القِطُّ مَلِكًا عَلَى الغَابَةِ
عَاشَ القِطُّ مِشْمِشٌ فِي بَيْتِ النَّجَّارِ، وَكَانَ فِي أَيَّامِ شَبَابِهِ مَاهِرًا فِي صَيْدِ الفِئْرَانِ، حِينَ كَانَ نَشِيطًا خَفِيفَ الحَرَكَةِ، يَبْحَثُ عَنْهَا وَيُطَارِدُهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ. أَمَّا الآنَ فَقَدْ وَلَّتْ أَيَّامُ الشَّبَابِ، وَأَصْبَحَ قِطًّا كَسُولًا ثَقِيلَ الحَرَكَةِ إِمَّا لِكِبَرِ سِنِّهِ أَوْ لِمَرَضِهِ الَّذِي أَصَابَهُ أَخِيرًا. وَلَمْ تَعُدْ لِلْقِطِّ مِشْمِشٍ أَيَّةُ فَائِدَةٍ سَوَاءً فِي دَاخِلِ البَيْتِ أَوْ فِي عُشَّةِ الدَّجَاجِ وَالبَطِّ وَالوِزِّ، فَقَدْ كَفَّ مِنْ مُدَّةٍ عَنْ مُطَارَدَةِ الفِئْرَانِ، وَأَصْبَحَ يَبْحَثُ عَنْ طَعَامٍ لَهُ أَسْهَلَ وَأَشْهَى، فَيَخْطَفُهُ مِنْ مَطْبَخِ البَيْتِ فِي غَفْلَةٍ مِنْ زَوْجَةِ النَّجَّارِ، لَا سِيَّمَا بَعْدَ أَنْ امْتَنَعَ أَصْحَابُ البَيْتِ عَنْ تَقْدِيمِ الطَّعَامِ لَهُ. فَلَمْ يَعُدْ مَا فِي البَيْتِ مِنْ زُبْدَةٍ وَقِشْدَةٍ، وَلَبَنٍ وَجُبْنٍ، وَلَحْمَةٍ وَخُبْزٍ، تَسْلَمُ مِنْ عُدْوَانِهِ.
وَرَاحَتْ زَوْجَةُ النَّجَّارِ تُطَارِدُهُ وَتَشْكُوهُ إِلَى زَوْجِهَا، وَتَقُولُ لَهُ فِي غَضَبٍ: لِمَاذَا نَحْتَفِظُ بِهَذَا القِطِّ عِنْدَنَا، بَعْدَ أَنْ صَارَ لَا فَائِدَةَ فِيهِ؟ فَلَمْ يَعُدْ طَوَالَ السَّنَةِ المَاضِيَةِ يُمْسِكُ بِذَيْلِ فَأْرٍ وَاحِدٍ، حَتَّى إِنَّ الفِئْرَانَ صَارَتْ تَسْخَرُ مِنَّا وَمِنْ قِطِّنَا الكَسُولِ الَّذِي لَا يُسَبِّبُ لَهَا أَيَّ إِزْعَاجٍ، وَيَكْتَفِي طَوَالَ الوَقْتِ بِإِزْعَاجِنَا نَحْنُ أَصْحَابَهُ، فَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْتَفِظَ بِأَيِّ شَيْءٍ بَعِيدًا عَنْ عُدْوَانِهِ، هَذَا وَقَدْ تَكَاثَرَتْ الفِئْرَانُ وَرَاحَتْ تَمْرَحُ فِي البَيْتِ بِحُرِّيَّةٍ، فَمَاذَا أَنْتَ فَاعِلٌ يَا زَوْجِي العَزِيزُ؟ هَلْ تَتْرُكُهُ هَكَذَا يَفْعَلُ بِنَا مَا يَشَاءُ؟
أَخِيرًا، اتَّفَقَ الرَّجُلُ وَزَوْجَتُهُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ القِطَّ مَعَهُ عِنْدَمَا يَذْهَبُ إِلَى الغَابَةِ لِإِحْضَارِ بَعْضِ الأَخْشَابِ، وَيُطْلِقَ سَرَاحَهُ هُنَاكَ. وَفِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، وَضَعَ الرَّجُلُ القِطَّ العَجُوزَ مِشْمِشًا فِي كِيسٍ، وَحَمَلَهُ مَعَهُ إِلَى الغَابَةِ. فَلَمَّا انْتَهَى مِنْ قَطْعِ مَا يَكْفِيهِ مِنَ الأَخْشَابِ، أَخْرَجَ القِطَّ المِسْكِينَ مِنَ الكِيسِ، وَرَمَاهُ فِي بُقْعَةٍ مُنْخَفِضَةٍ مِنَ الغَابَةِ حَيْثُ تَتَجَمَّعُ مِيَاهُ الأَمْطَارِ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَلَى عَجَلٍ وَهُوَ يَدْفَعُ عَرَبَتَهُ الصَّغِيرَةَ المُحَمَّلَةَ بِالأَخْشَابِ أَمَامَهُ.
