الْحِمَارُ وَالْعَنْزَةُ
فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، وَمَعَ تَبَاشِيرِ الصَّبَاحِ الْأُولَى، أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ الذَّهَبِيَّةُ لِتَنْشُرَ دِفْأَهَا فِي أَرْجَاءِ الْكَوْنِ وَتُنِيرَ الدُّنْيَا بِأَشِعَّتِهَا الْبَهِيَّةِ. وَمَعَ هَذَا الضِّيَاءِ، صَحَتْ حَيَوَانَاتُ الْمَزْرَعَةِ وَطُيُورُهَا مَنْ نَوْمِهَا، وَبَدَأَتْ تُمَارِسُ أَعْمَالَهَا الْيَوْمِيَّةَ بِهِمَّةٍ وَنَشَاطٍ. كَانَ الْحِمَارُ الرَّزِينُ قَدْ أَعَدَّ نَفْسَهُ لِيَوْمٍ شَاقٍّ، فَحَمَلَ أَكْيَاسَ الْقَمْحِ الثَّقِيلَةَ فَوْقَ ظَهْرِهِ، مُتَوَجِّهًا بِهَا نَحْوَ الْمَطْحَنَةِ لِيُؤَدِّيَ وَاجِبَهُ. وَفِي تِلْكَ الْأَثْنَاءِ، كَانَتِ الْعَنْزَةُ النَّشِيطَةُ قَدْ بَدَأَتْ يَوْمَهَا بِرُوحٍ مَرِحَةٍ، فَأَخَذَتْ تَقْفِزُ هُنَا وَتَنْطُ هُنَاكَ، رَاغِبَةً فِي اللَّعِبِ وَالْمَرَحِ.
بَيْنَمَا كَانَتِ الْعَنْزَةُ تَمْرَحُ، لَمَحَتْ مِنْ بَعِيدٍ حَبْلًا مُلْقًى عَلَى الْأَرْضِ، فَجَرَتْ نَحْوَهُ مُسْرِعَةً لِتَلْعَبَ بِهِ وَتَقْضِيَ وَقْتًا مُمْتِعًا. وَفِي اللَّحْظَةِ ذَاتِهَا، أَبْصَرَ الْحِمَارُ ذَلِكَ الْحَبْلَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ قَائِلًا: "سَأَرُبطُ بِهَذَا الْحَبْلِ أَكْيَاسَ الْقَمْحِ فَوْقَ ظَهْرِي لِتَثْبُتَ جَيِّدًا"، ثُمَّ انْطَلَقَ نَحْوَهُ بِسُرْعَةٍ. وَصَلَ الِاثْنَانِ إِلَى الْحَبْلِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، فَشَدَّ الْحِمَارُ طَرَفًا مِنْهُ نَحْوَهُ، وَأَمْسَكَتِ الْعَنْزَةُ بِالطَّرَفِ الْآخَرِ تَجُرُّهُ إِلَيْهَا. هُنَا ارْتَفَعَ صَوْتُ الْعَنْزَةِ وَهِيَ تَمْأَىُ بِيُبْسٍ: "هَذَا الْحَبْلُ لِي؛ لِأَنَّنِي أَنَا مَنْ رَأَيْتُهُ أَوَّلًا!". فَرَدَّ الْحِمَارُ بِنَهِيقٍ عَالٍ: "بَلِ الْحَبْلُ لِي أَنَا، فَأَنَا مَنْ أَبْصَرْتُهُ أَوَّلًا!".
تَمَسَّكَتِ الْعَنْزَةُ بِمَوْقِفِهَا صَائِحَةً: "أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَنْطَّ عَلَى هَذَا الْحَبْلِ لِأَلْعَبَ!". لَكِنَّ الْحِمَارَ أَجَابَهَا بِحَزْمٍ: "سَأَرْبُطُ بِهِ الْقَمْحَ فَوْقَ ظَهْرِي، فَالْعَمَلُ أَهَمُّ مِنَ اللَّعِبِ يَا عَزِيزَتِي". لَمْ تَقْتَنِعِ الْعَنْزَةُ بِقَوْلِهِ وَرَدَّتْ بِعِنَادٍ: "كَلَّا، بَلِ اللَّعِبُ هُوَ الْأَهَمُّ!". وَهَكَذَا بَدَأَ الشِّجَارُ يَحْتَدُّ بَيْنَهُمَا، مِمَّا جَعَلَ بَقِيَّةَ حَيَوَانَاتِ الْمَزْرَعَةِ تَلْتَفِتُ نَحْوَهُمَا مُنْزَعِجَةً؛ فَحَاوَلَتِ الْبَقَرَةُ أَنْ تُهَدِّئَ مِن رَوْعِ الْحِمَارِ، كَمَا حَاوَلَ الْخَرُوفُ تَهْدِئَةَ الْعَنْزَةِ، وَلَكِنَّ صَوْتَهُمَا اسْتَمَرَّ فِي الِارْتِفَاعِ وَهُمَا يَتَجَاذَبَانِ الْحَبْلَ بِقُوَّةٍ.
