مُغَامَرَةُ عَلِيٍّ مَعَ الجَدِّ الطَّيِّبِ: حِكَايَةُ كُنْيَةِ أَبِي تُرَابٍ

 مُغَامَرَةُ عَلِيٍّ مَعَ الجَدِّ الطَّيِّبِ: حِكَايَةُ كُنْيَةِ أَبِي تُرَابٍ

مُغَامَرَةُ عَلِيٍّ مَعَ الجَدِّ الطَّيِّبِ حِكَايَةُ كُنْيَةِ أَبِي تُرَابٍ

فِي قَلْبِ تِلْكَ القَرْيَةِ الوَادِعَةِ، حَيْثُ تَتَعَانَقُ مَآذِنُ المَسْجِدِ مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ الصَّافِيَةِ، كَانَتْ أَشِعَّةُ الشَّمْسِ الذَّهَبِيَّةُ تَنْسَلُّ بَيْنَ غُصُونِ الأَشْجَارِ البَاسِقَةِ لِتَرْسُمَ ظِلَالاً مُتَحَرِّكَةً عَلَى الأَرْضِ المُرَصَّعَةِ بِالحَصَى الصَّغِيرِ. كَانَ الوَقْتُ ظُهْرًا، وَالهَوَاءُ يَحْمِلُ نَسَمَاتٍ بَارِدَةً تُخَفِّفُ مِنْ حَرَارَةِ النَّهَارِ، وَفِي سَاحَةِ المَسْجِدِ الفَسِيحَةِ، كَانَ عَلِيٌّ الصَّغِيرُ، ذُو الوَجْهِ المَأْلُوفِ وَالعَيْنَيْنِ الطَّمُوحَتَيْنِ، يَرْكُضُ خَلْفَ كُرَةٍ قَدِيمَةٍ مَعَ ثُلَّةٍ مِنْ أَتْرَابِهِ. كَانَتْ ضَحِكَاتُهُمْ تَعْلُو فَتَمْلأُ الفَضَاءَ حَيَوِيَّةً، وَأَقْدَامُهُمُ الصَّغِيرَةُ تُثِيرُ نَقْعًا خَفِيفًا مِنَ الغُبَارِ، وَبَيْنَمَا كَانَ الحَمَاسُ فِي أَوْجِهِ، اِرْتَطَمَتِ الكُرَةُ بِخَشَبَةِ المَرْمَى، وَهَهُنَا اِشْتَعَلَ فَتِيلُ نِزَاعٍ بَرِيءٍ؛ فَعَلِيٌّ يُؤَكِّدُ أَنَّ الكُرَةَ لَمَسَتِ الشَّبَكَةَ، وَصَدِيقُهُ حَمْزَةُ يَجْزِمُ بِأَنَّهَا خَرَجَتْ بَعِيدًا. اِرْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ قَلِيلاً، وَتَشَابَكَتِ الأَيْدِي فِي جِدَالٍ طُفُولِيٍّ مُحْتَدِمٍ، وَبَدَا أَنَّ لَذَّةَ اللَّعِبِ قَدْ أَفْسَدَهَا العِنَادُ.

وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الفَاصِلَةِ، اِنْشَقَّ السُّكُونُ عَنْ ظُهُورِ قَامَةٍ مَهِيبَةٍ تَقْتَرِبُ نَحْوَهُمْ بِخُطًى وُئِيدَةٍ، كَانَ هُوَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ، ذَلِكَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ الَّذِي وَخَطَ الشَّيْبُ عِذَارَيْهِ، وَاكْتَسَتْ لِحْيَتُهُ بَيَاضًا نَاصِعًا يَحْكِي قِصَصَ السِّنِينَ، كَانَ يَتَّكِئُ عَلَى عَصًا خَشَبِيَّةٍ صَقِيلَةٍ، وَيَرْتَدِي ثَوْبًا أَبْيَضَ نَقِيًّا، وَتَفِيضُ عَيْنَاهُ بِنُورٍ مِنَ السَّكِينَةِ يَجْعَلُ مَنْ يَرَاهُ يَهَابُهُ وَيُحِبُّهُ فِي آنٍ وَاحِدٍ. مَا إِنْ وَقَعَ بَصَرُ الأَطْفَالِ عَلَيْهِ حَتَّى خَمَدَتْ ثَوْرَتُهُمْ، وَتَرَاجَعُوا لِلْخَلْفِ فِي صَمْتٍ مَشُوبٍ بِالخَجَلِ، إِلاَّ عَلِيًّا الَّذِي شَعَرَ بِانْجِذَابٍ غَرِيبٍ نَحْوَ هَذَا الشَّيْخِ، فَبَقِيَ وَاقِفًا يُرَاقِبُ مَلاَمِحَهُ الوَقُورَةَ.

