حِمى المَرْجِ السَّعِيدِ وَعَوْدَةُ حَمْلُون

حِمى المَرْجِ السَّعِيدِ وَعَوْدَةُ حَمْلُون

حِمى المَرْجِ السَّعِيدِ وَعَوْدَةُ حَمْلُون

فِي أَحَدِ المُرُوجِ الْبَعِيدَةِ، كَانَ حَمَلٌ صَغِيرٌ جَمِيلٌ يَعِيشُ مَعَ أُمِّهِ الرَّؤُومِ. الحَمَلُ الصَّغِيرُ كَانَ اسْمُهُ حَمْلُونُ، وَكَانَا يَقْطُنَانِ فِي بَيْتٍ صَغِيرٍ وَدَافِئٍ بَنَيَاهُ بِكَدِّهِمَا مِنْ أَغْصَانِ الْأَشْجَارِ القَوِيَّةِ وَالأَحْجَارِ المَرْصُوفَةِ. كَانَتْ حَيَاتُهُمَا هَادِئَةً وَمُطْمَئِنَّةً فِي ذَلِكَ المَرْجِ الْأَخْضَرِ الذِي يَخْتَرِقُهُ نَهْرٌ صَغِيرٌ رَقْرَاقٌ، مِيَاهُهُ صَافِيَةٌ عَذْبَةٌ تَنْحَدِرُ مِنَ التِّلالِ الخَضْرَاءِ الْمُحِيطَةِ، وَتَجْرِي بِسَكِينَةٍ مُتَّجِهَةً نَحْوَ البَحْرِ الكَبِيرِ.

كَانَ حَمْلُونُ النَّشِيطُ يُسَاعِدُ أُمَّهُ دَائِمًا فِي زِرَاعَةِ النَّبَاتَاتِ وَالأَعْشَابِ، وَيَهْتَمَّانِ مَعًا بِسَقْيِ حَقْلِهِمَا الغَنِيِّ الَّذِي يَمْتَدُّ عَلَى ضَفَّةِ النَّهْرِ. كَانَا يَعْمَلَانِ بِجِدٍّ وَمَحَبَّةٍ، وَأَحْيَانًا يَمْرَحَانِ وَيَتَسَابَقَانِ فِي الرَّكْضِ بَيْنَ الزُّهُورِ، وَعِنْدَ الغُرُوبِ، يَعُودَانِ إِلَى بَيْتِهِمَا الصَّغِيرِ لِيَنَامَا فِي أَمَانٍ وَسَلَامٍ. وَهَكَذَا مَضَتْ أَيَّامُ حَمْلُونَ سَعِيدَةً فِي ذَلِكَ المَرْجِ البَدِيعِ.

لَكِنْ، فِي ذَاتِ يَوْمٍ، تَسَلَّلَ المَلَلُ وَالضَّجَرُ إِلَى قَلْبِ حَمْلُونَ، وَفَكَّرَ فِي خَوْضِ مَغَامَرَةٍ بَعِيدَةٍ وَالرَّحِيلِ إِلَى مَكَانٍ جَدِيدٍ. عِنْدَمَا أَبْصَرَتْهُ أُمُّهُ حَزِينًا مَهْمُومًا، سَأَلَتْهُ بِحَنَانٍ: "لِمَاذَا أَنْتَ حَزِينٌ يَا صَغِيرِي؟". فَأَخْبَرَهَا حَمْلُونُ بِأَنَّهُ عَزَمَ عَلَى السَّفَرِ لِيَبْحَثَ عَنْ أَرْضٍ أُخْرَى. تَعَجَّبَتِ الأُمُّ وَقَالَتْ مُحَاوِلَةً إِقْنَاعَهُ: "إِلَى أَيْنَ نَذْهَبُ يَا عَزِيزِي؟! وَكَيْفَ نَتْرُكُ بَيْتَنَا وَحَقْلَنَا وَأَرْضَ آبَائِنَا وَأَجْدَادِنَا؟! إِنَّنَا نَعِيشُ هُنَا فِي أَمَانٍ وَسَلَامٍ وَلَا يَنْقُصُنَا شَيْءٌ وَالحَمْدُ لِلَّهِ". لَكِنَّ حَمْلُونَ أَصَرَّ عَلَى رَأْيِهِ، وَبَسَبَبِ حُبِّهَا الكَبِيرِ لَهُ، لَمْ تَتْرُكْهُ أُمُّهُ وَحِيدًا، بَلْ حَزَمَتْ أَمْتِعَتَهَا وَتَبِعَتْهُ.

