جَنَّاتُ وَجُمَانَةُ وَفُسْتَانُ المَسْحُور

جَنَّاتُ وَجُمَانَةُ وَفُسْتَانُ المَسْحُور

فِي صَبَاحِ يَوْمٍ مُشْرِقٍ، كَانَتِ الأُخْتَانِ جَنَّاتُ وَجُمَانَةُ الصُّغْرَى تَلْعَبَانِ فِي حَدِيقَةِ مَنْزِلِهِمَا الجَمِيلَةِ، وَكَانَ الكَلْبُ "رُوكِي" يَرْكُضُ خَلْفَ الفَرَاشَاتِ بِمَرَحٍ، بَيْنَمَا تَمَدَّدَتِ القِطَّةُ "مُشْمِسُ" فَوْقَ سُورِ الحَدِيقَةِ تُرَاقِبُ العَصَافِيرَ بكسَلٍ. فَجْأَةً، طَرَقَ سَاعِي البَرِيدِ البَابَ وَسَلَّمَ الأُمَّ رِسَالَةً مُزَيَّنَةً بِالأَلْوَانِ، وَبِصَوْتٍ مَلِيءٍ بِالبَهْجَةِ قَالَتِ الأُمُّ: "يَا بَنَاتِي، لَدَيَّ خَبَرٌ رَائِعٌ! سَتُقَامُ بَعْدَ أَيَّامٍ حَفْلَةٌ تَنَكُّرِيَّةٌ كَبِيرَةٌ لِأَطْفَالِ الحَيِّ". قَفَزَتْ جَنَّاتُ مِنَ الفَرَحِ، وَصَفَّقَتْ جُمَانَةُ بِيَدَيْهَا الصَّغِيرَتَيْنِ، لَكِنَّ حِيرَةً كَبِيرَةً بَدَتْ عَلَى وَجْهِ جَنَّاتَ، فَهِيَ لَا تَعْرِفُ بِمَاذَا تَتَنَكَّرُ فِي هَذِهِ المُنَاسَبَةِ السَّعِيدَةِ. نَظَرَتْ جَنَّاتُ إِلَى كَلْبِهَا "رُوكِي" وَقَالَتْ: "مَاذَا لَوْ كُنْتَ مَكَانِي يَا رُوكِي؟ هَلْ تَعْرِفُ مَاذَا أَرْتَدِي؟"، فَهَزَّ رُوكِي ذَيْلَهُ بِمَرَحٍ، أَمَّا "مُشْمِسُ" فَقَدْ مَاءَتْ هَادِئَةً كَأَنَّهَا تَقُولُ لَا تَقْلَقِي. حِينَهَا اقْتَرَحَتِ الأُمُّ الَّتِي شَعَرَتْ بِحِيرَةِ ابْنَتِهَا: "مَا رَأْيُكِ يَا جَنَّاتُ أَنْ نَذْهَبَ لِزِيَارَةِ السَّيِّدَةِ هُدَى؟ إِنَّهَا مُصَمِّمَةُ أَزْيَاءٍ بَارِعَةٌ لِلْمَسْرَحِيَّاتِ، وَمَنْزِلُهَا مَلِيءٌ بِالأَثْوَابِ العَجِيبَةِ".

