لغز الجدة
كانت هذه هي المرة الأولى التي تغيب فيها الجدة عن البيت، وكانت ياسمين تشعر بشوق كبير يملأ قلبها الصغير، فصارت تعد الأيام والساعات بلهفة بانتظار عودة جدتها من سفرها الطويل. في غياب الجدة، بدا كل شيء في المنزل غريباً ومختلفاً؛ فأزهار الشرفة الجميلة ذبلت وفقدت نضارتها وخف شذاها الحلو الذي كان يملأ الأرجاء، والعصافير التي كانت تزقزق كل صباح لم تعد تملأ المكان بتغريدها العذب، حتى القطط الأليفة بدت حزينة أو غاضبة، أما الحديقة فكانت تبدو متجهمة وكأنها تفتقد شيئاً ما.
جلست ياسمين تفكر وهي تراقب هذا الشحوب الذي حل بالمنزل، وتساءلت في نفسها: هل للجدة سر خاص؟ هل كانت تملك عصاً سحرية مثل تلك التي كانت تخبرنا عنها في قصصها المشوقة؟ تخيلت ياسمين الجدة وهي تلمس الأزهار بتلك العصا كل صباح لتستيقظ من نومها وترقص بألوانها الزاهية، أو تشير بها إلى القطط فيدب فيها النشاط وتبدأ بملاحقة خيوط الصوف بمرح.
ثم نظرت ياسمين إلى السماء وتساءلت عن العصافير؛ لماذا قل حضورها تدريجياً منذ سافرت الجدة؟ هل سحرتها الجدة بعصاها لتأتي؟ أم أنها، كما في الأحلام، اشترت لها تذاكر سفر لتلحق بها؟ غفت ياسمين وهي تتخيل مشهداً مضحكاً للعصافير وهي تحمل حقائبها الصغيرة وتصطف في طابور طويل أمام موظف المطار الذي يفحص بطاقاتها بعناية. تخيلت الموظف وهو يرحب بالحمام الزاجل في الدرجة الأولى، ويهدي عصفور الزرزور المهاجر مقعداً مجانياً. لكنها استيقظت وهي تبتسم قائلة لنفسها: "هذا لن يحدث، فلو فعلت الجدة ذلك لأخذتني معها أو أرسلت لي تذكرة أنا أيضاً".
في صباح اليوم التالي، قررت ياسمين أن تبحث عن السر بنفسها. صعدت إلى السطح ورأت طبق الطعام الذي كانت تجتمع حوله العصافير فارغاً تماماً. أسرعت إلى المطبخ وأحضرت بقايا الطعام ووضعتها للطيور وهي تطمئنها قائلة: "لا تخافي، ستعود الجدة قريباً ويعود الفرح لبيتنا". ثم نزلت إلى الحديقة ووجدت الأزهار عطشى والتربة متشققة، فملأت دلوها بالماء وسقتها بعناية وهي تمسح أوراقها برفق وتواسي حزنها. وبينما كانت تهم بالخروج، سمعت مواء قطة صغيرة تختبئ خلف الشجرة، فتذكرت كيف كانت الجدة تطعمها، فأسرعت وأحضرت لها بعض العظام ووضعتها في طبقها الخاص.
استمرت ياسمين في فعل هذه الأشياء كل يوم؛ تطعم العصافير، وتسقي الأزهار، وتعتني بالقطط. ومع مرور الأيام، بدأت الروح تعود تدريجياً إلى المكان، لكن السؤال ظل يشغل بالها: ما هو السحر الحقيقي الذي تملكه الجدة؟ وأخيراً، عاد ت الجدة إلى المنزل، وعم الفرح والسرور. راقبتها ياسمين وهي تمارس نفس العادات اليومية التي قامت بها ياسمين أثناء غيابها. هنا أدركت ياسمين جزءاً من السر؛ فالعناية والرفق هما اللذان أعادا الحياة للحديقة. ولكن في المساء، عندما اجتمعت العائلة وبدأت الجدة تحكي قصص سفرها الجميلة، اكتشفت ياسمين الجزء المتبقي من اللغز؛ لقد كان سحر الجدة يكمن في "حكاياتها" التي تجمع القلوب وتمسح الحزن. ابتسمت ياسمين وقالت لجدتها: "لقد وجدت الجواب يا جدتي، والآن أريد أنا أن أحكي لكم حكاية!".