فَرَاحَ القِطُّ العَجُوزُ يُفَكِّرُ فِي حُزْنٍ شَدِيدٍ، وَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ: لَوْ أَنَّنِي كُنْتُ كَلْبًا لَجَرَرْتُ لَهُ العَرَبَةَ -مَعَ كُرْهِي لِذَلِكَ- وَلَمَا تَرَكَنِي هَكَذَا لِلْأَقْدَارِ لَا حَوْلَ لِي وَلَا قُوَّةَ، وَلَكِنَّ طَبِيعَتِي لَا تَسْمَحُ لِي أَنْ أَفْعَلَ مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْعَلَهُ أَيُّ كَلْبٍ. وَرَاحَ القِطُّ يَتَلَفَّتُ حَوْلَهُ يَمِينًا وَيَسَارًا، ثُمَّ قَالَ فِي يَأْسٍ: الظَّاهِرُ أَنِّي سَأَبْقَى هُنَا حَتَّى أَهْلَكَ مِنَ الجُوعِ. وَلَكِنَّ القِطَّ سَمِعَ فَجْأَةً صَوْتًا يُنَادِيهِ، فَالْتَفَتَ إِلَى النَّاحِيَةِ الَّتِي يَأْتِي مِنْهَا الصَّوْتُ، فَوَجَدَ ثَعْلَبَةً تَنْظُرُ إِلَيْهِ مُتَعَجِّبَةً، كَوَافِدٍ جَدِيدٍ إِلَى الغَابَةِ لَمْ تَرَ لَهُ شَبِيهًا مِنْ قَبْلُ، ثُمَّ سَمِعَهَا وَهِيَ تُخَاطِبُهُ تَقُولُ: يَوْمٌ جَمِيلٌ أَيُّهَا الحَيَوَانُ الطَّيِّبُ!.
أَجَابَهَا وَهُوَ يُدِيرُ وَجْهَهُ عَنْهَا، وَقَدْ تَمَلَّكَهُ الغَضَبُ مِنْ صَاحِبِهِ النَّجَّارِ الَّذِي تَرَكَهُ وَمَضَى، بَعْدَ كُلِّ مَا عَمِلَهُ لَهُ طَوَالَ عِشْرَتِهِ الطَّوِيلَةِ مَعَهُ: يَوْمٌ جَمِيلٌ.. إِنْ أَرَدْتِ ذَلِكَ. قَالَتِ الثَّعْلَبَةُ: مَنْ أَنْتَ وَمَا اسْمُكَ؟ وَمَا الَّذِي جَاءَ بِكَ إِلَى هُنَا، وَمَاذَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أَنَا القِطُّ مِشْمِشٌ.... وَرَاحَ يَحْكِي لَهَا حِكَايَتَهُ كُلَّهَا. أَطْرَقَتِ الثَّعْلَبَةُ بِرَأْسِهَا، ثُمَّ قَالَتْ فِي نَفْسِهَا: مَهْلًا.. مَهْلًا! أَلَا تَسْتَطِيعِينَ أَيَّتُهَا الثَّعْلَبَةُ أَنْ تَجْعَلِي مِنْ هَذِهِ الفُرْصَةِ الَّتِي سَنَحَتْ لَكِ، مِيزَةً تَسْتَفِيدِينَ مِنْهَا؟ فَالقِطُّ مِشْمِشٌ حَيَوَانٌ جَدِيدٌ بِالنِّسْبَةِ لِحَيَوَانَاتِ الغَابَةِ، لَمْ تَرَ مِثْلَهُ مِنْ قَبْلُ، وَلَمْ تَسْمَعْ عَنْهُ شَيْئًا. فَيُمْكِنُ أَنْ أَسْتَعْمِلَهُ كَوَسِيلَةٍ لِتَخْوِيفِهَا مِنْهُ.
