الأَقْزَامُ الثَّلَاثَةُ
فِي إِحْدَى الأُمْسِيَاتِ البَارِدَةِ، كَانَ هُنَاكَ حَذَّاءٌ فَقِيرٌ يَعِيشُ فِي مَنْزِلٍ صَغِيرٍ مَعَ زَوْجَتِهِ الطَّيِّبَةِ وَقِطَّتِهِ المَرِحَةِ. جَلَسَ الحَذَّاءُ فِي مَشْغَلِهِ المُتَوَاضِعِ، وَأَمْسَكَ مِقَصَّهُ بِيَدَيْنِ مُتْعَبَتَيْنِ لِيُفَصِّلَ آخِرَ قِطْعَةِ جِلْدٍ بَقِيَتْ عِنْدَهُ لِيَصْنَعَ مِنْهَا حِذَاءً وَاحِدًا. كَانَ صَوْتُ مِقَصِّهِ الرَّتِيبُ يَمْلأُ هُدُوءَ المَكَانِ وَهُوَ يَقُولُ: "سَنَبْ سَنَبْ سَنَابْ". وَكَانَتْ زَوْجَتُهُ تَدُورُ فِي أَرْجَاءِ المَنْزِلِ بِصَمْتٍ وَتُرَاقِبُهُ بِقَلَقٍ، وَكَذَلِكَ كَانَتْ تَفْعَلُ القِطَّةُ الَّتِي تَرَقَّبَتْ حَرَكَاتِ يَدَيْهِ.
نَظَرَتِ الزَّوْجَةُ إِلَى زَوْجِهَا الحَزِينِ وَسَأَلَتْهُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ: "مَا عِنْدَنَا لِلْعَشَاءِ اللَّيْلَةَ يَا زَوْجِي؟". تَنَهَّدَ الحَذَّاءُ وَقَالَ: "لَا شَيْءَ يَا زَوْجَتِي، سَأُكْمِلُ خِيَاطَةَ الأَحْذِيَةِ غَدًا". ثُمَّ مَضَى إِلَى فِرَاشِهِ وَهُوَ يَشْعُرُ بِقَرْصِ الجُوعِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي خِزَانَةِ الطَّعَامِ خُبْزٌ وَلَا جُبْنٌ، بَلْ كَانَتْ خَاوِيَةً تَمَامًا.
فِي الصَّبَاحِ البَاكِرِ، عِنْدَمَا فَتَحَ الحَذَّاءُ عَيْنَيْهِ وَتَوَجَّهَ إِلَى طَاوِلَةِ عَمَلِهِ، وَجَدَ مُفَاجَأَةً مُذْهِلَةً لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُهَا قَطُّ! لَقَدْ وَجَدَ أَنَّ قِطَعَ الجِلْدِ الَّتِي قَصَّهَا بِالأَمْسِ قَدْ تَحَوَّلَتْ إِلَى أَحْذِيَةٍ كَامِلَةٍ وَجَمِيلَةٍ جِدًّا. حَكَّ الحَذَّاءُ رَأْسَهُ مَنْدَهُشًا، وَأَخَذَ يَتَفَحَّصُ الحِذَاءَ عَنْ قُرْبٍ وَهُوَ يَقُولُ: "مَا هَذِهِ القُطَبُ الدَّقِيقَةُ الرَّشِيقَةُ! مَنْ ذَا الَّذِي يَمْلِكُ هَذِهِ المَهَارَةَ لِيَخِيطَ مِثْلَ هَذِهِ الغُرَزِ المُتْقَنَةِ؟". نَظَرَ إِلَى القِطَّةِ فَمَاءَتْ وَقَالَتْ: "لَسْتُ أَنَا!".
بَاعَ الحَذَّاءُ هَذِهِ الأَحْذِيَةَ البَدِيعَةَ بِثَمَنٍ غَالٍ جِدًّا، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ رَآهَا أُعْجِبَ بِجَمَالِهَا. وَبِهَذَا المَالِ، اشْتَرَى الحَذَّاءُ جُلُودًا جَدِيدَةً، وَاشْتَرَى أَيْضًا خُبْزًا وَلَحْمًا وَرُزًّا. وَفِي ذَلِكَ المَسَاءِ، تَنَاوَلَ هُوَ وَزَوْجَتُهُ عَشَاءً طَيِّبًا بَعْدَ طُولِ حِرْمَانٍ، وَحَتَّى القِطَّةُ نَالَتْ نَصِيبَهَا مِنَ الطَّعَامِ الشَّهِيِّ.
سُرْعَانَ مَا انْتَشَرَتْ أَخْبَارُ تِلْكَ الأَحْذِيَةِ الرَّشِيقَةِ فِي كُلِّ أَنْحَاءِ البِلَادِ، وَأَقْبَلَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ يَسْأَلُونَ عَنْهَا. كَانُوا يَقُولُونَ بِإِعْجَابٍ شَدِيدٍ: "مَا أَجْمَلَ هَذِهِ الأَحْذِيَةَ! كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَبْهَى مِنَ الآخَرِ، إِنَّنَا نَحْتَارُ فِيمَا نَخْتَارُ!". وَهَكَذَا، أَصْبَحَ الحَذَّاءُ غَنِيًّا بَيْنَ لَيْلَةٍ وَضُحَاهَا، وَقَالَ لِنَفْسِهِ بَيْنَمَا كَانَ يَعُدُّ مَالَهُ: "إِنَّهُ لَأَمْرٌ لَطِيفٌ جِدًّا، لَقَدْ صِرْتُ غَنِيًّا دُونَ أَنْ أَخِيطَ غُرْزَةً وَاحِدَةً!".
