الحمارُ الغيرانُ

 الحمارُ الغيرانُ

الحمارُ الغيرانُ


كانَ العمُّ منصور فلاحاً طيبَ القلبِ، يعيشُ في قريةٍ صغيرةٍ جميلةٍ تحيطُ بها المزارعُ الخضراءُ من كلِّ جانبٍ. وكانَ العمُّ منصور يحبُّ حيواناتِهِ كثيراً، فقد كانَ يقتني بقرةً نشيطةً وحماراً صبوراً وكلباً وفياً وقطةً أليفةً.

كانتِ البقرةُ تقومُ بعملٍ شاقٍّ كلَّ يومٍ، حيثُ كانت تدورُ حولَ الساقيةِ لتخرجَ الماءَ وتروي الزرعَ، كما كانَ العمُّ منصور يحلبُها ليحصلَ على لبنِها الطازجِ الذي يصنعُ منهُ الجبنَ اللذيذَ والزبدَ الشهيَّ. أما الحمارُ، فكانَ العمُّ منصور يركبُهُ ليذهبَ بهِ إلى السوقِ البعيدِ، وهناك يشتري كلَّ ما يحتاجُهُ من بضائعَ ويضعُها فوقَ ظهرِ الحمارِ القويِّ. وعندما يعودانِ إلى الدارِ، كانَ العمُّ منصور يُكافئُ حمارَهُ ويقدمُ لهُ البرسيمَ الأخضرَ والتبنَ والشعيرَ حتى يشبعَ.

وعلى الرغمِ من العملِ، كانَ العمُّ منصور يخصصُ وقتاً ليداعبَ كلبَهُ وقطتَهُ ويطعمَهُما بيدهِ. فالكلبُ الوفيُّ كانَ يحرسُ الدارَ بجدٍّ، ويحمي الماشيةَ من ذئابِ الغابةِ واللصوصِ، وكانَ يتبعُ صاحبهُ في كلِّ مكانٍ، وعندما يجلسُ العمُّ منصور، يقفزُ الكلبُ فوقَ ركبتيهِ ويهزُّ ذيلَهُ فرحاً، فيمسحُ العمُّ منصور على رأسِهِ بحنانٍ. أما القطةُ، فكانت قطةً نظيفةً جداً، تمضي وقتَها في لحسِ فروِها بلسانِها لتنظيفِهِ. وكانت تحمي مخزنَ الغلالِ من الفئرانِ المشاكسةِ والحشراتِ الضارةِ التي قد تأكلُ المحصولَ. وبسببِ نظافتِها وجمالِها، كانَ العمُّ منصور يحبُّها كثيراً ويسمحُ لها أحياناً بأن تنامَ على كتفِهِ.

وفي أحدِ الأيامِ، بينما كانَ الحمارُ والبقرةُ يستريحانِ داخلَ الإسطبلِ، لاحظتِ البقرةُ أنَّ الحمارَ يبدو حزيناً ومكتئباً، فسألتْهُ: "ما بالُكَ يا صديقي الحمار؟ لماذا تبدو مهموماً وكأنَّ في قلبِكَ غصة؟". تنهدَ الحمارُ وقالَ لها بغيرةٍ واضحةٍ: "إنَّ العمَّ منصوراً يحبُّ الكلبَ والقطةَ أكثرَ مِنا بكثيرٍ! نحنُ نتعبُ ونعملُ طوالَ النهارِ، أما هما فلا يفعلانِ شيئاً سوى التدللِ والجلوسِ على ركبتيهِ وكتفِهِ".

ضحكتِ البقرةُ من كلامِ الحمارِ وقالت لهُ: "يا صديقي، هل تريدُ حقاً أن يدللَكَ العمُّ منصور كما يدللُ كلبَهُ الصغير؟ هل تريدُ أن تجلسَ على ركبتيهِ وأنتَ بهذا الحجمِ الكبيرِ الذي يفوقُ حجمَ العمِّ منصور نفسِهِ؟". لكنَّ الحمارَ صممَ على رأسهِ وقالَ: "سأثبتُ لكِ أنني أستطيعُ أن أجعلَهُ يدللُني كما يفعلُ معَ كلبِهِ تماماً".

وفي غفلةٍ من الجميعِ، دخلَ الحمارُ إلى بيتِ صاحبهِ وهو يركضُ ويرفسُ بحوافرِهِ بقوةٍ ودونَ مبالاةٍ. كانَ العمُّ منصور يجلسُ هادئاً على كرسيِّهِ، وبجانبهِ منضدةٌ عليها كوبٌ من الشاي الساخنِ. وبدلاً من أن يتصرفَ الحمارُ بهدوءٍ، أرادَ أن يقلدَ الكلبَ ويتوددَ لصاحبهِ، فقفزَ بكلِّ ثقلِهِ فوقَ ظهرِ العمِّ منصور.

فزعَ العمُّ منصور من هذا التصرفِ المفاجئِ، واختلَّ توازنُهُ فرجعَ بالكرسيِّ إلى الخلفِ وكادَ يسقطُ على الأرضِ، وانقلبتِ المنضدةُ وتحطمَ كوبُ الشاي وسالَ على السجادِ. وعندما رأى الخدمُ ما فعلهُ الحمارُ وظنوا أنَّ هناكَ خطراً يهددُ صاحبَهم، ركضوا بسرعةٍ وأنقذوا العمَّ منصور، ثمَّ ساقوا الحمارَ الغبيَّ إلى الإسطبلِ وهُم يضربونَهُ بالعصيِّ ويوبخونَهُ بشدةٍ حتى كادَ يهلكُ من كثرةِ الضربِ.

عنئذٍ ضحكتِ البقرةُ مرةً أخرى وقالت للحمارِ وهو يتألمُ: "لقد جنيتَ على نفسِكَ يا صديقي! لو أنكَ قنعتَ بعملِكَ وقدرِكَ، لما حدثَ لكَ كلُّ هذا. فالحياةُ ليستْ تدللاً فقط، ولكلِّ حيوانٍ دورٌ يناسبُ حجمَهُ وطبيعتَهُ".

إرسال تعليق

أحدث أقدم