عصفور الدوري والبحر

عصفور الدوري والبحر

عصفور الدوري والبحر

كان يا ما كان، في قلب غابة خضراء واسعة تملؤها الأشجار العالية والأزهار الملونة، يعيش عصفور صغير ونشيط يسمى "الدوري". كان الدوري يسكن في عش دافئ ومريح بناه والداه بين أغصان شجرة بلوط قديمة، ويعيش فيه مع أمه الحنون وأبيه الشجاع وأخته الصغرى اللطيفة وجدته الحكيمة التي كانت تحكي له أجمل القصص قبل النوم.

في كل ليلة، كان الدوري يغمض عينيه الصغيرتين ويحلم بحلم واحد غريب ومثير، وهو أن يزور البحر الكبير. كان يسمع من الطيور المهاجرة عن جمال البحر وزرقته التي لا تنتهي، وكان يشتاق لرؤيته بشدة. وفي صباح أحد الأيام المشمسة، استيقظ الدوري من نومه وهو يشعر بحماس كبير، فطار إلى والديه وقال لهما: "لقد قررت! أنا أريد زيارة البحر!".

توقف الأب عن إطعام صغاره ونظر إلى ابنه بتعجب قائلًا: "يا بني، البحر بعيد جداً عن غابتنا، والطريق إليه مليء بالمخاطر، لا يمكنك الذهاب وحدك". وأضافت الأم بقلق: "تحقيق هذا الحلم قد يكون مستحيلاً لعصفور صغير مثلك، فالمسافة طويلة جداً وتحتاج لقوة كبيرة". لكن الدوري الصغير، رغم صغر حجمه، كان يملك قلباً كبيراً وإرادة قوية، فرد عليهما بكل إصرار: "ولكن هذا هو حلمي الوحيد، ولا شيء مستحيل إذا حاولنا!".

حتى أخته الصغرى سألته بدهشة: "لماذا تريد الذهاب إلى هناك وكلنا هنا؟". فأجابها الدوري: "أريد أن أستنشق رائحة الملح والماء المنعشة، وأريد أن أرى كيف تلمع الشمس فوق الأمواج الزرقاء". كانت الجدة تراقب الدوري بصمت، ثم قالت وهي تبتسم: "اذهب يا حفيدي وحقق حلمك! ولكن تذكر دائماً، أن طريق الأحلام ليس سهلاً، وعليك أن تكون صبوراً". سألها الدوري بحيرة: "وكيف سأعرف الطريق يا جدتي؟". فمسحت الجدة على ريشه وقالت له: "اصغِ جيداً لأصوات الطبيعة من حولك، فالطبيعة هي التي ستكون دليلك وتقودك إلى الشاطئ".

استجمع الدوري كل شجاعته، وودع عائلته بدموع الفرح والأمل، وقبل رأس جدته الحكيمة، ثم رفرف بجناحيه بقوة وانطلق عالياً في السماء. طار الدوري فوق الغابة، وكان يرى الأشجار العظيمة من الأعلى كأنها مجرد شجيرات صغيرة، وكان الهواء يداعب ريشه الناعم ويشعره بالدغدغة والحرية. في طريقه، سمع صهيل الأحصنة القوي وسليل الغزلان السريع، وشاهدهم وهم يركضون في المروج الواسعة بمجموعات منظمة، فزادت رؤيتهم من حماسه.

وبعد ساعات طويلة من الطيران، بدأ التعب يظهر على الدوري، فقرر أن يرتاح فوق غصن شجرة ضخمة. وبينما كان ساكناً، بدأ يصغي للأصوات كما قالت له جدته؛ فسمع حفيف الأوراق وهي تتمايل مع النسيم، وخرير مياه الساقية وهي تشق طريقها بين الصخور. كما سمع نقيق الضفادع المختبئة وطنين النحل الذي لا يتوقف، وهزيز الرياح الذي كان يهمس محذراً من عاصفة قوية قادمة. نظر الدوري حوله ولم يجد البحر، فقال في نفسه ببعض القلق: "يبدو أن البحر ما زال بعيداً جداً".

فجأة، أظلمت السماء وسمع الدوري هزيم الرعد وجلجلة المطر الغزير، فطار بسرعة يبحث عن ملجأ يحميه من البلل والبرد، حتى وجد حفرة صغيرة في جذع شجرة عجوز. دخل الدوري إلى الحفرة، وأغلق عينيه محاولاً تدفئة نفسه، وسمع نبضات قلبه السريعة وتذكر كلمات جدته: "ليس من السهل تحقيق الأحلام". في تلك اللحظة، تخيل أن أسرته تقف بجانبه وتضمه، فارتأح قلبه وغط في نوم عميق.

في اليوم التالي، أشرقت الشمس من جديد، فخرج الدوري من مخبئه وأكمل رحلته حتى وصل إلى سهل ذهبي تملؤه سنابل القمح. شعر الدوري بجوع شديد، وسمع قرقرة بطنه، فنزل وبدأ يأكل من القمح اللذيذ حتى شبع. وبينما هو كذلك، سمع صقير الصقر يحلق في الأعلى باحثاً عن فريسة، فطار الدوري بسرعة فائقة واختبأ بين السنابل ثم ابتعد عن الخطر بذكاء. وفي الليل، وتحت ضوء القمر الفضي، سمع نعيق البومة الممزوج بعواء الذئاب البعيدة، وشعر أن الطبيعة تعزف له مقطوعة موسيقية تشجعه على المضي قدماً.

وفي صباح اليوم الثالث، وبينما كان يطير بكل أمل، سمع صوت بطبطة البط المهاجر في السماء، ونظر إلى الأمام.. وفجأة! ظهر أمامه مشهد لم يره في خياله قط؛ مساحة زرقاء هائلة تلمع تحت الشمس وتتحرك بنظام وجمال. لقد كان البحر!

اقترب الدوري من الشاطئ وهو لا يكاد يصدق أن حلمه أصبح حقيقة. في تلك اللحظة، نسي كل التعب والمصاعب؛ نسي خوفه من العاصفة ومخالب الصقر، ونسي الجوع والبرد، فكل شيء تلاشى عندما سمع هدير الأمواج الرائع وهي تصطدم بالصخور. وقف الدوري على صخرة عالية، يملأ صدره بهواء البحر المالح، ويشاهد عائلة من الحيتان الضخمة وهي تسبح بسلام. سمع صرير أحد الحيتان وكأنها ترحب به وتبارك له شجاعته.

تذكر الدوري عائلته في الغابة، ورد التحية للحيتان بهدوء، وهو يشعر بفخر كبير. لقد تعلم الدوري أن الإصرار والعمل يحققان المستحيل، وعرف أن الوقت قد حان ليعود إلى منزله ليحكي للجميع عن مغامرته الرائعة وكيف وصل إلى البحر.

إرسال تعليق

أحدث أقدم