حَفْلَةُ الْبَطَّةِ
بَدَأَتْ جَمِيعُ حَيَوَانَاتِ الْمَزْرَعَةِ السَّعِيدَةِ فِي الِاسْتِعْدَادِ وَالتَّحْضِيرِ لِإِقَامَةِ حَفْلِ عِيدِ مِيلَادِ الْبَطَّةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تُدْعَى (سُونَةَ). وَكَانَ الْجَمِيعُ يَعْمَلُ بِنَشَاطٍ وَحُبٍّ؛ فَأَحْضَرَتِ الدَّجَاجَةُ (دُودِي) كَعْكَةَ عِيدِ الْمِيلَادِ الشَّهِيَّةَ، وَقَدْ صَنَعَتْهَا بِنَفْسِهَا مِنْ حُبُوبِ الْقَمْحِ الذَّهَبِيَّةِ النَّقِيَّةِ. أَمَّا الْمَاعِزَةُ (لُولُو)، فَقَدْ قَامَتْ بِتَزْيِينِ الْكَعْكَةِ بِعِيدَانِ الْبَرْسِيمِ الْخَضْرَاءِ الطَّازَجَةِ لِتَبْدُو فِي أَجْمَلِ صُورَةٍ.
وَلَمْ يَتَوَقَّفِ الْأَمْرُ عِنْدَ ذَلِكَ، بَلْ أَحْضَرَ الْأَرْنَبُ (أَرْنُوبُ) بَاقَةً كَبِيرَةً مِنَ الْجَزَرِ اللَّذِيذِ وَقَدَّمَهَا هَدِيَّةً إِلَى الْبَطَّةِ (سُونَةَ). كَمَا قَدَّمَ الْمُهْرُ (أَصِيلُ) لِلْبَطَّةِ بَعْضَ مُكَعَّبَاتِ السُّكَّرِ الَّتِي تُحِبُّهَا. وَفِي تِلْكَ أَثْنَاءِ، دَخَلَ الدِّيكُ (فَصِيحٌ) وَهُوَ يَضَعُ سَمَّاعَاتٍ كَبِيرَةً عَلَى أُذُنَيْهِ، وَبَدَأَ يُغَنِّي بِصَوْتِهِ الْقَوِيِّ أُغْنِيَةً خَاصَّةً كَانَ قَدْ أَعَدَّهَا خِصِّيصًا لِعِيدِ مِيلَادِ الْبَطَّةِ.
تَفَاعَلَتِ الْحَيَوَانَاتُ مَعَ الْأَنْغَامِ، وَبَدَأَتْ تُرَدِّدُ مَعَ الدِّيكِ (فَصِيحٍ) كَلِمَاتِ الْأُغْنِيَةِ، فَسَادَ جَوٌّ رَائِعٌ مِنَ الْمَرَحِ وَالْفَرَحِ فِي أَرْجَاءِ الْمَزْرَعَةِ. وَبَيْنَمَا كَانَ الِاحْتِفَالُ فِي أَوْجِهِ، حَضَرَتِ الْبَقَرَةُ (رَشِيقَةٌ) إِلَى الْحَفْلِ، وَقَدْ تَأَخَّرَتْ قَلِيلًا لِأَنَّهَا كَانَتْ مَشْغُولَةً بِإِنْهَاءِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ الْمُكَلَّفَةِ بِهَا.
تَقَدَّمَتِ الْبَقَرَةُ (رَشِيقَةٌ) نَحْوَ الْبَطَّةِ (سُونَةَ)، وَأَهْدَتْهَا مِرْآةً صَغِيرَةً مُزَرْكَشَةً مِنْ جَوَانِبِهَا بِأَلْوَانٍ زَاهِيَةٍ وَجَمِيلَةٍ؛ كَانَتِ الْبَقَرَةُ قَدْ وَجَدَتْهَا مُلْقَاةً بِجِوَارِ أَحَدِ أَسْوَارِ الْمَزْرَعَةِ أَثْنَاءَ عَمَلِهَا الصَّبَاحِيِّ.
فَرِحَتِ الْبَطَّةُ الصَّغِيرَةُ كَثِيرًا بِهَذِهِ الْهَدِيَّةِ، لِأَنَّهَا سَتَتَمَكَّنُ مِنْ رُؤْيَةِ شَكْلِهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِهَا. أَخَذَتِ الْمِرْآةَ بِحَمَاسٍ وَنَظَرَتْ إِلَى نَفْسِهَا، لَكِنَّهَا سُرْعَانَ مَا أَلْقَتِ الْمِرْآةَ بَعِيدًا وَقَالَتْ فِي خَوْفٍ وَفَزَعٍ: "إِنَّ شَكْلِي قَبِيحٌ! لَوْنِي أَسْوَدُ، وَلَسْتُ مِثْلَ بَقِيَّةِ بَطِّ الْمَزْرَعَةِ الْأَبْيَضِ الْجَمِيلِ.. أَنَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ!".
