "حسناً يا عزيزتي، اصمتي الآن، ولا تخبري أحداً بما رأيتِ، سنكمل حديثنا في البيت بالتفصيل وسأعرف منكِ من الذي مد يده إلى القفص في غيابي". ركب جحا حماره وانطلق، بينما وقف سعيد ينظر إليه برعب. لم تمر ساعة حتى وصل جحا إلى منزله، وما إن بدأ يربط حماره حتى سمع طرقاً قوياً على الباب.
فتح جحا الباب ليجد سعيداً يقف وهو يلهث من شدة الركض، ووجهه يتصبب عرقاً. قال سعيد بصوت متقطع: "أرجوك يا جحا، خذ هذه الدنانير التسعة، إنها ثمن الدجاجات الثلاث التي أخذتها من قفصك. لقد غلبني الشيطان فسرقتها، ولكنني تبت الآن، أرجوك لا تجعل الدجاجة تفضحني أمام أهل القرية!". أخذ جحا النقود بوقار وقال له: "سأعدك هذه المرة أنني سأطلب منها أن تكتم سرك، ولكن إياك والعودة لمثل هذا الفعل". انصرف سعيد وهو يشعر براحة كبيرة، بينما دخل جحا إلى زوجته وأولاده وهو يضحك، وقص عليهم كيف استعاد حقه بذكائه وحيلة "الدجاجة المتكلمة"، فضحك الجميع وأدركوا أن الحق لا يضيع ما دام وراءه عقل ذكي كعقل جحا.
Tags:
قصص جحا
