حَكِّمْ عَقْلَكَ ..
فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ، كَانَ هُنَاكَ فَلَّاحٌ نَشِيطٌ يُدْعَى مَنْصُورًا، يَعِيشُ فِي قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ هَادِئَةٍ. وَكَانَ لِمَنْصُورٍ حِمَارَانِ يُسَاعِدَانِهِ فِي أَعْمَالِ الْحَقْلِ وَنَقْلِ الْبَضَائِعِ؛ الْأَوَّلُ حِمَارٌ ذَكَرٌ اسْمُهُ "فُسْتُق"، وَكَانَ مَعْرُوفًا بِأَنَّهُ غَيُورٌ جِدًّا وَيُقَلِّدُ الْآخَرِينَ دُونَ تَفْكِيرٍ، أَمَّا الثَّانِيَةُ فَهِيَ الْحِمَارَةُ "وَرْدَة"، وَكَانَتْ حَكِيمَةً وَعَاقِلَةً تَتَصَرَّفُ بِذَكَاءٍ. فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، حَصَدَ مَنْصُورٌ مَحْصُولَهُ مِنَ الْقَمْحِ الذَّهَبِيِّ، وَقَرَّرَ الذَّهَابَ إِلَى السُّوقِ لِيَبِيعَهُ. حَمَّلَ مَنْصُورٌ أَكْيَاسَ الْقَمْحِ عَلَى ظَهْرَيْ فُسْتُقٍ وَوَرْدَةَ، وَانْطَلَقُوا جَمِيعًا فِي رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ تَحْتَ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ حَتَّى وَصَلُوا إِلَى السُّوقِ الْكَبِيرِ، وَهُنَاكَ بَاعَ مَنْصُورٌ مَحْصُولَهُ بِثَمَنٍ جَيِّدٍ وَرَبِحَ مَالًا كَثِيرًا.
وَبَعْدَ أَنِ انْتَهَى مَنْصُورٌ مِنْ بَيْعِ الْقَمْحِ، اشْتَرَى بَعْضَ الْأَغْرَاضِ لِيَعُودَ بِهَا إِلَى مَنْزِلِهِ؛ فَاشْتَرَى لِوَرْدَةَ أَحْمَالًا مِنَ الْمِلْحِ، بَيْنَمَا اشْتَرَى لِفُسْتُقَ أَحْمَالًا كَبِيرَةً مِنَ الْإِسْفَنْجِ. وَفِي طَرِيقِ الْعَوْدَةِ، نَظَرَ فُسْتُقُ إِلَى وَرْدَةَ بِضِيقٍ وَقَالَ لَهَا: "أَلَا تَرَيْنَ أَنَّ حِمْلِي أَكْبَرُ مِنْ حِمْلِكِ بكثير؟ هذا ليس عدلاً!". ابْتَسَمَتْ وَرْدَةُ الْعَاقِلَةُ وَقَالَتْ لَهُ بِمَوَدَّةٍ: "يَا فُسْتُقُ، لَا تَغُرَّكَ الْمَظَاهِرُ، فَصَحِيحٌ أَنَّ حِمْلِي صَغِيرُ الْحَجْمِ، وَلَكِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ ثَقِيلُ الْوَزْنِ لِأَنَّهُ مِلْحٌ، أَمَّا حِمْلُكَ فَهُوَ كَبِيرُ الْحَجْمِ لَكِنَّهُ خَفِيفُ الْوَزْنِ لِأَنَّهُ إِسْفَنْجٌ". لَمْ يَقْتَنِعْ فُسْتُقُ بِكَلَامِهَا وَظَلَّ يَشْعُرُ بِالْغَيْرَةِ.
وَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ، وَصَلُوا إِلَى حَافَةِ تَرْعَةٍ صَغِيرَةٍ مِيَاهُهَا صَافِيَةٌ. نَظَرَتْ وَرْدَةُ إِلَى الْمَاءِ وَقَالَتْ بِمَكْرٍ ذَكِيٍّ: "إِنَّ مَنْظَرَ الْمَاءِ جَمِيلٌ وَمُنْعِشٌ، سَأُنْزِلُ لِأَغْتَسِلَ فِيهِ قَلِيلًا". تَعَجَّبَ فُسْتُقُ وَسَأَلَهَا بَاسْتِغْرَابٍ: "كَيْفَ تَغْتَسِلِينَ فِي مَاءِ التَّرْعَةِ وَأَنْتِ تَحْمِلِينَ هَذَا الْحِمْلَ الثَّقِيلَ عَلَى ظَهْرِكِ؟ أَلَنْ يَتْعَبَكِ ذَلِكَ؟". فَأَجَابَتْهُ وَرْدَةُ: "إِنَّ حِمْلِي مِنَ الْمِلْحِ، فَإِذَا نَزَلْتُ فِي الْمَاءِ، سَيَذُوبُ بَعْضُهُ، وَبِذَلِكَ يَخِفُّ ثِقْلُ مَا أَحْمِلُهُ". وَبِالْفِعْلِ، نَزَلَتْ وَرْدَةُ فِي الْمَاءِ، فَمَا هِيَ إِلَّا لَحَظَاتٌ حَتَّى ذَابَ الْمِلْحُ، فَخَفَّ حِمْلُهَا كَثِيرًا، وَخَرَجَتْ مِنَ التَّرْعَةِ وَهِيَ تَشْعُرُ بِالْخِفَّةِ وَالنَّشَاطِ.