تَوَجَّهَتِ الأُمُّ مَعَ جَنَّاتَ وَجُمَانَةَ إِلَى مَنْزِلِ السَّيِّدَةِ هُدَى القَدِيمِ الَّذِي كَانَ يُشْبِهُ القِصَصَ الخَيَالِيَّةَ، وَعِنْدَمَا دَخَلُوا انْدَهَشَتِ الفَتَاتَانِ مِنَ الكُنُوزِ الَّتِي تَمْلَأُ المَكَانَ؛ فَهُنَاكَ فَسَاتِينُ طَوِيلَةٌ مُمَزَّقَةٌ بِفَنٍّ، وَقُبَّعَاتٌ رِيشِيَّةٌ، وَأَثْوَابٌ تَلْمَعُ كَالنُّجُومِ. قَالَتِ السَّيِّدَةُ هُدَى بِتَرْحِابٍ: "أَهْلًا بِكُنَّ! لَدَيَّ فِكْرَةٌ، مَا رَأْيُكِ يَا جَنَّاتُ أَنْ تَتَنَكَّرِي فِي زِيِّ زَهْرَةِ النَّرْجِسِ الصَّفْرَاءِ، أَوْ فَرَاشَةٍ مُلَوَّنَةٍ، أَوْ حَتَّى زَهْرَةِ أُقْحُوَانٍ بَيْضَاءَ؟". أُعْجِبَتِ الأُمُّ بِزِيِّ النَّرْجِسِ، لَكِنَّ عَيْنَيْ جَنَّاتَ كَانَتَا مُعَلَّقَتَيْنِ بِفُسْتَانٍ وَرْدِيٍّ سَاحِرٍ يُشْبِهُ زَهْرَةَ التُّولِيبِ، وَكَانَ مُطَرَّزًا بِحَبَّاتِ خَرَزٍ شَفَّافَةٍ تَلْمَعُ مِثْلَ قَطَرَاتِ النَّدَى فِي الصَّبَاحِ البَاكِرِ. ابْتَسَمَتِ السَّيِّدَةُ هُدَى لِشَغَفِ جَنَّاتَ وَقَالَتْ: "سَأُعِيرُكِ هَذَيْنِ الزِيَّيْنِ، خُذِيهِمَا إِلَى المَنْزِلِ وَجَرِّبِيهِمَا عَلَى مَهْلِكِ لِتُقَرِّرِي". شَكَرَتْ جَنَّاتُ السَّيِّدَةَ هُدَى بِقُبْلَةٍ حَارَّةٍ، وَعَادَتْ إِلَى المَنْزِلِ وَهِيَ تَحْمِلُ الطَّرْدَ بِكُلِّ فخرٍ وَحِرْصٍ.

عِنْدَ الوُصُولِ إِلَى المَنْزِلِ، رَكَضَتْ جَنَّاتُ إِلَى غُرْفَتِهَا بَيْنَمَا كَانَتْ جُمَانَةُ تَتْبَعُهَا بفضُولٍ، وَبَدَأَتْ جَنَّاتُ بِتَجْرِبَةِ الأَزْيَاءِ أَمَامَ المِرْآةِ الكَبِيرَةِ. لَبِسَتْ زِيَّ زَهْرَةِ النَّرْجِسِ، لَكِنَّهَا قَالَتْ بَعْدَ قَلِيلٍ: "إِنَّهُ جَمِيلٌ، لَكِنَّ تَنُّورَتَهُ القَصِيرَةَ تَجْعَلُنِي أَبْدُو كَضِفْدَعَةٍ صَغِيرَةٍ!". ثُمَّ ارْتَدَتْ فُسْتَانَ التُّولِيبِ الوَرْدِيَّ، وَهِيَ تَدُورُ وَتَتَمَايَلُ بِمَرَحٍ وَهِيَ تَقُولُ: "هَذَا هُوَ الفُسْتَانُ الَّذِي حَلِمْتُ بِهِ!". وَبَيْنَمَا كَانَتْ تَدُورُ بِسُرْعَةٍ، تَعَثَّرَتْ قَلِيلًا بِطَرَفِ السَّجَّادَةِ، وَفَجْأَةً، سَمِعَتْ صَوْتَ تَمَزُّقٍ خَفِيفٍ. نَظَرَتْ إِلَى أَسْفَلِ التَّنُّورَةِ فَأُصِيبَتْ بِالذُّعْرِ؛ لَقَدْ وَجَدَتْ شَقًّا صَغِيرًا فِي القُمَاشِ الرَّقِيقِ! صَرَخَتْ جَنَّاتُ بِحُزْنٍ: "يَا إِلَهِي! مَاذَا فَعَلْتُ؟". نَظَرَ "رُوكِي" إِلَيْهَا بِأَسًى، وَاقْتَرَبَتْ "مُشْمِسُ" تَمْسَحُ رَأْسَهَا بِقَدَمِ جَنَّاتَ كَأَنَّهَا تُوَاسِيهَا. بَكَتْ جَنَّاتُ وَخَافَتْ أَنْ تَغْضَبَ مِنْهَا السَّيِّدَةُ هُدَى، فَقَرَّرَتْ أَنْ تُصْلِحَ الأَمْرَ سِرًّا. أَحْضَرَتْ عُلْبَةَ الخِيَاطَةِ، وَبَدَأَتْ بِأَصَابِعِهَا المُرْتَجِفَةِ تُحَاوِلُ رَتْقَ الشَّقِّ بِخَيْطٍ وَرْدِيٍّ، وَرَغْمَ أَنَّ الإِبْرَةَ وَخَزَتْ أُصْبُعَهَا الصَّغِيرَ مِرَارًا، إِلَّا أَنَّهَا اسْتَمَرَّتْ حَتَّى انْتَهَتْ.

شَعَرَتْ جَنَّاتُ بَالضِّيقِ وَظَنَّتْ أَنَّهَا أَفْسَدَتِ الفُسْتَانَ، فَقَالَتْ لِأُمِّهَا وَهِيَ تُحَاوِلُ إِخْفَاءَ دُمُوعِهَا: "أَنَا لَا أُرِيدُ الذَّهَابَ لِلْحَفْلَةِ، لَقَدْ غَيَّرْتُ رَأْيِي وَسَأُعِيدُ المَلَابِسَ الآنَ". رَكَضَتْ جَنَّاتُ نَحْوَ مَنْزِلِ السَّيِّدَةِ هُدَى، وَعِنْدَمَا وَصَلَتْ خَجِلَتْ مِنْ مُوَاجَهَتِهَا، فَوَضَعَتِ الطَّرْدَ عِنْدَ البَابِ وَرَحَلَتْ دُونَ أَنْ تَنْبِسَ بِبِنْتِ شَفَةٍ. مَشَتْ فِي طَرِيقِ العَوْدَةِ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، كَانَتْ تُرِيدُ لَوْ تَتَوَارَى عَنِ الأَنْظَارِ، وَعِنْدَمَا دَخَلَتِ الحَدِيقَةَ رَأَتْ أُمَّهَا وَأُخْتَهَا جُمَانَةَ تَبْتَسِمَانِ. قَالَتِ الأُمُّ: "لَقَدِ اتَّصَلَتِ السَّيِّدَةُ هُدَى يَا جَنَّاتُ، وَهِيَ تَشْكُرُكِ كَثِيرًا!". تَعَجَّبَتْ جَنَّاتُ وَقَالَتْ: "تَشْكُرُنِي؟ عَلَى مَاذَا؟". أَجَابَتِ الأُمُّ: "قَالَتْ إِنَّهَا كَانَتْ تَبْحَثُ عَنْ وَقْتٍ لِإِصْلَاحِ شَقٍّ قَدِيمٍ فِي فُسْتَانِ التُّولِيبِ سَبَّبَتْهُ طِفْلَةٌ أُخْرَى، لَكِنَّهَا انْدَهَشَتْ عِنْدَمَا فَتَحَتِ الطَّرْدَ وَوَجَدَتْ أَنَّكِ قَدْ أَصْلَحْتِهِ بِبَرَاعَةٍ وَإِتْقَانٍ! لَقَدِ اعْتَبَرَتْ ذَلِكَ مُفَاجَأَةً لَطِيفَةً مِنْكِ". انْفَجَرَتْ جَنَّاتُ بِالضَّحِكِ مِنَ الفَرَحِ وَأَخْبَرَتْ أُمَّهَا بِكُلِّ مَا حَدَثَ، فَعَانَقَتْهَا الأُمُّ بِفَخْرٍ. وَفِي يَوْمِ الحَفْلَةِ، كَانَتْ جَنَّاتُ تَبْدُو مِثْلَ أَمِيرَةِ الزُّهُورِ بِفُسْتَانِهَا الوَرْدِيِّ، وَكَانَتْ جُمَانَةُ تَرْتَدِي زِيَّ نَحْلَةٍ صَغِيرَةٍ، بَيْنَمَا كَانَ "رُوكِي" وَ"مُشْمِسُ" يَنْظُرَانِ إِلَيْهِمَا بِمَحَبَّةٍ، بَعْدَ أَنْ صَنَعَتْ لَهُمَا جَنَّاتُ رَبَطَاتِ عُنُقٍ وَرْدِيَّةً جَمِيلَةً لِيُشَارِكَا الفَتَاتَيْنِ بَهْجَةَ العِيدِ.


إرسال تعليق

أحدث أقدم