وَقْتُ الْفَرَاغِ
كَانَتْ جَنَّاتُ وَأُخْتُهَا جُمَانَةُ تِلْمِيذَتَيْنِ مُجْتَهِدَتَيْنِ فِي دِرَاسَتِهِمَا بِمَدِينَةِ بِنْسُلِيمَانَ الْخَضْرَاءِ فِي الْمَغْرِبِ الْجَمِيلِ. كَانَتَا تُحِبَّانِ الرِّيَاضَةَ الْبَدَنِيَّةَ كَثِيرًا؛ لِمَا فِيهَا مِنْ نَشَاطٍ وَحَيَوِيَّةٍ، وَبِفَضْلِ انْضِبَاطِهِمَا وَتَدْرِيبِهِمَا الْمُسْتَمِرِّ، اسْتَطَاعَتْ جَنَّاتُ أَنْ تَتَفَوَّقَ وَتَحْصُلَ عَلَى الْمِيدَالِيَّةِ الذَّهَبِيَّةِ فِي رِيَاضَةِ السِّبَاحَةِ، كَمَا اسْتَطَاعَتْ جُمَانَةُ أَنْ تُثْبِتَ مَهَارَتَهَا وَتَفُوزَ بِالْمِيدَالِيَّةِ الذَّهَبِيَّةِ فِي لُعْبَةِ التِّنِسِ.
فِي كُلِّ صَبَاحٍ بَاكِرٍ، وَمَعَ نَسَمَاتِ هَوَاءِ بِنْسُلِيمَانَ النَّقِيِّ، تَنْطَلِقُ الْأُخْتَانِ بِنَشَاطٍ إِلَى النَّادِي؛ حَيْثُ تَنْزِلُ جَنَّاتُ إِلَى الْمَسْبَحِ لِتَتَمَرَّنَ بِجِدٍّ عَلَى سِبَاحَةِ الْمَسَافَاتِ الطَّوِيلَةِ، بَيْنَمَا تَتَوَجَّهُ جُمَانَةُ إِلَى مَلْعَبِ التِّنِسِ لِتَتَدَرَّبَ عَلَى تِلْكَ اللَّعْبَةِ الرَّائِعَةِ الَّتِي تَهْوَاهَا. وَبَعْدَ انْتِهَاءِ التَّدْرِيبِ، تَعُودَانِ مَعًا إِلَى الْمَنْزِلِ، فَتَتَنَاوَلَانِ طَعَامَ الْغَدَاءِ الشَّهِيَّ مَعَ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ. وَلَمْ يَكُنْ جَدْوَلُهُمَا يَقْتَصِرُ عَلَى الرِّيَاضَةِ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَتَا بَعْدَ ذَلِكَ تَذْهَبَانِ إِلَى مَكْتَبَتِهِمَا الصَّغِيرَةِ الَّتِي صَنَعَتَاهَا بِنَفْسِهِمَا، وَالَّتِي كَانَتْ تَضُمُّ مَجْمُوعَةً مِنَ الْكُتُبِ وَالْمَجَلَّاتِ الْمُفِيدَةِ.
وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ، وَبَيْنَمَا كَانَتَا تَتَحَدَّثَانِ، قَالَتْ جَنَّاتُ: "إِنِّي أُفَكِّرُ فِي مَشْرُوعٍ يَتَكَلَّفُ نَحْوَ خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ مَغْرِبِيٍّ، فَهَلْ تَشْتَرِكِينَ مَعِي يَا جُمَانَةُ؟". ضَحِكَتْ جُمَانَةُ مِنْ شِدَّةِ الدَّهْشَةِ وَقَالَتْ: "خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ! مِنْ أَيْنَ لَنَا هَذَا الْمَبْلَغُ؟". فَأَخْبَرَتْهَا جَنَّاتُ أَنَّهَا تُفَكِّرُ فِي نَسْجِ سَجَّادَةٍ تَقْلِيدِيَّةٍ، لَكِنَّهَا لَا تَمْلِكُ سِوَى مِائَتَيْ دِرْهَمٍ. قَالَتْ جُمَانَةُ: "وَأَنَا مَعِي مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَأَتَذَكَّرُ يَا جَنَّاتُ أَنَّ بَابَا وَعَدَنَا بِهَدِيَّةٍ إِذَا تَفَوَّقْنَا فِي الِامْتِحَانِ. فَلْنَعْرِضْ عَلَيْهِ فِكْرَةَ الْمَشْرُوعِ، وَنَطْلُبْ مِنْهُ أَنْ يُسَاعِدَنَا".