تَبَسَّمَ الشَّيْخُ اِبْتِسَامَةً مَلأَتْ وَجْهَهُ صَفَاءً، وَأَشَارَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ لِيَقْتَرِبُوا، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ رَخِيمٍ يَحْمِلُ دِفْءَ الأُبُوَّةِ: "مَا بَالُ عَصَافِيرِي الصِّغَارِ تَتَشَاكَسُ فِي حِمَى بَيْتِ اللهِ؟ اِجْلِسُوا يَا أَبْنَائِي، فَمَا كَانَ الغَضَبُ يَوْمًا سَبِيلاً لِلْحَقِّ، وَأَنَا هُنَا بِمَنْزِلَةِ جَدِّكُمْ، فَلاَ تَبْتَعِدُوا عَنِّي." اِقْتَرَبَ عَلِيٌّ بِخُطًى وَاثِقَةٍ، وَمَدَّ يَدَهُ الصَّغِيرَةَ لِيُصَافِحَ كَفَّ الشَّيْخِ الكَبِيرَةَ الخَشِنَةَ، فَمَسَحَ الشَّيْخُ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ بِمَرَحٍ لَمْ يَعْهَدُوهُ فِيهِ: "آهٍ لَوْ تَعْلَمُونَ، يَا لَيْتَنِي كُنْتُ أَسْتَطِيعُ الرَّكْضَ مَعَكُمْ، وَلَكِنَّ هَذِهِ العَصَا أَصْبَحَتْ سَاقِي الثَّالِثَةَ! لَوْ لَعِبْتُ مَعَكُمْ لَأَوْقَعْتُكُمْ فِي شِبَاكِ أَهْدَافِي جَمِيعًا، وَلَكِنْ حَذَارِ أَنْ تُصِيبَ الكُرَةُ عَصَايَ، فَسَأَسْقُطُ حِينَهَا مِثْلَ ثَمَرَةِ التُّوتِ النَّاضِجَةِ!" اِنْفَجَرَ الأَطْفَالُ ضَحِكًا مِنْ طُرْفَةِ الشَّيْخِ، وَذَابَ جَلِيدُ التَّوَتُّرِ بَيْنَهُمْ، وَشَعَرُوا بِأَنَّ هَذَا الشَّيْخَ الحَكِيمَ لَيْسَ مُجَرَّدَ رَجُلٍ وَقُورٍ، بَلْ هُوَ صَدِيقٌ يُحْسِنُ فَهْمَ قُلُوبِهِمْ.

اِنْتَهَزَ عَلِيٌّ فُرْصَةَ الهُدُوءِ وَسَأَلَ بِفُضُولٍ لَمْ يَسْتَطِعْ كَتْمَهُ: "يَا جَدَّنَا، لَقَدْ نَادَيْتَنِي قَبْلَ قَلِيلٍ بِمَا لَمْ أَفْهَمْهُ، قُلْتَ لِي كُنْ مِثْلَ أَبِي تُرَابٍ، فَمَا هِيَ قِصَّةُ هَذَا الاِسْمِ؟" اِعْتَدَلَ الشَّيْخُ فِي جِلْسَتِهِ، وَبَدَا عَلَيْهِ مَزِيجٌ مِنَ الجِدِّ وَالحَنَانِ وَهُوَ يَقُولُ: "اِسْمَعْ يَا بُنَيَّ، أَنْتَ تَحْمِلُ اِسْمَ جَدِّكَ عَلِيٍّ، وَهُوَ كَانَ خَيْرَ رَجُلٍ عَرَفْتُهُ، وَلَكِنَّ كُنْيَةَ (أَبِي تُرَابٍ) لَهَا حِكَايةٌ عَظِيمَةٌ تَعُودُ لِلإِمَامِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- صِهْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. يُحْكَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ المَسْجِدَ يَوْمًا، فَوَجَدَ عَلِيًّا نَائِمًا عَلَى الأَرْضِ، وَقَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ ظَهْرِهِ حَتَّى أَصَابَهُ التُّرَابُ، فَمَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا أَنْ جَلَسَ بِجَانِبِهِ وَبَدَأَ يَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ ظَهْرِهِ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ وَهُوَ يَقُولُ لَهُ بِمُلاَطَفَةٍ وَمَحَبَّةٍ: قُمْ أَبَا تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ."

صَمَتَ الشَّيْخُ قَلِيلاً لِيَتَأَكَّدَ مِنْ تَرَكُّزِ عُيُونِ الأَطْفَالِ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَكْمَلَ: "أَتَعْرِفُ لِمَاذَا ذَكَرْتُ لَكَ ذَلِكَ؟ لأَنَّ الإِمَامَ عَلِيًّا كَانَ يَعْتَزُّ بِهَذَا اللَّقَبِ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ لَقَبٍ آخَرَ، لأَنَّهُ جَاءَ مِنْ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، وَلأَنَّهُ يُذَكِّرُ الإِنْسَانَ بِأَصْلِهِ مِنَ التُّرَابِ، فَيَتَوَاضَعُ وَلاَ يَتَكَبَّرُ، وَيَعْفُو عَنْ صَدِيقِهِ إِذَا أَخْطَأَ، وَيَكُونُ لَيِّنًا فِي خُلُقِهِ. أَنْتُمْ يَا أَبْنَائِي تَلْعَبُونَ فَوْقَ هَذَا التُّرَابِ، وَتَتَمَرَّغُ ثِيَابُكُمْ فِيهِ، فَلاَ تَجْعَلُوا قُلُوبَكُمْ قَاسِيَةً كَالحِجَارَةِ، بَلْ اِجْعَلُوهَا طَيِّبَةً مِثْلَ تُرَابِ الأَرْضِ الَّذِي يُنْبِتُ الزَّهْرَ وَالثَّمَرَ." نَظَرَ عَلِيٌّ إِلَى يَدَيْهِ المُغَبَّرَتَيْنِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى حَمْزَةَ، فَمَدَّ كُلٌّ مِنْهُمَا يَدَهُ لِلآخَرِ فِي تَعَانُقٍ صَادِقٍ، وَعَادُوا لِلَّعِبِ لَيْسَ فَقَطْ بِمَرَحٍ، بَلْ بِنُورٍ جَدِيدٍ مِنَ الاِحْتِرَامِ وَالمَحَبَّةِ غَرَسَهُ ذَلِكَ الشَّيْخُ الحَكِيمُ فِي نُفُوسِهِمُ الغَضَّةِ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم