جنات في المزرعة

جنات في المزرعة

جنات في المزرعة

حزمت الطفلةُ الصغيرةُ جنات حقائبَها وهي تقفزُ فرحاً، فقد حانَ موعدُ الرحلةِ المنتظرةِ مع أسرتِها المَحبوُبَةِ إلى العزبةِ الواسعةِ. لم تَنْسَ جنات أن تأخذَ معها رفيقتَها المفضلةَ وقِطَّتَها الصغيرةَ الرقيقةَ التي تُحِبُّها كثيراً. كانت جنات ترعى قطتَها بعنايةٍ فائقةٍ ودلالٍ كبيرٍ، فكانت تَعلمُ أن سرَّ سعادةِ قطتِها هو اللبنُ الطازجُ، لذا لم تكن تُطْعِمُها شيئاً سِواهُ.

وعندما وصَلوا إلى العزبةِ التي تشبهُ الجنةَ في خُضرتِها، سارعت جنات بملءِ إناءٍ نظيفٍ باللبنِ الصافي وقدّمته لقطتِها الصغيرةِ حتى ترتوي. وبعد أن اطمأنتْ على قطتِها، انطلقتْ جنات بمفردِها نحو الحقولِ المتراميةِ الأطرافِ؛ لِتُمتِعَ ناظرَيْها برؤيةِ الفلاحينَ النشيطينَ وهم يجمعونُ نُدَفَ القطنِ الأبيضِ الذي يلمعُ تحتَ أشعةِ الشمسِ.

في هذه الأثناءِ، كانت القطةُ الصغيرةُ قد فَرَغَتْ من شُرْبِ اللبنِ، فخرجتْ تمشي وتتلمسُ طريقَها بفضولٍ حولَ المنزلِ الريفيِّ الكبيرِ. ومع مرورِ الوقتِ، بَدأتِ القطةُ تشعرُ بالجوعِ يراودُها من جديدٍ، فبحثتْ في أرجاءِ المكانِ عن إناءِ اللبنِ لكنها لم تجدْهُ. وبينما هي تسيرُ، رأت كلباً ضخماً يجلسُ في هدوءٍ وهو ينشغلُ بأكلِ عظمةٍ كبيرةٍ. اقتربتِ القطةُ منه وقالت بصوتٍ خافتٍ: "أنا جوعانةٌ جداً". نظرَ إليها الكلبُ بعطفٍ وقال: "أهلاً بكِ يا صديقتي، تفضلي وشاركينِي طعامِي". نظرتِ القطةُ إلى العظمةِ القاسيةِ وقالت له بأدبٍ: "أشكرُكَ يا صديقي الطيبَ، ولكنني قِطّةٌ رقيقةٌ لا أقوى على أكلِ مثلِ هذه العظمةِ الكبيرةِ".

استمرتِ القطةُ في رحلةِ البحثِ، فقابلت في طريقِها جملاً وقوراً يقفُ وسطَ المروجِ ويأكلُ البرسيمَ الأخضرَ. قالت له القطةُ: "أنا جوعانةٌ". أجابها الجملُ بصوتِهِ الرخيمِ: "تفضلي يا صَغيرةُ وكُلي مَعِي، فهذا البرسيمُ شهيُّ الطعمِ ومفيدٌ". لكنَّ القطةَ اعتذرتْ برقةٍ لأنها لا تستطيعُ هضمَ الحشائشِ. ثم واصلتِ المَسيرَ بخطىً متعبةٍ حتى وجدتْ وزةً بيضاءَ تَلتقطُ الحبوبَ من الأرضِ بنشاطٍ. قالت القطةُ: "إنني جوعانةٌ حقاً". دَعَتْها الوزةُ قائلةً: "تفضلي يا رفيقتي كُلي مَعِي من هذه الحبوبِ المنثورةِ". هَزتِ القطةُ رأسَها بأسفٍ وقالت: "شكراً لكِ، فأنا لم أعتدْ أكلَ الحبوبِ".

ضاقتِ الدنيا بالقطةِ الصغيرةِ، فأخذتْ تسيرُ في الطرقاتِ وهي تموءُ بصوتٍ حزينٍ مخنوقٍ بالعبراتِ، فقد أضاعتْ طريقَ العودةِ. في تلك اللحظةِ الموحشةِ، أبصرتْها فلاحةٌ طيبةُ القلبِ، فحنَّ قلبُها لصوتِ مواءِ القطةِ، وحملتْها برفقٍ ودلالٍ بين يديها ومضتْ بها إلى مَنزلِها، وهناك قدّمتْ لها ما كانتْ تتوقُ إليه؛ إناءً مليئاً باللبنِ الأبيضِ الدافئِ.

أما جنات، فقد عادتْ من الحقولِ إلى المنزلِ وهي تنادي على قطتِها بلهفةٍ، ولكنْ لم يُجبْها أحدٌ. بكتْ جنات حزناً على ضياعِ قطتِها الغاليةِ، ولم يهدأْ لها بالٌ، فخرجتْ تبحثُ عنها في كلِّ زاويةٍ وبين بيوتِ الفلاحينَ المتراصةِ. وفجأةً، غَمَرتِ السعادةُ رُوحَها حين تناهى إلى مسامعِها صوتُ مواءٍ تعرفُه جيداً؛ إنه مواءُ قطتِها التي كانت تبحثُ هي الأخرى عن رفيقتِها جنات.

ما إن سَمِعتِ القطةُ صوتَ جنات يناديها، حتى انطلقتْ مسرعةً من بيتِ الفلاحةِ، وجرتْ بأقصى سرعتِها نحو صاحبتِها وهي تموءُ فَرَحاً وشوقاً. احتضنتْ جنات قطتَها بقوةٍ وقالت لها وهي تبتسمُ بدموعٍ: "لماذا غادرتِ المنزلَ يا صغيرتي؟ لقد كدتِ أن تَضيعي وتتركيني وحيدةً!"

نظرتِ القطةُ إلى عيني جنات بأسفٍ عميقٍ، وكأنها تقولُ بلسانِ حالِها: "أنا آسفةٌ حقاً.. لقد تعلمتُ الدرسَ، ومن الآنَ فصاعداً سأكونُ مطيعةً لكِ دائماً، وأعدُكِ ألا أغادرَ عتبةَ المنزلِ بمفردي أبداً". وهكذا عادت جنات مع قطتِها إلى حضنِ أسرتِها والابتسامةُ لا تفارقُ وجهيهِما.


إرسال تعليق

أحدث أقدم