الْفَأرُ الرَّحَالَةُ

 الْفَأرُ الرَّحَالَةُ

الْفَأرُ الرَّحَالَةُ

يُحْكَى أَنَّ فَأرًا صَغِيرًا كَانَ يَعِيشُ فِي إحْدَى مَحَطَّاتِ السِّكَكِ الحَدِيدِيَّةِ البَعِيدَةِ، فِي قَرْيَةٍ هَادِئَةٍ مِنَ القُرَى. كَانَ هَذَا الفَأْرُ يَقْضِي أَيَّامَهُ رَاضِيًا سَعِيدًا بِحَيَاتِهِ البَسِيطَةِ. فَهُوَ يُرَاقِبُ المُسَافِرِينَ وَهُمْ يَأْتُونَ وَيَذْهَبُونَ، وَيَنْتَظِرُ رَحِيلَهُمْ لِيَسْتَوْلِيَ عَلَى بَقَايَا طَعَامِهِمُ الشَّهِيِّ الَّتِي يَتْرُكُونَهَا خَلْفَهُمْ. وَأَحْيَانًا، كَانَتْ تَبْقَى بَعْضُ حَاوِيَاتِ الغِلَالِ فِي المَحَطَّةِ لِفَتْرَةٍ قَبْلَ نَقْلِهَا، فَيَتَسَلَّلُ إلَيْهَا الفَأْرُ بِذَكَاءٍ وَيَأْخُذُ مِنْهَا مَا يَطِيبُ لَهُ مِنَ الحُبُوبِ. وَلَمْ تكنْ وَجَبَاتُهُ هِيَ المُتْعَةُ الوَحِيدَةُ، بَلْ كَانَ يَسْتَمْتِعُ كَثِيرًا بِالِاسْتِمَاعِ إلَى أَحَادِيثِ النَّاسِ الَّذِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنِ الكَلَامِ وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ القِطَارَاتِ.

رَغْمَ هَذِهِ الحَيَاةِ المُسْتَقِرَّةِ، كَانَ الفَأْرُ الصَّغِيرُ طَمُوحًا لِلغَايَةِ، وَكَانَ يَحْلُمُ بِشَيْءٍ كَبِيرٍ يَفُوقُ حُدُودَ قَرْيَتِهِ؛ لَقَدْ كَانَ يُرِيدُ السَّفَرَ إلَى العَاصِمَةِ. لَقَدْ سَمِعَ النَّاسَ يَتَحَدَّثُونَ عَنْهَا بِإِعْجَابٍ شَدِيدٍ، وَرَآهُمْ يُرْسِلُونَ إلَيْهَا الطُّرُودَ وَالخِطَابَاتِ، بَلْ وَلَاحَظَ أَنَّهُمْ يَرْتَدُونَ أَجْمَلَ ثِيَابِهِمْ وَأَنْقَاهَا عِنْدَمَا يَهُمُّونَ بِالذَّهَابِ إلَيْهَا. كَانَ الفَأْرُ عَلَى ثِقَةٍ تَامَّةٍ بِأَنَّ العَاصِمَةَ مَكَانٌ رَائِعٌ لَا مَثِيلَ لَهُ. وَشَعَرَ فِي دَاخِلِهِ أَنَّهُ سَيَتَحَوَّلُ إلَى فَأْرٍ آخَرَ، بَلْ سَيُصْبِحُ فَأرًا مُهِمًّا وَعَالِيَ الشَّأْنِ بِمُجَرَّدِ وُصُولِهِ هُنَاكَ، وَلَنْ يَبْقَى مُجَرَّدَ فَأْرٍ رِيفِيٍّ بَسِيطٍ لَمْ يُغَادِرْ مَوْطِنَهُ الأَصْلِيَّ أَبَدًا.

وَفِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، شَعَرَ الفَأْرُ بِشَجَاعَةٍ وَجَسَارَةٍ غَيْرِ مَسْبُوقَةٍ، فَقَرَّرَ أَنْ يَرْكَبَ القِطَارَ الوَاقِفَ فِي المَحَطَّةِ. كَانَ يَعْرِفُ جَيِّدًا أَنَّ هَذَا القِطَارَ سَيَأْخُذُهُ إلَى العَاصِمَةِ بِنَاءً عَلَى مُرَاقَبَتِهِ لِلْمُسَافِرِينَ طِوَالَ الأَيَّامِ المَاضِيَةِ. تَسَلَّلَ بِهُدُوءٍ وَجَلَسَ فِي صَمْتٍ تَحْتَ أَحَدِ المَقَاعِدِ، وَبَيْنَمَا كَانَ القِطَارُ يَنْطَلِقُ مُسْرِعًا فَوْقَ القُضْبَانِ، كَانَ قَلْبُ الفَأْرِ يَدُقُّ بِقُوَّةٍ، وَكَانَ يَتَخَيَّلُ صَوْتَ القِطَارِ وَكَأَنَّهُ يُغَنِّي: "أَنَا ذَاهِبٌ إلَى العَاصِمَةِ، أَنَا ذَاهِبٌ إلَى العَاصِمَةِ".