قَالَتِ الثَّعْلَبَةُ بَعْدَ أَنْ أَعْجَبَتْهَا الفِكْرَةُ: اسْتَمِعْ إِلَيَّ جَيِّدًا أَيُّهَا القِطُّ مِشْمِشٌ.. أَنْتَ الآنَ صَدِيقِي وَأَنَا آسِفَةٌ لِكُلِّ مَا حَدَثَ لَكَ، وَسَوْفَ أُسَاعِدُكَ.. تَعَالَ عِشْ مَعِي وَلَا تَتَوَقَّعْ أَنْ تَجِدَ عِنْدِي الكَثِيرَ الَّذِي تَطْلُبُهُ، وَلَكِنْ مَرْحَبًا بِكَ فِي حُدُودِ القَلِيلِ الَّذِي أَمْلِكُهُ. قَالَ القِطُّ مِشْمِشٌ: شُكْرًا لَكِ لِعَطْفِكِ الكَرِيمِ عَلَيَّ، وَأَنَا أَقْبَلُ دَعْوَتَكِ لِي. قَالَتِ الثَّعْلَبَةُ: هَيَّا بِنَا إِذَنْ!
وَأَخَذَتْهُ إِلَى جُحْرِهَا وَرَاحَتْ تَحْفِرُ بِمَخَالِبِهَا لِتُوَسِّعَ جُحْرَهَا فَجَعَلَتْهُ عَلَى هَيْئَةِ قِمْعٍ، حَتَّى يَبْدُو الجُحْرُ مُخِيفًا، ثُمَّ طَلَبَتْ مِنَ القِطِّ أَنْ يَرْقُدَ دَاخِلَ الجُحْرِ وَيَسْتَرِيحَ. ثُمَّ انْطَلَقَتْ تُنَادِي حَيَوَانَاتِ الغَابَةِ، وَقَالَتْ لَهَا: إِنِّي أَحْمِلُ لَكُمْ رِسَالَةً هَامَّةً. فَتَجَمَّعَتْ حَيَوَانَاتُ الغَابَةِ كَبِيرُهَا وَصَغِيرُهَا، لِتَسْمَعَ الرِّسَالَةَ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الثَّعْلَبَةُ.
قَالَتِ الثَّعْلَبَةُ: هَلْ سَمِعْتُمْ أَيُّهَا الأَصْدِقَاءُ عَنِ الحَدَثِ المُثِيرِ الَّذِي حَدَثَ فِي غَابَتِنَا؟ فَقَدْ جَاءَ إِلَيْنَا حَاكِمٌ جَدِيدٌ أَكْثَرُ شَرَاسَةً وَعُنْفًا مِنْ كُلِّ حَاكِمٍ عَرَفْنَاهُ مِنْ قَبْلُ. إِنَّهُ القِطُّ مِشْمِشٌ، وَإِنَّ لَهُ وَجْهًا ذَا شَوَارِبَ طَوِيلَةٍ، وَلِسَانًا حَادًّا كَأَنَّهُ الإِبْرَةُ، وَعَيْنَيْنِ مُضِيئَتَيْنِ مُلْتَهِبَتَيْنِ، وَمَخَالِبَ كَأَسْنَانِ المِشْطِ، وَذَيْلًا طَوِيلًا كَذَيْلِ الأَفْعَى، وَعِنْدَمَا يَنَامُ يَغُطُّ فِي نَوْمِهِ كَحَيَوَانٍ كَسْلَانَ.. أَمَّا فِي يَقَظَتِهِ فَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ إِلَّا كَلِمَةً وَاحِدَةً لَا يَزَالُ يُرَدِّدُهَا هِيَ كَلِمَةُ أَكْثَرَ.. أَكْثَرَ.. أَكْثَرَ، مَهْمَا يَكُنْ نَوْعُ الهَدَايَا الَّتِي تُقَدَّمُ لَهُ. وَقَدْ طَرَدَنِي مِنْ مَنْزِلِي الَّذِي أَسْكُنُهُ أَيُّهَا الأَصْدِقَاءُ بَعْدَ أَنْ أَعْجَبَهُ، وَلَكِنَّنِي لَنْ أَحْزَنَ لِذَلِكَ وَلَنْ أَشْكُوَ. وَكُلُّ مَا أَفْعَلُ هُوَ أَنْ آخُذَ أَمْتِعَتِي وَأَشْيَائِي وَأَذْهَبَ إِلَى جِذْعِ شَجَرَةٍ أَوْ إِلَى أَيِّ جُحْرٍ. وَلَنْ يَتْرُكَنِي بَعْدُ لِحَالِي، فَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أَتَوَلَّى أَمْرَ غِذَائِهِ، وَهَذَا مَا لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُومَ بِهِ وَحْدِي، فَكُلُّ مَخْزُونِي مِنَ الغِذَاءِ التَهَمَهُ الحَاكِمُ فِي يَوْمِهِ الأَوَّلِ، وَلَمْ يَعُدْ عِنْدِي شَيْءٌ أُقَدِّمُهُ لَهُ الآنَ، وَلِذَلِكَ أَمَرَنِي أَنْ أَدْعُوَكُمْ جَمِيعًا لِاجْتِمَاعٍ، لِأُطْلِعَكُمْ عَلَى مَطَالِبِ الحَاكِمِ الجَدِيدِ.
وَقَدْ أَصْدَرَ أَوَامِرَهُ أَنْ يَتَوَلَّى الِاجْتِمَاعُ التَّرْتِيبَاتِ اللَّازِمَةَ لِتَوْفِيرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ، مِنَ اللَّحْمِ وَاللَّبَنِ بِكَمِّيَّاتٍ كَافِيَةٍ. هَذَا مَا كُلِّفْتُ أَنْ أُبْلِغَكُمْ إِيَّاهُ، وَأَنْتُمْ الآنَ تَعْرِفُونَ مَا هُوَ مَطْلُوبٌ مِنْكُمْ. وَلَكِنِ احْذَرُوا أَنْ يَغْضَبَ الحَاكِمُ الجَدِيدُ مِنَّا، وَإِلَّا فَالوَيْلُ لَنَا جَمِيعًا.
سَادَ الِاجْتِمَاعَ حَالَةٌ مِنَ الجَلَبَةِ وَالهِيَاجِ، وَرَاحَ الدُّبُّ يَنْشِبُ مَخَالِبَهُ فِي جِسْمِهِ مِنْ فَرْطِ الغَضَبِ، وَتَحَرَّكَتْ كُلُّ الحَيَوَانَاتِ مُتَّجِهَةً إِلَى بُيُوتِهَا، وَكُلٌّ مِنْهَا يُذَكِّرُ نَفْسَهُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَهُ إِلَى جُحْرِ الثَّعْلَبَةِ، فِي الوَقْتِ المُحَدَّدِ لِذَلِكَ. وَفِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي ذَهَبَتِ الحَيَوَانَاتُ كُلُّهَا إِلَى جُحْرِ الثَّعْلَبَةِ، وَوَضَعَتْ مَا كَانَتْ تَحْمِلُهُ مِنْ هَدَايَا، وَقَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الخَوْفُ وَالرَّهْبَةُ.
أَحْضَرَ الذِّئْبُ نِصْفَ خَرُوفٍ، وَأَحْضَرَ الدُّبُّ العَسَلَ الَّذِي سَطَا عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ النَّحْلِ، وَأَحْضَرَ ابْنُ عِرْسٍ بَطَّةً جَاهِزَةً مُعَدَّةً لِلطَّهْيِ بَعْدَ أَنْ نَتَفَ رِيشَهَا، وَأَحْضَرَتْ زَوْجُهُ بَعْضَ البَيْضِ، وَكَذَلِكَ أَحْضَرَ السِّنْجَابُ بَعْضَ الثِّمَارِ. وَهَكَذَا أَحْضَرَ كُلُّ حَيَوَانٍ مَا اسْتَطَاعَ، وَوَقَفَتِ الحَيَوَانَاتُ كُلُّهَا فِي صَفٍّ وَاحِدٍ لَا يَجْرُؤُ وَاحِدٌ مِنْهَا عَلَى الِاقْتِرَابِ مِنَ الجُحْرِ. وَنَظَرَتِ الثَّعْلَبَةُ مِنْ ثُقْبِ جُحْرِهَا، ثُمَّ أَخْرَجَتْ رَأْسَهَا وَهَمَسَتْ: مَا يَزَالُ حَاكِمُنَا نَائِمًا، وَلَا أَجْرُؤُ عَلَى إِيقَاظِهِ، فَلْنَنْتَظِرْ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ.
خَرَجَ الدُّبُّ فَجْأَةً مِنْ بَيْنِ صُفُوفِ الحَيَوَانَاتِ وَقَالَ: اسْمَعِي أَيَّتُهَا الأُخْتُ.. فَقَاطَعَتْهُ الثَّعْلَبَةُ وَقَالَتْ: لَا أَيُّهَا الدُّبُّ.. اسْمَحْ لِي أَنْ أَقُولَ لَكَ إِنَّنِي لَسْتُ أُخْتَكَ الآنَ، بَلْ أَنَا زَوْجَةُ الحَاكِمِ؛ فَقَدْ جَاءَنَا القِطُّ مِشْمِشٌ وَهُوَ أَعْزَبُ، بَيْنَمَا بَقِيتُ أَنَا كَمَا تَعْلَمُونَ جَمِيعًا أَرْمَلَةً مِسْكِينَةً لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ. وَأَخِيرًا تَفَضَّلَ عَلَيَّ القِطُّ مِشْمِشٌ وَطَلَبَ مِنِّي أَنْ أَتَزَوْجَهُ، وَلِذَلِكَ أَطْلُبُ مِنْكُمْ جَمِيعًا أَنْ تُخَاطِبُونِي مِنَ اليَوْمِ فَصَاعِدًا بِوَصْفِي زَوْجَةَ الحَاكِمِ.
تَبَادَلَتِ الحَيَوَانَاتُ نَظَرَاتِ الدَّهْشَةِ فِيمَا بَيْنَهَا، ثُمَّ هَزَّتْ أَكْتَافَهَا وَلَمْ تَنْبِسْ بِكَلِمَةٍ. وَبَعْدَ قَلِيلٍ خَرَجَتِ الثَّعْلَبَةُ مِنْ جُحْرِهَا، وَاسْتَدْعَتْ أَكْبَرَ الحَيَوَانَاتِ لِكَيْ تَتَقَدَّمَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ لِتُعْرِبَ عَنْ احْتِرَامِهَا وَوَلَائِهَا لِلْحَاكِمِ، وَلَكِنَّ الحَيَوَانَاتِ خَافَتْ وَلَمْ يَتَزَحْزَحْ أَيُّ حَيَوَانٍ مِنْ مَكَانِهِ، وَاكْتَفَى كُلٌّ مِنْهَا بِالنَّظَرِ إِلَى صَاحِبِهِ وَقَالَ: اذْهَبْ أَنْتَ أَوَّلًا.. هَيَّا تَقَدَّمْ.
وَأَخِيرًا تَمَّ الِاتِّفَاقُ فِيمَا بَيْنَهَا أَنْ يُقَدِّمَ الخِنْزِيرُ، فَاقْتَرَبَ الخِنْزِيرُ قَلِيلًا مِنَ الجُحْرِ وَحَاوَلَ أَنْ يُهَدِّئَ مِنْ صَوْتِهِ المُنْكَرِ المُزْعِجِ، فَصَاحَتْ زَوْجَةُ الحَاكِمِ فِي وَجْهِهِ وَحَذَّرَتْهُ بَعِيدًا وَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ سُلُوكَكَ هَذَا غَيْرُ مُهَذَّبٍ، وَبَعِيدٌ عَنِ اللَّيَاقَةِ. وَطَلَبَتِ الحَيَوَانَاتُ مِنَ الدُّبِّ أَنْ يَتَقَدَّمَ.