حِينَ رَأَى فُسْتُقُ ذَلِكَ، اشْتَعَلَتِ الْغَيْرَةُ فِي قَلْبِهِ وَقَرَّرَ تَقْلِيدَهَا فَوْرًا، فَقَالَ: "سَأُنْزِلُ أَنَا أَيْضًا لِيَخِفَّ حِمْلِي كَمَا خَفَّ حِمْلُكِ!". حَاوَلَتْ وَرْدَةُ أَنْ تُحَذِّرَهُ قَائِلَةً: "لَا تَفْعَلِ الْآنَ يَا فُسْتُقُ، فَقَدْ يَنْتَبِهُ مَنْصُورٌ وَيُعَاقِبُكَ". لَكِنَّ فُسْتُقَ الْغَيُورَ صَرَخَ فِيهَا: "لَا شَأْنَ لَكِ بِي، سَأَفْعَلُ مَا أُرِيدُ!". قَفَزَ فُسْتُقُ فِي وَسَطِ التَّرْعَةِ وَغَاصَ فِي الْمَاءِ، لَكِنَّ الْمُفَاجَئَةَ كَانَتْ قَاسِيَةً؛ فَالْإِسْفَنْجُ الَّذِي يَحْمِلُهُ لَمْ يَذُبْ كَالْمِلْحِ، بَلِ امْتَصَّ الْمَاءَ بِشَرَاهَةٍ حَتَّى تَشَبَّعَ تَمَامًا، فَأَصْبَحَ ثَقِيلًا جِدًّا كَالْحِجَارَةِ. حَاوَلَ فُسْتُقُ الْخُرُوجَ لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ، وَغَاصَتْ قَدَمَاهُ فِي الطِّينِ، فَبَدَأَ يَنْهَقُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ طَالِبًا النَّجْدَةَ.
اسْتَيْقَظَ مَنْصُورٌ الْفَلَّاحُ مِنْ نَوْمِهِ مَذْعُورًا عَلَى نَهِيقِ فُسْتُقَ الْعَالِي، فَرَكِضَ نَحْوَ التَّرْعَةِ وَوَجَدَ حِمَارَهُ يَكادُ يَغْرَقُ وَالْحِمْلُ يَجُرُّهُ لِلْأَسْفَلِ. بَذَلَ مَنْصُورٌ مَجْهُودًا كَبِيرًا وَشَاقًّا، وَتَعِبَ تَعَبًا شَدِيدًا هُوَ وَفُسْتُقُ، حَتَّى تَمَكَّنَ أَخِيرًا مِنْ سَحْبِهِ وَإِخْرَاجِهِ إِلَى الْبَرِّ. خَرَجَ فُسْتُقُ وَهُوَ يَكَادُ يَنْهَارُ مِنْ ثِقْلِ الْإِسْفَنْجِ الْمَبْلُولِ الَّذِي زَادَ وَزْنُهُ أَضْعَافًا. وَعِنْدَمَا عَادُوا جَمِيعًا إِلَى الْقَرْيَةِ، دَخَلَ فُسْتُقُ الْحَظِيرَةَ مَنْهُوكَ الْقُوَى وَمُحْرَجًا، فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ وَرْدَةُ وَقَالَتْ لَهُ بِنَصِيحَةٍ غَالِيَةٍ: "يَا فُسْتُقُ، إِيَّاكَ أَنْ تُقَلِّدَ غَيْرَكَ دُونَ فَهْمٍ، حَكِّمْ عَقْلَكَ دَائِمًا قَبْلَ أَنْ تَقُومَ بِأَيِّ عَمَلٍ، وَتَذَكَّرْ أَنَّ مَنْ لَا يُفَكِّرُ فِي الْعَوَاقِبِ، لَيْسَ لَهُ الدَّهْرُ بِصَاحِبٍ"