فلفل الصغير والبحث عن الحرية
في صباح يوم مشرق تلونت فيه السماء بزرقة صافية، كان هناك قطيع كبير من الاغنام يرعى بهدوء في ارض خضراء واسعة تمتد بساطا من العشب اللذيذ على اطراف غابة مهيبة.
كان الجو صحوا يبعث على الراحة، والعشب وفيرا يغري بالاكل، والمياه تتدفق بعذوبة في البحيرة القريبة.
وسط هذا الهدوء، كان هناك خروف صغير يدعى فلفل، لم يكن كبقية الحملان، بل كان يسكن قلبه حب غريب للعزلة.
ذهب فلفل الى البحيرة الصغير ليطفئ عطشه، وبينما هو يتذوق الماء العذب، وجد بقية الاغنام تتجمع حوله وتشاركه المكان، فشعر بضيق شديد في صدره.
ترك البحيرة ومضى بعيدا وهو يتمتم بكلمات مليئة بالتضجر: لماذا هذا الزحام دائما؟ انهم في كل مكان، انا ارغب في ان اعيش وحيدا بعيدا عن هذا الضجيج.
سمعت الام كلمات ابنها فاقتربت منه قلقة تساله عما يزعجه.
اجابها فلفل وهو ينظر بضيق الى القطيع: يا امي، لماذا نعيش دوما في جماعات؟ انظري الى هذا الثعبان الذي ينساب بين الصخور بحرية تامة، لا احد يزاحمه في طعامه او شرابه، ويبدو سعيدا للغاية.
ثم اشار الى ارنب ينطلق بسرعة البرق بعيدا عن اقرانه قائلا: وهذا الارنب ايضا ينطلق كيفما يشاء، فلماذا نصر نحن على العيش معا ؟
ابتسمت الام بحكمة وقالت له: يا بني، هذه هي الطبيعة التي فطرنا الله عليها، فنحن لا نستطيع ان نعيش منفردين، ففي الجماعة قوة وامان.
حاولت الام اقناعه بضرب الامثلة، فذكرت له النحل الذي يعمل في خلايا منظمة، حيث يتعاون الجميع لجمع الرحيق وصنع الغذاء.
وحكت له عن النمل الذي يبني بيوتا ضخمة بتكاتف افراده، فمنهم من يجمع القوت ومنهم من يحرس ومنهم من يبني.
حتى الطيور في السماء تحلق في اسراب وتتعاون في بناء اعشاشها واطعام صغارها.
لكن فلفل العنيد ظل مصرا على رايه، معتقدا ان الوحدة هي السبيل الوحيد للافضل.
حينها قالت له الام: حسنا يا فلفل، انت عنيد حقا، جرب ان تعيش بمفردك ليوم واحد، فربما تتعلم درسا لا تنساه من هذه التجربة.
في اليوم التالي، راى فلفل سلحفاة صغيرة تسير ببطء وسط الاعشاب، فقرر ان يتبعها ليرى كيف تدبر امورها وحدها. ابتعد فلفل كثيرا عن القطيع حتى صار وحيدا تماما. وفجاة، تغير حال السماء وتلبدت الغيوم، ثم بدات الامطار تنهمر بغزارة وتحول الجو الى عاصفة هوجاء. شاهد السلحفاة وهي تدخل راسها واطرافها داخل درعها القوي لتحمي نفسها، فحاول فلفل ان يقلدها ويختبئ، لكنه تعثر وانقلب على ظهره عاجزا عن فعل شيء، وبدا يبكي من الخوف والبرد. نهض فلفل وجرى وسط العاصفة وهو يرتجف رعبا، حتى وصل اخيرا الى القطيع، فوجدهم قد تجمعوا وتراصوا بجانب بعضهم البعض، واضعين الصغار في الوسط ليحموا الجميع من قسوة المطر والريح. حينها ادرك فلفل ان دفء الجماعة هو ما انقذهم. وفي الصباح التالي، عادت الشمس لتشرق من جديد، فقالت له الام: ارجو ان تكون قد فهمت الان اهمية تجمعنا. لكن فلفل وبنبرة لا تزال تحمل شيئا من العناد قال: نعم يا امي، لكن هذا ينفع في ايام العواصف فقط. حزنت الام وقالت له: انك لا تزال عنيدا يا بني. وكعادته، خرج فلفل ليبتعد عن القطيع مرة اخرى، وبينما هو مستغرق في وحدته، ظهر من خلف الاشجار ذئب جائع. بدا الذئب يركض بسرعة كبيرة نحو الخروف الصغير، وحين تنبه فلفل في اللحظة الاخيرة، شعر برعب لم يعرفه من قبل. اخذ يركض باقصى سرعة لديه نحو القطيع والذئب يطارده ويكاد يفتك به. وما ان وصل فلفل وارتمى وسط اخوته واهله، حتى توقف الذئب فورا، فهو لا يجرؤ على مهاجمة قطيع كامل، فعاد من حيث اتى خائبا. حينها فقط، نظر فلفل الى امه وعيناه مليئتان بالخجل والندم، وقال بصوت منخفض: لقد تعلمت الدرس الحقيقي الان يا امي، لن ابتعد عن القطيع ثانية ابدا، ففي الاتحاد حياة وفي الفرقة ضياع.