رِحْلَةُ جَنَّات وَجُمَانَة فِي عَالَمِ المَشَاعِرِ الشَّيِّقَةِ
كَانَ يَا مَا كَانَ، فِي بَيْتٍ مَلِيءٍ بِالحُبِّ، تَعِيشُ طِفْلَةٌ ذَكِيَّةٌ تُدْعَى جَنَّات مَعَ أُخْتِهَا الصُّغْرَى المَرِحَةِ جُمَانَة. فِي لَيْلَةٍ هَادِئَةٍ، اسْتَيْقَظَتْ جَنَّات فَجْأَةً وَهِيَ تَقُولُ: "بِسْمِ اللهِ! لَقَدْ رَأَيْتُ حُلُمًا مُزْعِجًا جَعَلَ قَلْبِي يَدُقُّ بِسُرْعَةٍ". نَظَرَتْ إِلَى جُمَانَة الصَّغِيرَةِ النَّائِمَةِ بِجَانِبِهَا، وَشَعَرَتْ بِأَنَّ النَّوْمَ قَدْ هَرَبَ بَعِيدًا، فَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا: "لَا يُمْكِنُنِي العَوْدَةُ إِلَى النَّوْمِ مُجَدَّدًا، فَأَنَا أَشْعُرُ بِالخَوْفِ، أَنَا خَائِفَةٌ جِدًّا". وَلِكَيْ تَطْمَئِنَّ، قَرَّرَتْ جَنَّات أَنْ تَذْهَبَ إِلَى غُرْفَةِ أُمِّهَا وَأَبِيهَا، وَهِيَ تُرَدِّدُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ: "أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ"، حَتَّى هَدَأَتْ نَفْسُهَا وَعَادَتْ لِتَنَامَ بِأَمَانٍ بِجِوَارِ أُخْتِهَا.
وَمَعَ إِشْرَاقَةِ صَبَاحِ يَوْمٍ جَدِيدٍ، اصْطَحَبَ الأَبُ جَنَّات وَجُمَانَة إِلَى أَحَدِ المَتَاجِرِ الكَبِيرَةِ لِشِرَاءِ ثِيَابٍ جَدِيدَةٍ. وَقَفَتْ جَنَّات أَمَامَ الرُّفُوفِ مُتَعَجِّبَةً، فَقَدْ أَعْجَبَهَا قَمِيصٌ أَنِيقٌ بِيَاقَةٍ جَمِيلَةٍ، وَآخَرُ مُمَيَّزٌ عَلَيْهِ أَزْرَارٌ زَاهِيَةٌ. أَخَذَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِمَا وَتَتَسَاءَلُ: "مَاذَا أَشْتَرِي؟"، بَيْنَمَا كَانَتْ جُمَانَة تَقْفِزُ حَوْلَهَا بِفَرَحٍ، فَهَمَسَتْ جَنَّات لِنَفْسِهَا: "أَشْعُرُ بِالحَيْرَةِ! أَنَا مُحْتَارَةٌ حَقًّا!". وَلِكَيْ تَحْسِمَ قَرَارَهَا، فَكَّرَتْ بِذَكَاءٍ وَقَالَتْ: "سَأَتَذَكَّرُ إِنْ كَانَ عِنْدِي فِي خِزَانَتِي مَا يُشْبِهُهُمَا ثُمَّ أَخْتَارُ"، فَاخْتَارَتْ وَاحِدًا لَهَا وَآخَرَ لِجُمَانَة الصَّغِيرَةِ.
وَفِي وَقْتٍ لَاحِقٍ، رَافَقَتْ جَنَّات جَدَّهَا الحَنُونَ إِلَى المَسْجِدِ، وَكَانَتْ جُمَانَة تُمْسِكُ بِيَدِ جَنَّات بَيْنَمَا تُمْسِكُ جَنَّات بِيَدِ جَدِّهَا لِيَمْشِيَ بِثَبَاتٍ. وَعِنْدَ العَوْدَةِ مِنْ مَحَلِّ الخُضْرَوَاتِ، حَمَلَتْ جَنَّات أَكْيَاسَ المُشْتَرَيَاتِ عَنْ جَدِّهَا، فَقَالَ لَهَا الجَدُّ مَسْرُورًا: "بُورِكْتِ يَا بُنَيَّتِي، لَقَدْ كَبِرْتِ!". فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، غَمَرَتِ السَّعَادَةُ قَلْبَ جَنَّات وَقَالَتْ لِأُخْتِهَا جُمَانَة بِيَقِينٍ: "أَنَا أَشْعُرُ بِالفَخْرِ... أَنَا فَخُورَةٌ بِمَا فَعَلْتُ".
