سَامِي الشُّجَاعِ وَالْغَرِيبِ الْمُخِيفِ
فِي حَيٍّ هَادِئٍ تَغْمُرُهُ أَشِعَّةُ الشَّمْسِ الذَّهَبِيَّةِ، كَانَ الْفَتَى الذَّكِيُّ سَامِي يَعِيشُ مَعَ عَائِلَتِهِ فِي طُمَأْنِينَةٍ وَسَلَامٍ. كَانَ سَامِي طِفْلًا مَحْبُوبًا، يَتَمَيَّزُ بِنَشَاطِهِ الْوَافِرِ وَابْتِسَامَتِهِ الَّتِي لَا تُفَارِقُ وَجْهَهُ الصَّغِيرَ. وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمُشْرِقِ، اسْتَأْذَنَ سَامِي وَالِدَتَهُ لِلْخُرُوجِ وَاللَّعِبِ مَعَ رِفَاقِهِ الْمُقَرَّبِينَ، أَحْمَدَ وَخَالِدٍ وَمُحَمَّدٍ، فِي حَدِيقَةِ الْحَيِّ الْفَسِيحَةِ. كَانَتِ الْحَدِيقَةُ تَعِجُّ بِالْحَيَاةِ، حَيْثُ رَكَضَ الْأَصْدِقَاءُ خَلْفَ كُرَةِ الْقَدَمِ، وَتَعَالَتْ ضَحِكَاتُهُمُ الصَّافِيَةُ لِتَمْلأَ الْأَرْجَاءَ بَهْجَةً وَسُرُورًا. انْغَمَسَ سَامِي فِي اللَّعِبِ حَتَّى نَسِيَ نَصِيحَةَ مَامَا فَاطِمَةَ وَبَابَا عَلِيٍّ الْغَالِيَةَ، حَيْثُ كَانَا يُرَدِّدَانِ عَلَى مَسَامِعِهِ دَائِمًا: "يَا سَامِي، الْعَبْ كَمَا تَشَاءُ، وَلَكِنْ إِيَّاكَ أَنْ تَبْقَى بَعِيدًا عَنِ الْمَنْزِلِ حِينَ تَبْدَأُ الشَّمْسُ بِالْمَغِيبِ وَيَحُلُّ الظَّلَامُ".
وَبَيْنَمَا كَانَ سَامِي يَرْكُضُ، لَاحَظَ أَنَّ قُرْصَ الشَّمْسِ بَدَأَ يَتَوَارَى خَلْفَ الْمَبَانِي الْعَالِيَةِ، وَأَنَّ خُيُوطَ اللَّيْلِ الْأُولَى بَدَأَتْ تَنْسِجُ ظِلَالَهَا عَلَى الْأَرْضِ. فَجْأَةً، شَعَرَ بِانْقِبَاضٍ بَسِيطٍ فِي قَلْبِهِ، وَتَذَكَّرَ تَأَخُّرَهُ، فَقَالَ لِأَصْدِقَائِهِ بِنَبْرَةٍ مُسْتَعْجِلَةٍ: "يَا أَصْحَابِي، لَقَدْ تَمَادَى بِنَا الْوَقْتُ، يَجِبُ عَلَيَّ الْعَوْدَةُ فَوْرًا إِلَى الْبَيْتِ حَتَّى لَا يَقْلَقَ وَالِدَايَ عَلَيَّ!". وَدَّعَ سَامِي رِفَاقَهُ وَانْطَلَقَ يَسِيرُ بِخُطًى حَثِيثَةٍ فِي طَرِيقِهِ الْمَعْهُودِ، وَكَانَ السُّكُونُ قَدْ بَدَأَ يَخيمُ عَلَى الشَّوَارِعِ، مِمَّا جَعَلَ صَوْتَ خَطَوَاتِهِ يَرِنُّ عَلَى الرَّصِيفِ.
وَفِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ، وَقَعَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحِسْبَانِ؛ حَيْثُ انْبَثَقَ مِنْ بَيْنِ الظِّلَالِ رَجُلٌ غَرِيبٌ لَمْ يَرَهُ سَامِي مِنْ قَبْلُ. كَانَ الرَّجُلُ يَرْتَدِي مِعْطَفًا طَوِيلًا، وَتَرْتَسِمُ عَلَى وَجْهِهِ ابْتِسَامَةٌ بَارِدَةٌ لَا تَبْعَثُ عَلَى الارْتِيَاحِ. اقْتَرَبَ الْغَرِيبُ مِنْ سَامِي بِبُطْءٍ، وَقَالَ بِصَوْتٍ رَخِيمٍ يُحَاوِلُ فِيهِ إِخْفَاءَ خُبْثِهِ: "أَهْلًا بِكَ يَا صَغِيرِي الْجَمِيلَ! لِمَاذَا تَمْشِي وَحِيدًا فِي هَذَا الْوَقْتِ؟ أَنْتَ تَبْدُو وَلَدًا مُؤَدَّبًا جِدًّا، مَا رَأْيُكَ أَنْ تُرافِقَنِي إِلَى مَتْجَرِي الْقَرِيبِ؟ لَدَيَّ هُنَاكَ أَنْوَاعٌ فَاخِرَةٌ وَلَذِيذَةٌ مِنَ الْحَلْوَى الْمُلَوَّنَةِ الَّتِي لَمْ تَذُقْ مِثْلَهَا قَطُّ، وَسَأُعْطِيكَ مِنْهَا مَا تَشَاءُ مَجَّانًا!".
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، شَعَرَ سَامِي بِقُشَعْرِيرَةٍ تَسْرِي فِي جَسَدِهِ، وَأَحَسَّ بِخَطَرٍ دَاهِمٍ، لَكِنَّ صَوْتَ وَالِدَيْهِ رَنَّ فِي أُذُنَيْهِ كَالْجَرَسِ: "كُنْ شُجَاعًا يَا سَامِي، وَتَذَكَّرِ الْقَاعِدَةَ الذَّهَبِيَّةَ؛ لَا تَثِقْ بِالْغُرَبَاءِ، وَلَا تَقْبَلْ مِنْهُمْ هَدِيَّةً، وَلَا تَمْشِ مَعَهُمْ مَهْمَا كَانَتِ الْأَسْبَابُ!". اسْتَجْمَعَ سَامِي قُوَاهُ، وَنَظَرَ إِلَى الرَّجُلِ بِثَبَاتٍ وَقَالَ بِصَوْتٍ جَهُورٍ وَوَاضِحٍ: "لَا شُكْرًا لَكَ يَا سَيِّدِي، أَنَا لَا آكُلُ الْحَلْوَى مِنَ الْغُرَبَاءِ، وَيَجِبُ أَنْ أَصِلَ إِلَى بَيْتِي الْآنَ دُونَ تَأْخِيرٍ!".
حِينَهَا، تَغَيَّرَتْ مَلَامِحُ الرَّجُلِ الْغَرِيبِ وَظَهَرَ الْغَضَبُ عَلَى وَجْهِهِ، وَفَقَدَ لُطْفَهُ الْمُصْطَنَعَ، فَحَاوَلَ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ الْخَشِنَةَ لِيُمْسِكَ بِذِرَاعِ سَامِي وَيَجُرَّهُ بَعِيدًا عَنِ الطَّرِيقِ الْعَامِ. لَمْ يَرْتَبِكْ سَامِي، بَلْ تَذَكَّرَ الْقَاعِدَةَ الذَّهَبِيَّةَ الثَّانِيَةَ: "إِذَا تَعَرَّضْتَ لِأَذًى، اصْرُخْ بِأَعْلَى صَوْتِكَ، وَدَافِعْ عَنْ نَفْسِكَ، وَاهْرُبْ نَحْوَ مَكَانٍ آمِنٍ!". بِحَرَكَةٍ سَرِيعَةٍ وَمُفَاجِئَةٍ، رَكَلَ سَامِي سَاقَ الرَّجُلِ بِكُلِّ مَا أُوتِيَ مِنْ قُوَّةٍ، وَأَطْلَقَ صَرْخَةً دَوَتْ فِي أَرْجَاءِ الزُّقَاقِ: "النَّجْدَةُ! النَّجْدَةُ! سَاعِدُونِي!".
رَكَضَ سَامِي بِأَقْصَى سُرْعَتِهِ، وَقَلْبُهُ يَخْفِقُ بِشِدَّةٍ كَطَبْلٍ مُتَسَارِعٍ، حَتَّى لَاحَ لَهُ ضَوْءُ دُكَّانِ الْعَمِّ وَلِيدٍ، ذَلِكَ الرَّجُلِ الطَّيِّبِ الَّذِي يَعْرِفُ كُلَّ أَهْلِ الْحَيِّ. ارْتَمَى سَامِي بَيْنَ يَدَيِ الْعَمِّ وَلِيدٍ وَهُوَ يَلْهَثُ: "عَمِّي وَلِيد! أَنْقِذْنِي! هُنَاكَ رَجُلٌ مُخِيفٌ طَارَدَنِي وَحَاوَلَ إِخْطَافِي!". لَمْ يَتَرَدَّدِ الْعَمُّ وَلِيدٌ الشُّجَاعُ، بَلْ خَرَجَ فَوْرًا وَأَبْصَرَ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ وَهُوَ يُحَاوِلُ الْهَرَبَ، فَتَمَكَّنَ بِمُسَاعَدَةِ بَعْضِ الْجِيرَانِ مِنْ مُحَاصَرَتِهِ حَتَّى حَضَرَتْ دَوْرِيَّةُ الشُّرْطَةِ وَأَلْقَتِ الْقَبْضَ عَلَيْهِ.