وَرَاحَ الدُّبُّ يَخْطُو نَحْوَ الجُحْرِ، وَلَكِنَّهُ تَجَمَّدَ فِي مَكَانِهِ عِنْدَمَا رَأَى مِنْ فَتْحَةِ الجُحْرِ المُظْلِمِ، عَيْنَيْنِ نَارِيَّتَيْنِ تَبْرُقَانِ، وَلَمَحَ وَجْهًا مُسْتَدِيرًا مُرْعِبًا ذَا شَوَارِبَ طَوِيلَةٍ، فَتَمْتَمَ الدُّبُّ بِكَلَامٍ مُبْهَمٍ، وَظَلَّ يَتَرَاجَعُ وَالفَرَائِصُ تَرْتَعِدُ. فَصَاحَتِ الثَّعْلَبَةُ: افْسَحُوا الطَّرِيقَ، فَسَيَخْرُجُ الحَاكِمُ إِلَيْنَا الآنَ. قَالَتْ ذَلِكَ فَقَفَزَتِ الحَيَوَانَاتُ مُبْتَعِدَةً، وَاخْتَبَأَ بَعْضُهَا فِي دَاخِلِ الأَشْجَارِ القَرِيبَةِ، وَبَعْضُهَا الآخَرُ خَلْفَ جُذُوعِ الأَشْجَارِ.
وَخَرَجَ القِطُّ مِشْمِشٌ يَمْشِي خُطُوَاتٍ بَطِيئَةً مُتَمَهِّلَةً، بَيْنَمَا هَمَسَتِ الثَّعْلَبَةُ فِي أُذُنِهِ بِأَنْ يَرْفَعَ ذَيْلَهُ إِلَى أَعْلَى بِقَدْرِ مَا يَسْتَطِيعُ. وَاتَّجَهَ القِطُّ مِشْمِشٌ إِلَى المَائِدَةِ الَّتِي أُعِدَّتْ لَهُ، وَرَاحَ يَتَنَاوَلُ الطَّعَامَ، وَيُدَمْدِمُ بِحُكْمِ العَادَةِ: أَكْثَرَ.. أَكْثَرَ.. أَكْثَرَ. وَرَاحَ فِي نَفْسِ الوَقْتِ يَنْظُرُ شَزْرًا إِلَى الذِّئْبِ الوَاقِفِ خَلْفَ إِحْدَى الأَشْجَارِ، يَرْقُبُ القِطَّ وَيَعْجَبُ كُلَّ العَجَبِ مِنْ هَذَا الحَاكِمِ الغَرِيبِ الَّذِي لَنْ يَصْمُدَ أَمَامَهُ دَقِيقَةً وَاحِدَةً لَوْ هَجَمَ عَلَيْهِ.
هَذَا وَبَيْنَمَا كَانَ القِطُّ مِشْمِشٌ مُنْهَمِكًا فِي تَنَاوُلِ الطَّعَامِ، رَاحَتِ الحَيَوَانَاتُ تَتَسَلَّلُ مُبْتَعِدَةً عَنِ المَكَانِ وَقَدْ أَصَابَهَا الذُّعْرُ، وَفِي دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ فَرَّتْ بِخُطُوَاتٍ سَرِيعَةٍ لَاهِثَةٍ، دُونَ أَنْ تُلْقِيَ خَلْفَهَا نَظْرَةً وَاحِدَةً إِلَى الغَابَةِ، حَيْثُ كَانَتِ الثَّعْلَبَةُ وَزَوْجُهَا مِشْمِشٌ يَتَجَوَّلَانِ هُنَا وَهُنَاكَ، وَحَيْثُ عَاشَا فِي هَنَاءٍ وَسَعَادَةٍ، يَصِيدَانِ مَا يَحْلُو لَهُمَا الصَّيْدُ. وَهَكَذَا اسْتَطَاعَتِ الثَّعْلَبَةُ بِمَكْرِهَا وَدَهَائِهَا أَنْ تُحَوِّلَ هَذَا القِطَّ عَدِيمَ الفَائِدَةِ، الَّذِي نَبَذَهُ صَاحِبُهُ، إِلَى مَصْدَرِ رُعْبٍ دَائِمٍ لِكُلِّ حَيَوَانَاتِ الغَابَةِ، حَتَّى إِنَّهَا فَرَّتْ جَمِيعًا خَوْفًا مِنْهُ.
