كَيْفَ عُوقِبَ السَّارِقُ؟
فِي إِحْدَى الْقُرَى الْبَعِيدَةِ، كَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ يَمْلِكُ حَقْلاً كَبِيراً مَلِيئاً بِالْبَصَلِ الشَّهِيِّ، وَفِي لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي، تَسَلَّلَ لِصٌّ إِلَى ذَلِكَ الْحَقْلِ وَبَدَأَ يَجْمَعُ الْبَصَلَ بِمَكْرٍ وَيَضَعُهُ فِي كِيسِهِ الْكَبِيرِ. لَكِنَّ صَاحِبَ الْحَقْلِ كَانَ يَقِظاً، فَاسْتَطَاعَ أَنْ يُمْسِكَ بِهِ وَهُوَ يَتَلَبَّسُ بِالسَّرِقَةِ، ثُمَّ سَلَّمَهُ عَلَى الْفَوْرِ لِلشُّرْطِيِّ الَّذِي اقْتَادَهُ إِلَى الْمَرْكَزِ. بَعْدَ التَّحْقِيقِ مَعَهُ، حُوِّلَتْ أَوْرَاقُهُ إِلَى الْمَحْكَمَةِ لِيَقِفَ أَمَامَ الْقَاضِي الْعَادِلِ.
وَقَفَ اللَّصُّ خَائِفاً، وَسَأَلَهُ الْقَاضِي عَنْ فِعْلَتِهِ، فَاعْتَرَفَ بِالسَّرِقَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ أَيَّ مَهْرَبٍ بَعْدَمَا قُبِضَ عَلَيْهِ وَالْبَصَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ. نَظَرَ الْقَاضِي إِلَيْهِ وَقَالَ بِمَرَامٍ: "أَيُّهَا الرَّجُلُ، لَقَدْ ارْتَكَبْتَ خَطَأً كَبِيراً، وَلَكِنِّي سَأُعْطِيكَ الْفُرْصَةَ لِتَخْتَارَ لِنَفْسِكَ وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثِ عُقُوبَاتٍ: إِمَّا أَنْ تَدْفَعَ غَرَامَةً مَالِيَّةً قَدْرُهَا سَبْعَةُ دَرَاهِمَ مَغْرِبِيَّةٍ، أَوْ أَنْ نَضْرِبَكَ بِالسَّوْطِ مِائَةَ مَرَّةٍ، أَوْ أَنْ تَأْكُلَ مِائَةَ بَصَلَةٍ حَارَّةٍ فِي جَلْسَةٍ وَاحِدَةٍ. فَاخْتَرِ الْآنَ مَا تَشَاءُ، فَلَنْ تَخْرُجَ مِنْ هُنَا إِلَّا بَعْدَ تَنْفِيذِ خِيَارِكَ".
فَكَّرَ اللَّصُّ فِي نَفْسِهِ وَقَالَ: "سَبْعَةُ دَرَاهِمَ مَبْلَغٌ لَا أُرِيدُ خَسَارَتَهُ، وَالضَّرْبُ بِالسَّوْطِ مُؤْلِمٌ جِدّاً، أَمَّا الْبَصَلُ فَمَا هُوَ إِلَّا طَعَامٌ، وَسَيَكُونُ أَكْلُهُ سَهْلاً!". فَقَالَ لِلْقَاضِي بِثِقَةٍ: "إِنِّي أَخْتَارُ أَكْلَ مِائَةِ بَصَلَةٍ". أَحْضَرَ الْجُنُودُ كُومَةً كَبِيرَةً مِنَ الْبَصَلِ الْأَحْمَرِ الْحَارِّ، وَبَدَأَ اللَّصُّ يَأْكُلُ الْأُولَى ثُمَّ الثَّانِيَةَ، وَمَا إِنْ وَصَلَ إِلَى الْبَصَلَةِ السَّابِعَةِ حَتَّى بَدَأَ يَشْعُرُ بِنَارٍ تَحْرِقُ فَمَهُ وَمَعِدَتَهُ، وَانْهَمَرَتِ الدُّمُوعُ مِنْ عَيْنَيْهِ بِغَزَارَةٍ، وَسَالَ أَنْفُهُ، وَلَمْ يَعُدْ قَادِراً عَلَى ابْتِلَاعِ لُقْمَةٍ أُخْرَى.
صَرَخَ اللَّصُّ مِنَ الْأَلَمِ: "لَا أَسْتَطِيعُ! هَذَا الْبَصَلُ حَارٌّ جِدّاً! لَا أُرِيدُ أَكْلَهُ، وَلَا أُرِيدُ دَفْعَ الدَّرَاهِمِ، سَأَخْتَارُ الضَّرْبَ بِالسَّوْطِ فَهِيَ أَهْوَنُ". بَدَأَ الْجُنْدِيُّ بِضَرْبِهِ، وَمَعَ كُلِّ ضَرْبَةٍ كَانَ اللَّصُّ يَقْفِزُ وَيَصْرُخُ مِنَ الْوَجَعِ، وَبَعْدَ ضَرَبَاتٍ قَلِيلَةٍ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "قِفُوا! أَرْجُوكُمْ تَوَقَّفُوا! إِنَّ جَسَدِي لَا يَتَحَمَّلُ هَذَا الْأَلَمَ، أَنَا مُسْتَعِدٌّ الْآنَ لِدَفْعِ السَّبْعَةِ دَرَاهِمَ الْمَغْرِبِيَّةِ بَلْ وَأَكْثَرَ، فَقَطْ أَوْقِفُوا الضَّرْبَ، وَأَعِدُكُمْ أَنِّي لَنْ أَمُدَّ يَدِي لِلسَّرِقَةِ أَبَداً بَعْدَ الْيَوْمِ".
ضَحِكَ الْحَاضِرُونَ فِي الْمَحْكَمَةِ مِنْ حَالِ اللَّصِّ، فَقَدْ نَالَ جَزَاءَ عِنَادِهِ؛ إِذْ عَذَّبَ نَفْسَهُ بِحَرَارَةِ الْبَصَلِ، وَتَأَلَّمَ مِنْ وَجَعِ السَّوْطِ، وَفِي النِّهَايَةِ دَفَعَ الْغَرَامَةَ الَّتِي كَانَ يَحْرِصُ عَلَيْهَا. وَهَكَذَا خَرَجَ اللَّصُّ وَهُوَ نَادِمٌ أَشَدَّ النَّدَمِ، وَقَدْ تَعَلَّمَ دَرْساً لَنْ يَنْسَاهُ أَبَداً عَنْ نَتِيجَةِ السَّرِقَةِ وَسُوءِ الِاخْتِيَارِ.
