حبات الزيتون الثلاث

حَبَّاتِ الزَّيْتُونِ الثَّلَاثِ

حَبَّاتِ الزَّيْتُونِ الثَّلَاثِ

فِي قَرْيَةٍ نَائِيَةٍ تَتَوَسَّدُ أَحْضَانَ التِّلَالِ الْخَضْرَاءِ، حَيْثُ تَتَمَايَلُ أَغْصَانُ الشَّجَرِ مَعَ نَسَمَاتِ الصَّبَاحِ الْعَلِيلَةِ، كَانَ يَعِيشُ رَجُلٌ صَالِحٌ يُدْعَى "الْعَمَّ وَلِيدَ الْحَكِيمَ". كَانَ الْعَمُّ وَلِيدُ تَاجِراً جَابَ الْبُلْدَانَ، وَعُرِفَ بَيْنَ أَهْلِ قَرْيَتِهِ بِرَجَاحَةِ الْعَقْلِ وَطِيبَةِ الْقَلْبِ. وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمٍ شَتْوِيٍّ مُشْرِقٍ، بَيْنَمَا كَانَ يَحْزِمُ أَمْتِعَتَهُ لِيُغَادِرَ فِي رِحْلَةٍ تِجَارِيَّةٍ طَوِيلَةٍ قَدْ تَسْتَغْرِقُ أَعْوَاماً، وَقَعَتْ عَيْنَاهُ عَلَى ثَلَاثِ حَبَّاتٍ مِنَ الزَّيْتُونِ الْأَخْضَرِ، كَانَتْ تَلْمَعُ كَالْجَوَاهِرِ النَّادِرَةِ أَمَامَ عَتَبَةِ مَنْزِلِهِ. انْحَنَى الْعَمُّ وَلِيدُ بِرِفْقٍ، وَالْتَقَطَ الْحَبَّاتِ الثَّلَاثَ بَيْنَ أَنَامِلِهِ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا بِيَقِينِ الْمُؤْمِنِ بِعَظَمَةِ الْخَالِقِ قَائِلاً فِي نَفْسِهِ: "هَذِهِ بذورٌ مُبَارَكَةٌ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ تُرْمَى أَوْ تُهْمَلَ، سَأَجْعَلُ مِنْهَا اخْتِبَاراً لِلْأَمَانَةِ وَرِعَايَةِ الْعُهُودِ".

تَوَجَّهَ الْعَمُّ وَلِيدُ أَوَّلاً إِلَى دُكَّانِ صَدِيقِهِ "مَاجِدٍ"، وَكَانَ رَجُلاً يَهْتَمُّ بِجَمْعِ الْمَالِ وَحِسَابِ الْأَرْبَاحِ. وَضَعَ الْعَمُّ وَلِيدُ حَبَّةَ الزَّيْتُونِ الْأُولَى أَمَامَهُ وَقَالَ: "يَا مَاجِدُ، هَذِهِ أَمَانَةٌ لَدَيْكَ، احْفَظْهَا لِي حَتَّى أَعُودَ، وَسَأُجْزِلُ لَكَ الْعَطَاءَ مُقَابِلَ حِفْظِكَ لَهَا". نَظَرَ مَاجِدٌ إِلَى الْحَبَّةِ بِاسْتِغْرَابٍ وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: "مَا بَالُ هَذَا الرَّجُلِ؟ كَيْفَ يُعْطِينِي حَبَّةً وَاحِدَةً لَا تُغْنِي وَلَا تُسْمِنُ مِنْ جُوعٍ؟". لَكِنَّهُ وَافَقَ طَمَعاً فِي الْمُكَافَأَةِ، وَأَلْقَى بِالْحَبَّةِ فِي صُنْدُوقٍ خَشَبِيٍّ صَغِيرٍ مَلِيءٍ بِالْأَوْرَاقِ الْقَدِيمَةِ، ثُمَّ أَغْلَقَ عَلَيْهَا بِالْمِفْتَاحِ وَنَسِيَ أَمْرَهَا تَمَاماً.