حَزِنَتِ الدَّجَاجَةُ (دُودِي) لِحَالِ صَدِيقَتِهَا، فَمَدَّتْ جَنَاحَهَا وَوَضَعَتْهُ عَلَى رَأْسِ الْبَطَّةِ (سُونَةَ) تُطَيِّبُ خَاطِرَهَا وَتُرَبِّتُ عَلَيْهَا بِرِفْقٍ، وَقَالَتْ لَهَا: "لَا تَحْزَنِي يَا سُونَةُ، فَلَكِ قَلْبٌ أَبْيَضُ طَاهِرٌ، وَالْكُلُّ هُنَا يُحِبُّكِ لِأَخْلَاقِكِ، وَخُصُوصًا الْكَتَاكِيتُ الصِّغَارُ". ثُمَّ ذَكَّرَتْهَا بِمَوْقِفٍ بَطُولِيٍّ قَائِلَةً: "أَتَذْكُرِينَ عِنْدَمَا أَنْقَذْتِ الْكَتْكُوتَ (مُونِي) حِينَ انْزَلَقَتْ قَدَمُهُ وَسَقَطَ فِي الْبُحَيْرَةِ؟". لَكِنَّ الْبَطَّةَ لَمْ تَقْتَنِعْ، وَتَرَكَتِ الْجَمِيعَ وَمَضَتْ لِتَجْلِسَ وَحِيدَةً وَهِيَ غَارِقَةٌ فِي حُزْنِهَا وَتَفْكِيرِهَا.
وَفَجْأَةً، لَمَحَتِ الْبَطَّةُ جُوَالًا مَلِيئًا بِالدَّقِيقِ فِي أَحَدِ أَرْكَانِ الْمَزْرَعَةِ، فَخَطَرَتْ لَهَا فِكْرَةٌ سَرِيعَةٌ لِتَغْيِيرِ مَظْهَرِهَا. وَبَعْدَ فَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ، عَادَتِ الْبَطَّةُ إِلَى أَصْدِقَائِهَا وَقَدْ غَطَّتْ نَفْسَهَا بِالدَّقِيقِ حَتَّى صَارَ لَوْنُهَا أَبْيَضَ تَمَامًا.
نَظَرَ الْجَمِيعُ إِلَيْهَا بِتَعَجُّبٍ شَدِيدٍ، بَيْنَمَا كَانَتْ هِيَ مَسْرُورَةً بِشَكْلِهَا الْجَدِيدِ. وَقَفَتْ أَمَامَ الْمِرْآةِ مَرَّةً أُخْرَى وَقَالَتْ لِلْحَيَوَانَاتِ: "مَا رَأْيُكُمْ فِي شَكْلِي الْآنَ؟ أَلَسْتُ جَمِيلَةً؟". لَكِنَّ الْمُفَاجَأَةَ كَانَتْ أَنَّ أَصْدِقَاءَهَا الصِّغَارَ ابْتَعَدُوا عَنْهَا، وَقَالَ الْكَتْكُوتُ (مُونِي) بِاسْتِغْرَابٍ: "مَنْ أَنْتِ؟ نَحْنُ لَا نَعْرِفُكِ!".
حَاوَلَتِ الْبَطَّةُ أَنْ تُقْنِعَهُمْ قَائِلَةً: "أَنَا صَدِيقَتُكُمْ سُونَةُ!"، لَكِنَّهُمْ ظَلُّوا خَائِفِينَ وَمُبْتَعِدِينَ عَنْهَا. وَبَعْدَ وَقْتٍ قَصِيرٍ، بَدَأَتِ السَّمَاءُ تُمْطِرُ، فَغَسَلَ الْمَطَرُ الدَّقِيقَ عَنْ جِسْمِهَا، وَزَالَ اللَّوْنُ الْأَبْيَضُ الزَّائِفُ لِيَعُودَ لَوْنُهَا الْأَسْوَدُ الطَّبِيعِيُّ. عِنْدَمَا رَأَتِ الْكَتَاكِيتُ وَالْحَيَوَانَاتُ صَدِيقَتَهُمْ (سُونَةَ) تَعُودُ لِحَقِيقَتِهَا، أَقْبَلُوا عَلَيْهَا وَهُمْ يَصْرُخُونَ مِنَ الْفَرَحِ وَالسَّعَادَةِ.
حِينَهَا ابْتَسَمَتِ الْبَطَّةُ (سُونَةُ) بَعْدَ أَنْ تَعَلَّمَتِ الدَّرْسَ، وَقَالَتْ: "يَبْدُو أَنَّنِي كُنْتُ مُخْطِئَةً حِينَ حَكَمْتُ عَلَى نَفْسِي مِنَ الْمِرْآةِ.. لَنْ أَنْظُرَ إِلَى شَكْلِي فِيهَا بَعْدَ الْيَوْمِ، بَلْ سَأَرَى جَمَالِي فِي عُيُونِ أَصْدِقَائِي الَّذِينَ يُحِبُّونَنِي كَمَا أَنَا". ثُمَّ فَرَدَتْ جَنَاحَيْهَا فِي سَعَادَةٍ غَامِرَةٍ، وَبَدَأَتْ تَرْقُصُ بَيْنَ أَصْدِقَائِهَا تَحْتَ حَبَّاتِ الْمَطَرِ، وَالْجَمِيعُ يُشَارِكُهَا الْفَرْحَةَ الَّتِي لَا تُوصَفُ.