لَكِنَّ المَشَاعِرَ لَيْسَتْ دَائِمًا هَادِئَةً، فَقَدْ عَادَتْ جَنَّات يَوْمًا إِلَى غُرْفَتِهَا لِتَجِدَ لُعْبَتَهَا الجَدِيدَةَ مَكْسُورَةً! صَرَخَتْ بِضِيقٍ: "مَنْ كَسَرَ لُعْبَتِي؟ هَلْ عَبَثْتِ بِهَا يَا رُوفَيْدَة؟ أَمْ أَنْتِ يَا جُمَانَة؟". تَغَيَّرَتْ مَلَامِحُ جَنَّات تَمَامًا، فَأَصْبَحَ وَجْهُهَا أَحْمَرَ وَانْعَقَدَ حَاجِبَاهَا، وَقَالَتْ: "أَنَا أَشْعُرُ بِالغَضَبِ، أَنَا غَاضِبَةٌ!". لَكِنَّهَا عِنْدَمَا رَأَتْ جُمَانَة تَنْظُرُ إِلَيْهَا بِقَلَقٍ، تَذَكَّرَتْ أَنَّ عَلَيْهَا أَنْ تَهْدَأَ، فَتَنَفَّسَتْ بِبُطْءٍ كَمَا تَعَلَّمَتْ حَتَّى زَالَ الغَضَبُ.
وَمَرَّتِ الأَيَّامُ وَشَعَرَتْ جُمَانَة الصَّغِيرَةُ بِبَعْضِ التَّعَبِ، فَاصْطَحَبَتْهَا جَنَّات مَعَ أُمِّهَا إِلَى الطَّبِيبِ. كَانَتْ جُمَانَة تَرْتَجِفُ مِنَ الخَوْفِ، لَكِنَّ الطَّبِيبَ فَحَصَهَا بِلُطْفٍ، فَانْتَظَمَتْ نَبْضَاتُ قَلْبِهَا. رَبَتَتْ جَنَّات عَلَى كَتِفِ أُخْتِهَا حَتَّى ابْتَسَمَتْ جُمَانَة وَشَعَرَتَا مَعًا بِالاطْمِئْنَانِ. وَقَالَتْ جَنَّات: "سَتُشْفَيْنَ بِحَوْلِ اللهِ المَنَّانِ".
وَفِي مَرَّةٍ أُخْرَى، جَلَسَتِ الأُخْتَانِ تُحَاوِلَانِ تَرْكِيبَ لُعْبَةٍ تَعْلِيمِيَّةٍ مَلِيئَةٍ بِالأَشْكَالِ الهَنْدَسِيَّةِ. حَاوَلَتْ جَنَّات مِرَارًا، لَكِنَّهَا لَمْ تَعْرِفْ مَكَانَ بَعْضِ القِطَعِ، فَقَالَتْ: "أَنَا أَشْعُرُ بِالإِحْبَاطِ!". لَكِنَّ جُمَانَة نَاوَلَتْهَا قِطْعَةً صَغِيرَةً وَهِيَ تَبْتَسِمُ، فَشَجَّعَتْهَا جَنَّات وَقَالَتْ: "لَنْ أَسْتَسْلِمَ! سَأُحَاوِلُ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً وَبِرَوِيَّةٍ حَتَّى أَنْجَحَ"، وَبِالفِعْلِ نَجَحَتَا مَعًا.
لَقَدْ تَعَلَّمَتْ جَنَّات وَجُمَانَة أَنَّ التَّعَرُّفَ عَلَى المَشَاعِرِ وَوَصْفَهَا يُسَاعِدُهُمَا عَلَى فَهْمِ نَفْسِهِمَا وَالآخَرِينَ. فَمَهْمَا كَانَ الشُّعُورُ، سَوَاءً كَانَ سَعَادَةً أَوْ غَضَبًا أَوْ خَوْفًا، فَإِنَّ الحَدِيثَ إِلَى شَخْصٍ نَثِقُ بِهِ، مِثْلَ الأُمِّ وَالأَبِ أَوْ المُعَلِّمَةِ، يُسَاعِدُنَا عَلَى تَجَاوُزِ الصِّعَابِ. وَهَكَذَا عَاشَتِ الأُخْتَانِ تَتَعَلَّمَانِ كُلَّ يَوْمٍ كَيْفَ تُدِيرَانِ دَائِرَةَ مَشَاعِرِهِمَا بِحِكْمَةٍ وَأَمَانٍ.