وَعِنْدَمَا تَوَقَّفَ القِطَارُ أَخِيرًا، نَزَلَ الجَمِيعُ وَتَسَلَّلَ الفَأْرُ خَارِجًا، وَيَا لَهَا مِن مفاجأة! لَقَدْ دُهِشَ الفَأْرُ مِنْ ضَخَامَةِ مَحَطَّةِ العَاصِمَةِ وَكَثْرَةِ أَبْوَابِهَا وَازْدِحَامِهَا الشَّدِيدِ الَّذِي لَمْ يَرَ مِثْلَهُ قَطُّ. شَعَرَ بِالِارْتِبَاكِ قَلِيلًا وَلَمْ يَعْرِفْ إلَى أَيْنَ يَتَّجِهُ، فَانْتَظَرَ حَتَّى حَلَّ الظَّلَامُ لِيَخْرُجَ وَيَسْتَكْشِفَ المَدِينَةَ. رَأَى الأَضْوَاءَ البَاهِرَةَ، وَالمَتَاجِرَ الجَمِيلَةَ، وَالعِمَارَاتِ الشَّاهِقَةَ، وَالنَّاسَ بِأَزْيَائِهِمُ الفَاخِرَةِ.

لَكِنَّ الفَرْحَةَ لَمْ تَدُمْ طَوِيلًا، فَقَدْ ظَهَرَتْ فَجْأَةً مَجْمُوعَةٌ مِنَ القِطَطِ السِّمَانِ الضَّخْمَةِ، وَكَانَتْ تَخْتَلِفُ تَمَامًا فِي شَكْلِهَا وَحَجْمِهَا عَنْ قِطَطِ القَرْيَةِ الَّتِي يَعْرِفُهَا. بَدَتْ هَذِهِ القِطَطُ قَاسِيَةً، وَشَعَرَ الفَأْرُ أَنَّهَا لَا تَعْرِفُ المِزَاحَ أَوِ التَّسَامُحَ مِثْلَ قِطَطِ الرِّيفِ. تَغَيَّرَ حَالُ الفَأْرِ تَمَامًا، وَتَمَلَّكَهُ الخَوْفُ مِنْ تِلْكَ "النُّمُورِ الصَّغِيرَةِ"، فَقَرَّرَ عَلَى الفَوْرِ التَّخَلِّيَ عَنْ فِكْرَةِ البَقَاءِ فِي العَاصِمَةِ. هَمَسَ لِنَفْسِهِ بِأَنَّ الحَيَاةَ بَيْنَ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ فِي القَرْيَةِ أَجْمَلُ وَأَكْثَرُ أَمَانًا.

عَادَ الفَأْرُ مُسْرِعًا إلَى مَحَطَّةِ السِّكَّةِ الحَدِيدِيَّةِ، وَعِنْدَمَا رَأَى فَلَّاحًا مِنْ قَرْيَتِهِ يَهُمُّ بِرُكُوبِ القِطَارِ، تَبِعَهُ وَاخْتَبَأَ تَحْتَ مَقْعَدِهِ. كَانَتِ الثَّوَانِي تَمُرُّ عَلَيْهِ كَأَنَّهَا سَاعَاتٌ طَوِيلَةٌ مِنْ شِدَّةِ القَلَقِ، وَكَانَ يَلْتَفِتُ حَوْلَهُ بِحَذَرٍ خَوْفًا مِنْ أَيِّ قِطَّةٍ غَرِيبَةٍ. وَبِمُجَرَّدِ وُصُولِهِ إلَى القَرْيَةِ، كَانَ أَوَّلَ النَّازِلِينَ، وَرَكَضَ إلَى مَكَانِهِ القَدِيمِ. عِنْدَمَا رَآهُ أَصْدِقَاؤُهُ الفِئْرَانُ، أَخْفَى مَشَاعِرَ الخَوْفِ وَرَسَمَ ابْتِسَامَةً عَرِيضَةً، وَبَدَأَ يَقُصُّ عَلَيْهِمْ بَطُولَاتٍ وَمُغَامَرَاتٍ خَيَالِيَّةً عَمَّا رَآهُ فِي العَاصِمَةِ.

لَقَدْ ظَلَّ الفَأْرُ لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ يَفْخَرُ بِتِلْكَ الرِّحْلَةِ، وَأَطْلَقَتْ عَلَيْهِ الفِئْرَانُ لَقَبَ "الرَّحَّالَةِ العَظِيمِ". وَرَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ مِنَ العَاصِمَةِ سِوَى شَارِعٍ وَاحِدٍ وَأَمْضَى مُعْظَمَ وَقْتِهِ مُخْتَبِئًا فِي رُعْبٍ، إلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ الجَمِيعَ أَنَّ سَبَبَ عَوْدَتِهِ هُوَ أَنَّ العَاصِمَةَ كَبِيرَةٌ جِدًّا وَقَدْ تَبْتَلِعُ مَنْ لَهُ قَلْبٌ مَلِيءٌ بِالحَنِينِ مِثْلَهُ، مُؤَكِّدًا أَنَّ العَاصِمَةَ تَحْتَاجُ إلَى فَئْرَانٍ بِلَا مَشَاعِرَ، وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم