جَنَاتُ وَقَطْرَةُ الْمَاءِ

جَنَاتُ وَقَطْرَةُ الْمَاءِ

جَنَاتُ وَقَطْرَةُ الْمَاءِ

فِي كُوخٍ صَغِيرٍ وَمُتَوَاضِعٍ، يَقِفُ بِثَبَاتٍ أَمَامَ شَاطِئِ بَحْرٍ عَظِيمٍ وَاسِعِ الأَرْجَاءِ، كَانَتْ تَعِيشُ طِفْلَةٌ طَيِّبَةُ الْقَلْبِ تُدْعَى جَنَاتُ. وَفِي كُلِّ صَبَاحٍ بَاكِرٍ، مَعَ شُرُوقِ الشَّمْسِ الذَّهَبِيَّةِ، كَانَتْ جَنَاتُ تَخْرُجُ بِنَشَاطٍ وَهِمَّةٍ كَيْ تَمْلأَ أَوْعِيَتَهَا بِالْمَاءِ الْعَذْبِ الصَّافِي مِنْ بِئْرِ الْقَرْيَةِ الْقَرِيبَةِ. لَمْ تَكُنْ جَنَاتُ طِفْلَةً عَادِيَّةً، بَلْ كَانَتْ تُقَدِّرُ نِعْمَةَ اللَّهِ كَثِيرًا؛ فَكَانَتْ تُحَافِظُ عَلَى كُلِّ قَطْرَةِ مَاءٍ تَحْمِلُهَا، وَتُحْسِنُ اسْتِعْمَالَهَا دُونَ إِسْرَافٍ أَوْ تَبْذِيرٍ. وَمِنْ شِدَّةِ رَحْمَتِهَا، كَانَتْ تُرِيحُ عَنَاءَ الْعَطَشِ عَنِ الْكَآئِنَاتِ مِنْ حَوْلِهَا، حَيْثُ تَضَعُ أَمَامَ كُوخِهَا إِنَاءً صَغِيرًا مَمْلُوءًا بِالْمَاءِ؛ لِيَشْرَبَ مِنْهُ كَلْبُهَا الْوَفِيُّ، وَأَيُّ طَيْرٍ مُحَلِّقٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ حَيَوَانٍ يَمُرُّ بِالطَّرِيقِ. وَلَمْ تَنْسَ جَنَاتُ الأَرْضَ أَيْضًا، فَقَدْ زَرَعَتْ خَلْفَ كُوخِهَا حَدِيقَةً غَنَّاءَ فِيهَا زُهُورٌ مُلَوَّنَةٌ وَخَضْرَاوَاتٌ نَافِعَةٌ، وَكَانَتْ تَعْتَنِي بِهَا بِحُبٍّ وَتَسْقِيهَا بِمَا جَمَعَتْهُ مِنَ الْمَاءِ.

وَفِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، قَرَّرَتْ جَنَاتُ أَنْ تَرْكَبَ مَرْكَبَ صَيْدٍ صَغِيرٍ كَانَتْ تَمْلِكُهُ، وَرَغْمَ أَنَّ الْمَرْكَبَ كَانَ قَدِيمًا، إِلَّا أَنَّهَا أَبْحَرَتْ بِهِ فِي عُرْضِ الْبَحْرِ. وَفَجْأَةً، تَغَيَّرَ حَالُ الْجَوِّ، وَهَبَّتْ عَاصِفَةٌ قَوِيَّةٌ جِدًّا، ضَرَبَتْ أَمْوَاجُهَا الْعَاتِيَةُ الْمَرْكَبَ الضَّعِيفَ حَتَّى أَغْرَقَتْهُ تَمَامًا، وَسَقَطَتْ جَنَاتُ فِي وَسَطِ الْمِيَاهِ الْعَمِيقَةِ. بَقِيَتْ جَنَاتُ تُصَارِعُ الأَمْوَاجَ وَتُحَاوِلُ الْعَوْمَ بِكُلِّ قُوَّتِهَا، وَهِيَ تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ أَنْ يُنْقِذَهَا مِنْ هَذَا الْخَطَرِ. وَمَعَ مُرُورِ الْوَقْتِ، حَلَّ الظَّلَامُ الدَّامِسُ، وَشَعَرَتْ جَنَاتُ بِتَعَبٍ شَدِيدٍ وَأَخَذَ جَسَدُهَا يَرْتَجِفُ مِنَ الْبَرْدِ الْقَارِسِ. وَبَيْنَمَا هِيَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الصَّعْبَةِ، مَرَّتْ فَوْقَهَا سَحَابَةٌ تَحْمِلُ فِي جَوْفِهَا قَطْرَةَ مَاءٍ عَزِيزَةً، وَكَانَتْ هَذِهِ الْقَطْرَةُ تَعْرِفُ جَنَاتَ جَيِّدًا.

نَادَتْ قَطْرَةُ الْمَاءِ بِصَوْتٍ رَقِيقٍ: "يَا جَنَاتُ!". ارْتَاعَتِ الطِّفْلَةُ وَخَافَتْ، فَمَنْ ذَا الَّذِي يُنَادِي اسْمَهَا وَسَطَ هَذَا الْبَحْرِ الْوَاسِعِ وَالظَّلَامِ الْمُخِيفِ؟ فَسَأَلَتْ بِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ: "مَنْ يُنَادِي؟". أَجَابَتِ الْقَطْرَةُ بِطُمَأْنِينَةٍ: "لَا تَخَافِي، أَنَا قَطْرَةُ الْمَاءِ". تَعَجَّبَتْ جَنَاتُ وَسَأَلَتْهَا: "وَهَلْ تَعْرِفِينَنِي؟". فَرَدَّتِ الْقَطْرَةُ بِوَفَاءٍ: "نَعَمْ أَعْرِفُكِ، فَلَا تَخَافِي أَبَدًا، سَأَسَاعِدُكِ وَأُنْقِذُكِ؛ لأَنَّكِ كُنْتِ كَرِيمَةً مَعِي وَمَا ضَيَّعْتِينَنِي يَوْمًا، بَلْ كُنْتِ تُحَافِظِينَ عَلَيَّ وَتَسْقِينَ بِيَ الزَّرْعَ وَتَرْوِينَ الطَّيْرَ، وَالآنَ جَاءَ وَقْتُ رَدِّ الْجَمِيلِ إِلَيْكِ يَا غَالِيَتِي جَنَاتُ".

صَاحَتْ قَطْرَةُ الْمَاءِ بِالسَّحَابَةِ قَائِلَةً: "أَسْرِعِي يَا سَحَابَةُ وَاحْمِلِينِي إِلَى الشَّاطِئِ!"، فَانْطَلَقَتِ السَّحَابَةُ كَالرِّيحِ نَحْوَ الْبَرِّ. وَعِنْدَمَا وَصَلَتْ، قَفَزَتْ قَطْرَةُ الْمَاءِ بِذَكَاءٍ لِتَسْقُطَ مُبَاشَرَةً عَلَى أُذُنِ كَلْبِ جَنَاتَ، الَّذِي كَانَ يَقِفُ حَزِينًا أَمَامَ الْبَحْرِ يَبْحَثُ عَنْ صَاحِبَتِهِ. أَخْبَرَتِ الْقَطْرَةُ الْكَلْبَ بِسُرْعَةٍ عَنْ مَكَانِ جَنَاتَ وَقَالَتْ لَهُ: "اتَّبِعْنِي حَيْثُ أَسِيرُ!". لَمْ يَتَرَدَّدِ الْكَلْبُ الْوَفِيُّ لَحْظَةً وَقَالَ: "سَأَتَّبِعُكِ حَيْثُ تُوجَدُ جَنَاتُ"، ثُمَّ أَلْقَى بِنَفْسِهِ فِي الْبَحْرِ الْهَائِجِ وَسَبَحَ خَلْفَ السَّحَابَةِ رَغْمَ الأَمْوَاجِ الْعَالِيَةِ. وَبَعْدَ فَتْرَةٍ مِنَ الْجُهْدِ، أَبْصَرَ الْكَلْبُ صَاحِبَتَهُ جَنَاتَ، فَأَسْرَعَ نَحْوَهَا، وَتَعَلَّقَتْ هِيَ بِرَقَبَتِهِ بِقُوَّةٍ. ظَلَّ الْكَلْبُ الشُّجَاعُ يَسْبَحُ بِهَا حَتَّى وَصَلَا بِسَلَامٍ إِلَى الشَّاطِئِ، حَيْثُ غَمَرَتِ السَّعَادَةُ قَلْبَ جَنَاتَ، فَشَكَرَتْ كَلْبَهَا الْوَفِيَّ، وَشَكَرَتْ قَطْرَةَ الْمَاءِ عَلَى مَعْرُوفِهَا وَحُسْنِ صَنِيعِهَا.

إرسال تعليق

أحدث أقدم