تَسَاءَلَتْ جُمَانَةُ عَنْ كَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ فَهِيَ لَا تَعْرِفُ طَرِيقَةَ صُنْعِ السَّجَاجِيدِ، فَذَكَّرَتْهَا جَنَّاتُ بِأَنَّهَا تَعَلَّمَتْ ذَلِكَ فِي حِصَّةِ الْأَعْمَالِ الْيَدَوِيَّةِ بِالْمَدْرَسَةِ. ثُمَّ سَأَلَتْهَا جُمَانَةُ عَنْ تَكَالِيفِ، فَأَجَابَتْهَا بِأَنَّهُ مَعَ الْخُيُوطِ وَالصُّوفِ الْمُلَوَّنِ سَيَحْتَاجَانِ لِتَكْمِلَةِ مَبْلَغِ الْخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ. وَعِنْدَمَا عَرَضَتَا الْفِكْرَةَ عَلَى وَالِدِهِمَا، شَجَّعَهُمَا كَثِيرًا وَأَعْطَاهُمَا مَا يَنْقُصُهُمَا مِنَ الدَّرَاهِمِ. ثُمَّ ذَهَبَ مَعَ جَنَّاتَ إِلَى نَجَّارٍ فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ لِيُوصِيَهُ بِصُنْعِ الْمَرْمَى، وَاشْتَرَوْا كُلَّ مَا يَلْزَمُ مِنَ الصُّوفِ الْمَغْرِبِيِّ الْأَصِيلِ وَالْخُيُوطِ الْمَتِينَةِ.
بَدَأَ الْعَمَلُ بِنَشَاطٍ، فَعَلَّمَتْ جَنَّاتُ أُخْتَهَا جُمَانَةُ طَرِيقَةَ النَّسْجِ. وَكَانَتَا تَتَعَاوَنَانِ بِشَكْلٍ جَمِيلٍ؛ فَحِينَمَا كَانَتْ جَنَّاتُ تَشْتَغِلُ فِيهَا، كَانَتْ جُمَانَةُ تُطَالِعُ كِتَابًا أَوْ تُطَرِّزُ ثَوْبًا. وَعِنْدَمَا كَانَتْ جُمَانَةُ تَشْتَغِلُ فِي السَّجَّادَةِ، كَانَتْ جَنَّاتُ تَقْرَأُ فِي كِتَابٍ أَوْ مَجَلَّةٍ. وَاسْتَمَرَّتَا عَلَى هَذَا الْحَالِ طُولَ فَتْرَةِ الْعُطْلَةِ حَتَّى اكْتَمَلَتِ السَّجَّادَةُ، فَجَاءَتْ جَمِيلَةَ الرُّسُومِ الْمُسْتَوْحَاةِ مِنَ التُّرَاثِ وَزَاهِيَةَ الْأَلْوَانِ.
فِي الْبِدَايَةِ، فَكَّرَتِ الْأُخْتَانِ فِي إِهْدَاءِ السَّجَّادَةِ إِلَى مَامَا، لَكِنَّهُمَا وَجَدَتَا أَنَّ الْمَنْزِلَ مَفْرُوشٌ كُلُّهُ. حِينَئِذٍ اقْتَرَحَتْ جُمَانَةُ فِكْرَةً أُخْرَى قَائِلَةً: "لِمَاذَا لَا نَعْرِضُ السَّجَّادَةَ فِي مَعْرِضِ الصِّنَاعَةِ التَّقْلِيدِيَّةِ فِي وَسَطِ مَدِينَةِ بِنْسُلِيمَانَ؟". أَعْجَبَتِ الْفِكْرَةُ جَنَّاتَ، فَحَمَلَتَا السَّجَّادَةَ لِمُدِيرِ الْمَعْرِضِ وَأَخَذَتَا إِيصَالًا بِهَا. وَبَعْدَ مُدَّةٍ، عَادَتَا إِلَى الْمَعْرِضِ فَاسْتَقْبَلَهُمَا الْمُدِيرُ بِفَرَحٍ وَقَالَ لَهُمَا: "إِنَّ السَّجَّادَةَ قَدْ بِيعَتْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ! مِائَةٌ مِنْهَا لِلْمَعْرِضِ وَتِسْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ لَكُمَا". كَادَتِ الْأُخْتَانِ تَطِيرَانِ مِنَ الْفَرَحِ، وَاشْتَرَيَا سِوَارًا ذَهَبِيًّا جَمِيلًا أَهْدَيَاهُ لِمَامَا، وَاحْتَفَظَتَا بِالْبَاقِي فِي "حصالة" التَّوْفِيرِ.