وَفَجْأَةً، انْقَطَعَ صِيَاحُهُمَا حِينَ سَمِعَ الْجَمِيعُ صَوْتَ بُكَاءٍ حَزِينٍ آتٍ مِنْ بَعِيدٍ. سَكَنَ الْجَمِيعُ لَحْظَةً لِيَتَبَيَّنُوا مَصْدَرَ الصَّوْتِ وَصَاحِبَهُ، ثُمَّ هَرَعُوا جَمِيعًا نَحْوَ مَكَانِ الْبُكَاءِ. عِنْدَمَا وَصَلُوا، وَجَدُوا الطِّفْلَ "فَرِيدًا"، ابْنَ بَائِعِ اللَّبَنِ، يَجْلِسُ بَاكِيًا، فَسَأَلَتْهُ الْبَقَرَةُ بِحَنَانٍ: "لِمَاذَا تَبْكِي يَا فَرِيدُ؟". أَجَابَ الطِّفْلُ وَالدُّمُوعُ تَمْلَأُ عَيْنَيْهِ: "أَنَا جَوْعَانُ جِدًّا، وَقَدْ ذَهَبْتُ إِلَى الْمَخْبَزِ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ خُبْزًا لِآكُلَهُ".
تَسَارَعَتِ الْبَقَرَةُ وَالْعَنْزَةُ إِلَى الْمَخْبَزِ لِتَتَبَيَّنَا الْأَمْرَ، بَيْنَمَا قَامَ الْحِمَارُ بِطِيبَةِ قَلْبٍ بِحَمْلِ فَرِيدٍ فَوْقَ ظَهْرِهِ، وَأَخَذَ يَدُورُ بِهِ وَيُلَاعِبُهُ لِيُخَفِّفَ عَنْهُ حُزْنَهُ حَتَّى تَعُودَ الْحَيَوَانَاتُ بِالْخُبْزِ. وَفِي الْمَخْبَزِ، الْتَقَتِ الْحَيَوَانَاتُ بِالْخَبَّازِ الَّذِي قَالَ لَهُمْ بِأَسَفٍ: "لَا يُوجَدُ لَدَيْنَا دَقِيقٌ لِنَخْبِزَ الْخُبْزَ الْيَوْمَ". انْطَلَقَتِ الْحَيَوَانَاتُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الطَّحَّانِ تَسْأَلُهُ عَنِ السَّبَبِ، فَقَالَ لَهُمْ: "إِنَّ الْحِمَارَ لَمْ يُحْضِرِ الْقَمْحَ بَعْدُ لِيَتِمَّ طَحْنُهُ".
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أَدْرَكَتِ الْعَنْزَةُ خَطَأَهَا وَقَالَتْ بِنَدَمٍ: "لَقَدْ كُنْتُ أَنَا السَّبَبَ فِي تَأْخِيرِ الْحِمَارِ عَنْ عَمَلِهِ بِسَبَبِ شِجَارِي مَعَهُ عَلَى الْحَبْلِ". وَدُونَ تَأْخِيرٍ، جَرَتِ الْعَنْزَةُ نَحْوَ الْحِمَارِ وَأَحْضَرَتِ الْحَبْلَ، وَبَدَأَتْ تُسَاعِدُهُ فِي رَبْطِ وَحَمْلِ أَكْيَاسِ الْقَمْحِ. كَمَا انْضَمَّتِ الْبَقَرَةُ إِلَيْهِمَا لِتُعَاوِنَهُمْ، وَتَكَاتَفَتْ جَمِيعُ الْحَيَوَانَاتِ حَتَّى نَقَلُوا كُلَّ كَمِّيَّاتِ الْقَمْحِ إِلَى الطَّحَّانِ فِي وَقْتٍ قَصِيرٍ.
وَبَعْدَ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، تَحَوَّلَ الْقَمْحُ إِلَى دَقِيقٍ نَاعِمٍ، فَقَامَ الْحِمَارُ بِحَمْلِهِ إِلَى الْمَخْبَزِ بِمُعَاوَنَةِ الْعَنْزَةِ. وَمَا هِيَ إِلَّا سَاعَةٌ أُخْرَى حَتَّى فَاحَتْ رَائِحَةُ الْخُبْزِ الشَّهِيَّةِ، وَخَرَجَ الْخُبْزُ الطَّازِجُ مِنَ الْمِخْبَزِ. سَارَعَتِ الْعَنْزَةُ بِإِحْضَارِ الْخُبْزِ اللَّذِيذِ إِلَى فَرِيدٍ، فَأَكَلَ الطِّفْلُ الصَّغِيرُ حَتَّى شَبِعَ وَارْتَسَمَتِ الِابْتِسَامَةُ عَلَى وَجْهِهِ. وَعِنْدَمَا انْتَهَى الْجَمِيعُ مِنْ أَعْمَالِهِمْ بِنَجَاحٍ، اجْتَمَعَ الْحِمَارُ وَالْعَنْزَةُ مَعَ فَرِيدٍ فِي سَاحَةِ الْمَزْرَعَةِ، وَأَخَذُوا يَلْعَبُونَ جَمِيعًا وَيَنْطُّونَ عَلَى الْحَبْلِ وَهُمْ فِي غَايَةِ السَّعَادَةِ وَالسُّرُورِ.