بَعْدَ ذَلِكَ، مَضَى الْعَمُّ وَلِيدُ إِلَى مَخْبَزِ صَدِيقِهِ "يَاسِرٍ"، حَيْثُ تَنْبَعِثُ رَائِحَةُ الْخُبْزِ الطَّازَجِ. عَرَضَ عَلَيْهِ الْحَبَّةَ الثَّانِيَةَ طَالِباً مِنْهُ حِفْظَهَا كَأَمَانَةٍ غَالِيَةٍ. هَزَّ يَاسِرٌ رَأْسَهُ مُوَافِقاً وَهُوَ مَشْغُولٌ بِعَجْنِ الدَّقِيقِ، وَقَالَ: "لَا تَقْلَقْ يَا وَلِيدُ، سَأَضَعُهَا فِي مَكَانٍ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ أَحَدٌ". وَمَا إِنْ غَادَرَ الْعَمُّ وَلِيدُ، حَتَّى دَسَّ يَاسِرٌ حَبَّةَ الزَّيْتُونِ فِي عُمْقِ كِيسٍ كَبِيرٍ مِنَ الطَّحِينِ، ظَنّاً مِنْهُ أَنَّ الْجَفَافَ هُنَاكَ سَيَحْمِيهَا، لَكِنَّهُ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ قَطُّ.

أَمَّا الْحَبَّةُ الثَّالِثَةُ، فَقَدْ كَانَتْ مِنْ نَصِيبِ "كَرِيمٍ" الْفَلَّاحِ النَّبِيهِ. عِنْدَمَا تَسَلَّمَ كَرِيمٌ الْحَبَّةَ، لَمْ يَنْظُرْ إِلَيْهَا كَثَمَرَةٍ جَافَّةٍ، بَلْ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ، فَرَأَى فِيهَا شَجَرَةً عِمْلَاقَةً تَضْرِبُ جُذُورَهَا فِي أَعْمَاقِ الْأَرْضِ. قَالَ كَرِيمٌ: "إِنَّ حَقَّ هَذِهِ الْأَمَانَةِ عَلَيَّ أَنْ أَمْنَحَهَا الْحَيَاةَ". فَمَضَى إِلَى أَكْثَرِ بِقَاعِ أَرْضِهِ خُصُوبَةً، وَحَفَرَ لَهَا بَيْتًا صَغِيراً فِي التُّرَابِ، وَسَقَاهَا بِمَاءِ الْعَيْنِ الْعَذْبِ، وَأَحَاطَهَا بِسِيَاجٍ يَحْمِيهَا مِنْ عَبَثِ الْحَيَوَانَاتِ وَالرِّيَاحِ.

مَضَتِ السَّنَوَاتُ تِلْوَ السَّنَوَاتِ، وَالْعَمُّ وَلِيدُ غَائِبٌ فِي تِجَارَتِهِ. وَخِلَالَ تِلْكَ الْأَعْوَامِ، كَانَ مَاجِدٌ قَدْ ضَيَّعَ مِفْتَاحَ صُنْدُوقِهِ وَتَرَاكَمَ الْغُبَارُ عَلَيْهِ، وَيَاسِرٌ قَدْ نَسِيَ فِي أَيِّ كِيسٍ وَضَعَ الْأَمَانَةَ حَتَّى جَفَّتْ وَتَحَلَّلَتْ. أَمَّا كَرِيمٌ، فَقَدْ كَانَ يَسْتَيْقِظُ مَعَ كُلِّ فَجْرٍ لِيَتَفَقَّدَ غَرْسَتَهُ، فَيُقَلِّمُ أَغْصَانَهَا، وَيُطَهِّرُ حَوْلَهَا الْأَرْضَ، حَتَّى اسْتَطَالَتْ وَقَوِيَ سَاقُهَا، وَأَصْبَحَتْ شَجَرَةً بَاسِقَةً تَسُرُّ النَّاظِرِينَ.

عَادَ الْعَمُّ وَلِيدُ إِلَى الْقَرْيَةِ وَقَدْ غَزَا الشَّيْبُ رَأْسَهُ، وَأَوَّلُ مَا فَعَلَهُ هُوَ طَلَبُ أَمَانَاتِهِ. ذَهَبَ إِلَى مَاجِدٍ، فَأَخْرَجَ لَهُ الْآخِرُ حَبَّةً سَوْدَاءَ ضَامِرَةً، قَدْ غَطَّاهَا الْعَفَنُ وَانْعَدَمَتْ نَفْعُهَا، فَقَالَ الْعَمُّ وَلِيدُ بِنَبْرَةٍ مِلْؤُهَا الْعِتَابُ: "لَقَدْ حَبَسْتَ الْأَمَانَةَ يَا مَاجِدُ حَتَّى قَتَلْتَهَا، وَالْأَمَانَةُ لَا تُحْبَسُ". ثُمَّ مَضَى إِلَى يَاسِرٍ، فَبَحَثَ الْخَبَّازُ طَوِيلاً حَتَّى اسْتَخْرَجَ بَقَايَا نَوَاةٍ جَافَّةٍ لَا رُوحَ فِيهَا، فَهَزَّ الْحَكِيمُ رَأْسَهُ قَائِلاً: "لَقَدْ أَهْمَلْتَ مَا اسْتُؤْمِنْتَ عَلَيْهِ يَا يَاسِرُ، فَمَاتَ مَعَهَا وَفَاؤُكَ".