لَكِنَّ الفُضُولَ بَدَأَ يَتَسَلَّلُ إِلَى قَلْبِ الزَّوْجَةِ، فَقَالَتْ: "يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَعْرِفَ مَنْ هُوَ الصَّدِيقُ الخَفِيُّ الَّذِي يُسَاعِدُنَا كُلَّ لَيْلَةٍ. تَعَالَ نُرَاقِبِ المَشْغَلَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لِنَكْشِفَ السِّرَّ". وَافَقَ الحَذَّاءُ، فَتَرَكَا ضَوْءًا ضَئِيلًا فِي المَشْغَلِ وَاخْتَبَآ خَلْفَ سِتَارَةٍ فِي عَتَمَةِ اللَّيْلِ.
عِنْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ تَمَامًا، سَمِعَا صَرِيرًا خَفِيفًا، ثُمَّ انْفَتَحَ البَابُ بِبُطْءٍ، وَدَخَلَ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَقْزَامٍ صِغَارٍ جِدًّا، يَمْشُونَ عَلَى رُؤُوسِ أَصَابِعِهِمْ بِخِفَّةٍ بَالِغَةٍ. كَانُوا يَحْمِلُونَ أَدَوَاتٍ فِضِّيَّةً صَغِيرَةً وَدَقِيقَةً، لَكِنَّ مَلَابِسَهُمْ كَانَتْ مُمَزَّقَةً وَمُرَقَّعَةً وَقَدِيمَةً جِدًّا. جَلَسَ الأَقْزَامُ وَبَدَؤُوا العَمَلَ بِنَشَاطٍ، فَكَانَتْ مَطَارِقُهُمُ الفِضِّيَّةُ تَقُولُ: "تَبْ تَبْ تَابْ"، وَمِقَصُّهُمُ الفِضِّيُّ يَقُولُ: "سَبْ سَبْ سَنَابْ". وَفِي لَمْحِ البَصَرِ، كَانُوا قَدْ خَاطُوا مَجْمُوعَةً كَبِيرَةً مِنَ الأَحْذِيَةِ الفَاخِرَةِ، ثُمَّ اخْتَفَوْا كَمَا ظَهَرُوا.
بَعْدَ رَحِيلِهِمْ، قَالَتِ الزَّوْجَةُ بِتَأَثُّرٍ: "لَمْ أَرَ فِي حَيَاتِي صَنَاعَةً بِهَذَا الإِتْقَانِ، وَلَكِنْ قَلْبِي حَزِنَ لِرُؤْيَةِ مَلَابِسِهِمُ المُمَزَّقَةِ. سَأَخِيطُ لَهُمْ مَلَابِسَ جَدِيدَةً وَزَاهِيَةً لِأَشْكُرَهُمْ عَلَى مَعْرُوفِهِمْ". وَبِالفِعْلِ، بَدَأَتِ الزَّوْجَةُ تَخِيطُ قُمْصَانًا وَسَرَاوِيلَ دَقِيقَةً وَطَوَاقِيَ مُزَيَّنَةً، بَيْنَمَا صَنَعَ الحَذَّاءُ ثَلَاثَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الأَحْذِيَةِ الصَّغِيرَةِ المُلَوَّنَةِ.
فِي اللَّيْلَةِ التَّالِيَةِ، وَضَعَتِ الزَّوْجَةُ الهَدَايَا عَلَى رَفِّ المَشْغَلِ بَعْدَ أَنْ رَتَّبَتْهَا فِي ثَلَاثَةِ صُفُوفٍ أَنِيقَةٍ، ثُمَّ اخْتَبَأَتْ مَعَ زَوْجِهَا كَالعَادَةِ. وَعِنْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، حَضَرَ الأَقْزَامُ الثَّلَاثَةُ. وَكَمْ كَانَتْ فَرْحَتُهُمْ كَبِيرَةً حِينَ رَأَوْا المَلَابِسَ وَالأَحْذِيَةَ الجَدِيدَةَ! عَرَفُوا فَوْرًا أَنَّهَا لَهُمْ، فَأَسْرَعُوا يَرْتَدُونَهَا وَهُمْ يَقْفِزُونَ مَنَ الطَّرَبِ، ثُمَّ رَاحُوا يَرْقُصُونَ وَيُغَنُّونَ بِصَوْتٍ عِذْبٍ: "أَحْلَى المَلَابِسِ نَلْبَسُ.. نَلْبَسُ أَحْلَى الأَحْذِيَةِ.. وَالآنَ نَمْضِي مُسْرِعِينَ إِلَى بِلَادٍ نَائِيَةٍ".
وَمُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ، لَمْ يَرَ الحَذَّاءُ وَزَوْجَتُهُ الأَقْزَامَ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَدْ رَحَلُوا لِيُسَاعِدُوا آخَرِينَ رُبَّمَا. عَادَ الحَذَّاءُ لِيَخِيطَ أَحْذِيَتَهُ بِنَفْسِهِ، لَكِنَّ الرِّزْقَ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ أَبَدًا، فَصَارَتْ مَائِدَتُهُ دَائِمًا مَلِيئَةً بِأَشْهَى المَأْكُولَاتِ. وَلَمْ يَنْسَ الحَذَّاءُ فَضْلَهُمْ أَبَدًا، فَكَانَ كُلَّ لَيْلَةٍ يُطِلُّ مِنْ نَافِذَتِهِ وَيَهْمِسُ لِلسَّمَاءِ بِامْتِنَانٍ: "شُكْرًا لَكُمْ يَا أَصْدِقَائِي الصِّغَارَ، شُكْرًا لَكُمْ كَثِيرًا".