سَارَ حَمْلُونُ وَأُمُّهُ طَوِيلًا، وَبَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ المَشْيِ، وَصَلَا إِلَى مَزْرَعَةٍ وَاسِعَةٍ تَعِيشُ فِيهَا أَبْقَارٌ ضَخْمَةٌ. فَرِحَ حَمْلُونُ وَقَالَ: "هَذِهِ المَزْرَعَةُ أَجْمَلُ مِنْ أَرْضِنَا، وَيُمْكِنُنَا العَيْشُ هُنَا فِي سَعَادَةٍ وَرَخَاءٍ". وَفَجْأَةً، جَاءَ ثَوْرٌ كَبِيرٌ لَهُ قَرْنَانِ طَوِيلَانِ، وَسَأَلَهُمَا بِغَضَبٍ: "مَاذَا تَفْعَلَانِ هُنَا؟!". أَجَابَ حَمْلُونُ بِأَدَبٍ: "نُرِيدُ أَنْ نَعِيشَ فِي هَذِهِ المَزْرَعَةِ الجَمِيلَةِ". لَكِنَّ الثَّوْرَ رَدَّ بِفَظَاظَةٍ: "نَحْنُ لَا نَسْمَحُ لِلغُرَبَاءِ بِالعَيْشِ مَعَنَا، لَوْ كُنْتُمَا أَبْقَارًا مِثْلَنَا لَسَمَحْنَا لَكُمَا.. هَيَا انْصَرِفَا!". غَادَرَ حَمْلُونُ مَعَ أُمِّهِ المَزْرَعَةَ وَقَلْبُهُمَا حَزِينٌ، وَوَاصَلَا البَحْثَ.

بَعْدَ مَسَافَةٍ أُخْرَى، وَصَلَا إِلَى غَابَةٍ كَثِيفَةِ الأَشْجَارِ، تَنْسَابُ فِيهَا اليَنَابِيعُ وَهَوَاؤُهَا نَقِيٌّ جِدًّا. تَحَمَّسَ حَمْلُونُ وَقَالَ: "سَنَعِيشُ فِي هَذِهِ الغَابَةِ". وَلَكِنْ ظَهَرَ دُبٌّ ضَخْمٌ يَمْشِي بِبُطْءٍ، وَرَحَّبَ بِهِمَا قَائِلًا: "إِنَّنِي بِحَاجَةٍ إِلَيْكُمَا لِتَقُومَا بِنَقْلِ جُذُوعِ الأَشْجَارِ وَاصْطِيَادِ الأَسْمَاكِ لِي". اعْتَذَرَ حَمْلُونُ قَائِلًا: "إِنَّنَا لَا نَسْتَطِيعُ، فَأَنَا صَغِيرٌ وَأُمِّي لَا تَقْوَى عَلَى الأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ". فَزَجَرَهُمَا الدُّبُّ قَائِلًا: "إِذَنْ، أُخْرُجَا مِنْ أَرْضِي!".

تَابَعَ الرَّحَّالَانِ مَسِيرَهُمَا وَقَدْ بَدَأَ التَّعَبُ يَنَالُ مِنْهُمَا، وَفَجْأَةً، تَلَبَّدَتِ السَّمَاءُ بِالغُيُومِ السَّوْدَاءِ، وَدَوَّى الرَّعْدُ القَوِيُّ، وَهَطَلَ المَطَرُ بِغَزَارَةٍ. لَمْ يَجِدَا مَأْوًى سِوَى جِذْعِ شَجَرَةٍ قَدِيمَةٍ فِيهِ شَقٌّ وَاسِعٌ، فَلَجَآ إِلَيْهِ وَنَامَا فِيهِ حَتَّى الصَّبَاحِ. اسْتَيْقَظَا وَهُمَا يَشْعُرَانِ بِبَرْدٍ قَارِسٍ وَجُوعٍ شَدِيدٍ. سَأَلَتِ الأُمُّ بِهُدُوءٍ: "وَالآنَ مَاذَا نَفْعَلُ؟ هَلْ نَسْتَمِرُّ فِي البَحْثِ؟".

أَدْرَكَ حَمْلُونُ قِيمَةَ مَا كَانَ يَمْلِكُ، فَقَالَ: "كَلَّا يَا أُمِّي العَزِيزَةُ، سَنَعُودُ إِلَى أَرْضِنَا وَبَيْتِنَا، إِنَّهُ دَافِئٌ وَجَمِيلٌ، وَأَرْضُنَا طَيِّبَةٌ وَهِيَ مُلْكٌ لَنَا". وَهَكَذَا عَادَ حَمْلُونُ وَأُمُّهُ إِلَى مَرْجِهِمَا الحَبِيبِ، وَعَاشَا فِيهِ بِسَعَادَةٍ وَعِزَّةٍ. تَعَلَّمَ حَمْلُونُ أَنَّ الأَرْضَ وَالوَطَنُ نِعْمَتَانِ عَظِيمَتَانِ، يَجِبُ عَلَيْنَا الحِفَاظُ عَلَيْهِمَا وَعَدَمُ الاسْتِهَانَةِ بِقَدْرِهِمَا.

إرسال تعليق

أحدث أقدم