وَأَخِيراً، وَصَلَ الْعَمُّ وَلِيدُ إِلَى مَزْرَعَةِ كَرِيمٍ، فَاسْتَقْبَلَهُ الْفَلَّاحُ بِوَجْهٍ مُسْتَبْشِرٍ وَاقْتَادَهُ إِلَى وَسَطِ الْحَقْلِ، حَيْثُ تَقِفُ شَجَرَةُ زَيْتُونٍ وَافِرَةُ الظِّلِّ، تَحْمِلُ أَغْصَانُهَا مِئَاتِ الْحَبَّاتِ الْخَضْرَاءِ الْيَانِعَةِ. انْدَهَشَ الْعَمُّ وَلِيدُ وَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ فَرَحاً، فَقَالَ كَرِيمٌ: "هَذِهِ هِيَ أَمَانَتُكَ يَا سَيِّدِي، لَقَدْ نَمَتْ بِفَضْلِ اللَّهِ ثُمَّ بِالرِّعَايَةِ، وَكُلُّ ثَمَرَةٍ فِيهَا هِيَ مِلْكٌ لَكَ". عَانَقَهُ الْعَمُّ وَلِيدُ قَائِلاً: "أَنْتَ الْحَكِيمُ حَقّاً يَا كَرِيمُ، لَقَدْ عَلَّمْتَنَا أَنَّ الْأَمَانَةَ لَيْسَتْ حِفْظاً لِلْمَاضِي فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ صِنَاعَةٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ وَإِحْيَاءٌ لِلْمَوَاتِ". فَأَعْطَاهُ نِصْفَ ثَرْوَتِهِ مُكَافَأَةً لَهُ، وَظَلَّتْ تِلْكَ الشَّجَرَةُ مَنَارَةً لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ يَتَعَلَّمُونَ مِنْهَا أَنَّ الْإِخْلَاصَ فِي الْعَمَلِ هُوَ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْأَمَانَةِ.

الأسئلة التفاعلية

السؤال الأول: كم حبة زيتون وجد العم أحمد أمام باب منزله؟ أ) حبة واحدة ب) حبتان ج) ثلاث حبات

السؤال الثاني: أين وضع ماجد صاحب الدكان حبة الزيتون؟ أ) في صندوق صغير وأغلق عليه ب) في كيس الطحين ج) زرعها في الأرض

السؤال الثالث: ماذا فعل كريم الفلاح بحبة الزيتون؟ أ) وضعها في خزانة ب) زرعها في الأرض واعتنى بها ج) أكلها

السؤال الرابع: ماذا حدث لحبات الزيتون عند ماجد وياسر؟ أ) نمت وكبرت ب) جفت وماتت ج) اختفت

السؤال الخامس: لماذا أعطى العم وليد مكافأة كبيرة لكريم فقط؟ أ) لأنه صديقه المفضل ب) لأنه الوحيد الذي حافظ على الأمانة وجعلها تنمو ج) لأنه طبخ له طعاماً لذيذاً

الدروس والعبر المستفادة

الدرس الأول - أداء الأمانة بإخلاص: تعلمنا أن الأمانة الحقيقية تعني أن نعتني بما يُوكل إلينا بأفضل طريقة ممكنة.

الدرس الثاني - قيمة الاستثمار الذكي: فهمنا أن الاستثمار في نمو الأشياء أفضل من مجرد حفظها دون اهتمام.

الدرس الثالث - أهمية الاهتمام والرعاية: اكتشفنا أن الاهتمام الحقيقي يحول الأشياء الصغيرة إلى إنجازات كبيرة.

الدرس الرابع - الفرق بين الحفظ والتنمية: تعلمنا أن حفظ الأشياء دون اهتمام يؤدي إلى ضياعها، بينما الاهتمام يجعلها تنمو وتزدهر.

الدرس الخامس - مكافأة الجهد والإخلاص: فهمنا أن من يبذل جهداً حقيقياً في عمله يستحق المكافأة والتقدير.

إرسال تعليق

أحدث أقدم