عَادَ سَامِي إِلَى مَنْزِلِهِ بِمُرَافَقَةِ الْعَمِّ وَلِيدٍ، وَهُنَاكَ وَجَدَ مَامَا فَاطِمَةَ وَبَابَا عَلِيٍّ فِي حَالَةٍ مِنَ الْقَلَقِ الشَّدِيدِ. ارْتَمَى سَامِي فِي حِضْنِهِمَا وَقَصَّ عَلَيْهِمَا مَا جَرَى بِالتَّفْصِيلِ. غَمَرَتْهُمَا مَشَاعِرُ الْخَوْفِ فِي الْبِدَايَةِ، ثُمَّ تَحَوَّلَتْ إِلَى فَخْرٍ عَظِيمٍ بِابْنِهِمَا. قَالَ بَابَا عَلِيٌّ وَهُوَ يَمْسَحُ عَلَى رَأْسِ سَامِي: "لَقَدْ كُنْتَ بَطَلًا حَقِيقِيًّا يَا بُنَيَّ، فَالشُّجَاعَةُ لَيْسَتْ فِي عَدَمِ الْخَوْفِ، بَلْ فِي التَّصَرُّفِ الصَّحِيحِ عِنْدَمَا نَخَافُ". وَأَضَافَتْ مَامَا فَاطِمَةُ وَالدُّمُوعُ تَلْمَعُ فِي عَيْنَيْهَا: "شُكْرًا لِلَّهِ الَّذِي حَمَاكَ، وَشُكْرًا لَكَ لِأَنَّكَ حَفِظْتَ دُرُوسَنَا، فَبِذَكَائِكَ أَنْقَذْتَ نَفْسَكَ وَحَمَيْتَ غَيْرَكَ مِنْ شَرِّ هَذَا الرَّجُلِ". وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، أَصْبَحَ سَامِي يُلَقَّبُ فِي الْحَيِّ بِـ "سَامِي الشُّجَاعِ"، وَصَارَتْ قِصَّتُهُ مِثَالًا يُحْتَذَى بِهِ لِكُلِّ الْأَطْفَالِ فِي كَيْفِيَّةِ الْحَذَرِ وَالتَّصَرُّفِ بِذَكَاءٍ أَمَامَ الْمَخَاطِرِ.
الأسئلة التفاعلية
السؤال الأول: لماذا تأخر سامي في العودة إلى البيت؟ أ) لأنه كان نائماً ب) لأنه نسي تحذيرات أهله وانشغل باللعب ج) لأنه كان يدرس
السؤال الثاني: ماذا عرض الرجل الغريب على سامي؟ أ) أن يشتري له حلوى لذيذة ب) أن يلعب معه كرة القدم ج) أن يوصله إلى البيت
السؤال الثالث: ما هي القاعدة الذهبية الأولى التي تذكرها سامي؟ أ) اجرِ بسرعة دائماً ب) لا تستمع للغرباء أبداً ج) لا تلعب في الحديقة
السؤال الرابع: كيف تصرف سامي عندما حاول الغريب أن يمسك به؟ أ) بكى وجلس على الأرض ب) ركل الرجل على قدمه وجرى طالباً المساعدة ج) اختبأ خلف شجرة
السؤال الخامس: من الذي ساعد سامي في النهاية؟ أ) أصدقاؤه في الحديقة ب) العم وليد صاحب الدكان ج) معلم في المدرسة
الدروس والعبر المستفادة
الدرس الأول - أهمية طاعة الوالدين: تعلمنا أن نصائح الأهل مهمة جداً لحمايتنا، ويجب ألا ننساها أبداً.
الدرس الثاني - الحذر من الغرباء: فهمنا أنه لا يجب أن نثق بالغرباء أو نذهب معهم مهما عرضوا علينا.
الدرس الثالث - الشجاعة في المواقف الصعبة: تعلمنا أن الشجاعة تعني أن نحمي أنفسنا بذكاء وقوة عند الحاجة.
الدرس الرابع - أهمية طلب المساعدة: اكتشفنا أن طلب المساعدة من الأشخاص الذين نثق بهم أمر مهم وصحيح.
الدرس الخامس - قيمة الأمان الشخصي: تعلمنا أن حماية أنفسنا أهم من أي شيء آخر في العالم.