حبات القمح وحكمة الدجاجة
في مرج واسع يكتسي بالخضرة وتزينه الزهور الملونة، كانت تعيش دجاجة نشيطة تعرف بذكائها وحبها للعمل، وكانت تسكن في هذا المرج مع فراخها الصغار الذين يتبعونها أينما ذهبت.
ولم تكن الدجاجة تسكن وحدها، بل كان لها جيران كثر في ذلك الحقل؛ منهم بطة سمينة تحب السباحة، وحمامة وديعة تطير عاليا، وأرنب سريع القفز، وقطة ناعمة الفرو تهوى النوم، وسلحفاة هادئة تمشي ببطء شديد.
كان الجميع يعيشون كأصدقاء يقضون أوقاتهم في اللعب تحت ظلال الأشجار.
لكن في أحد فصول الصيف، اشتدت الحرارة بشكل غير معتاد وانقطع المطر لفترة طويلة، فبدأ العشب الأخضر يتحول إلى اللون الأصفر اليابس، وجفت مياه الساقية، وأصبح من الصعب جدا على الحيوانات العثور على ما يسد رمقها من طعام.
وفي يوم من الأيام، وبينما كانت الدجاجة تنبش التربة بمنقارها بجد واجتهاد وهي تبحث عن شيء تأكله هي وصغارها، عثرت على شيء ثمين؛ لقد كانت بضع حبات من القمح الذهبي.
فرحت الدجاجة كثيرا بهذا الاكتشاف، وأسرعت إلى أصدقائها وهي تحمل الحبات بمنقارها الصغير.
عندما رآها الأصدقاء، تجمهروا حولها بلهفة، وصاحوا بصوت واحد: هيا بنا نأكل هذه الحبات اللذيذة الآن لنشبع جُوعنا! لكن الدجاجة الحكيمة توقفت وقالت لهم برزانة: يا أصدقائي، هذه الحبات قليلة جدا، وإذا أكلناها الآن فلن تكفينا إلا لدقائق معدودة، ولكن عندي فكرة أفضل بكثير.
تساءل الجميع بفضول: وما هي هذه الفكرة؟ فأجابتهم: ما رأيكم أن نزرع هذه الحبات في الأرض؟ فإذا اعتنينا بها، ستنمو وتصبح حقلا شاسعا يفيض بالقمح، وعندها سنأكل ونشبع جميعا طوال الشتاء.
أعجب الأصدقاء بالفكرة وصفقوا للدجاجة، وبدأت الدجاجة تشرح لهم كيف سيوزعون المهام بينهم ليكون العمل سهلا.
سألت الدجاجة: والآن، من منكم سيساعدني في حراثة الأرض وتجهيز التربة للزراعة؟ فجأة، ساد الصمت بين الأصدقاء، ونظرت البطة إلى الأرض وقالت: أنا لا أحب الحراثة فهي تتعب قدمي. وقالت السلحفاة: أنا بطيئة جدا وهذا العمل يحتاج سرعة.
واعتذر الأرنب والقطة والحمامة بأعذار مختلفة. تنفست الدجاجة بعمق وقالت: حسنا، سأقوم أنا بحراثة الأرض وحدي.
وبالفعل، بدأت الدجاجة تعمل تحت أشعة الشمس القوية، تحرث التربة بمنقارها ومخالبها حتى أصبحت جاهزة، ثم نثرت حبات القمح وغطتها بالتراب. وعندما انتهت، أخبرت أصدقاءها ففرحوا وصفقوا لها.
ثم سألتهم: لقد زرعت القمح، فمن سيسقي الحقل بالماء؟ تراجع الأصدقاء إلى الخلف، وقال الأرنب: أنا لا أحب حمل الماء، وقال الجميع مثل قوله. فقالت الدجاجة: لا بأس، سأقوم أنا بسقي الحقل.
وكانت تذهب كل يوم إلى البئر القريبة، تحمل الماء وتسقي الحبات الصغيرة بصبر ومثابرة.
مرت الأيام، وبدأت البراعم الخضراء تخرج من الأرض، ثم بدأت السنابل تنمو وتكبر يوما بعد يوم.
كانت الدجاجة تراقبها بفخر، بينما كان الأصدقاء يراقبون من بعيد دون أن يمدوا يد المساعدة.
وتحول لون الحقل تدريجيا من الأخضر إلى الأصفر، حتى أصبح ذهبيا يتلألأ تحت الشمس.
حينها قالت الدجاجة: لقد حان وقت الحصاد، فمن سيساعدني في جمع السنابل؟
وكالعادة، تهرب الجميع من العمل الشاق، فقامت الدجاجة بحصاد الحقل وحدها، وجمعت السنابل في بَيْدر صغير، وظلت تدرسها وتطحنها حتى حصلت على أكوام من القمح النقي.
بعد ذلك، سألت الدجاجة من سيطحن القمح ليصبح دقيقا؟ ومن سيعجن الدقيق؟ ومن سيخبز العجين في التنور؟
وفي كل مرة، كان الأصدقاء يرفضون المساعدة ويفضلون الراحة واللعب، بينما كانت الدجاجة تقوم بكل شيء بمفردها؛ طحنت وعجنت ثم أشعلت النار في الموقد وبدأت تخبز الخبز.
فاحت رائحة الخبز الشهي في كل أرجاء الحقل، وسالت لعاب الحيوانات من جمال الرائحة.
وضعت الدجاجة أرغفة الخبز الساخنة في سلة كبيرة، واجتمع الأصدقاء حولها وهم يتضورون جوعا. سألت الدجاجة بابتسامة: والآن، أخبروني، من سيأكل هذا الخبز؟
صاحت القطة: أنا!
ونادى الأرنب: أنا!
وقالت البطة والسلحفاة والحمامة: نحن جميعا نريد أن نأكل!
لكن الدجاجة رفعت السلة بعيدا وقالت لهم بحزم وقوة: لقد وجدتموني أعمل تحت الشمس فتركتوني وحدي، وسألتكم المساعدة في كل خطوة فرفضتم وفضلتم الكسل.
إن هذا الخبز هو ثمرة التعب والمثابرة، ومن لا يشارك في العمل والجهد، ليس له الحق في تذوق طعم النجاح والأكل.
ثم أخذت الخبز ووزعته على فراخها الصغار الذين تعلموا من أمهم درسا لن ينسوه أبدا في قيمة العمل والاعتماد على النفس.
