الْقَانُونُ الْجَدِيدُ
فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ الْجَمِيلَةِ، خَرَجَ دِيكٌ نَشِيطٌ مِنَ الدِّكَةِ الَّتِي يَنَامُ فِيهَا. بَدَأَ الدِّيكُ يَمْشِي بَيْنَ الْأَعْشَابِ وَيَبْحَثُ عَنْ حَبَّاتِ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ لِيَأْكُلَهَا فِي جُرْنٍ هَادِئٍ قَرِيبٍ مِنَ الْبَيْتِ فِي تِلْكَ الْقَرْيَةِ الْخَضْرَاءِ. وَبَيْنَمَا كَانَ الدِّيكُ مَشْغُولاً بِالْتِقَاطِ الطَّعَامِ، رَآهُ ثَعْلَبٌ جَائِعٌ كَانَ يَتَرَبَّصُ بِهِ مِنْ بَعِيدٍ.أَسْرَعَ الثَّعْلَبُ نَحْوَ الدِّيكِ، فَمَا إِنْ شَعَرَ الدِّيكُ بِخَطَرِهِ حَتَّى خَافَ خَوْفاً شَدِيداً، وَهَرَبَ بِأَقْصَى سُرْعَتِهِ. وَلَمْ يَجِدْ مَكَاناً آمِناً يَحْمِيهِ إِلَّا شَجَرَةً عَالِيَةً كَانَتْ تَقِفُ بِالْقُرْبِ مِنَ الْجُرْنِ، فَصَعِدَ إِلَى أَعْلَى أَغْصَانِهَا. وَقَفَ الثَّعْلَبُ عِنْدَ أَسْفَلِ الشَّجَرَةِ، وَنَظَرَ إِلَى الْأَعْلَى وَقَالَ بِمَكْرٍ: "أَيُّهَا الدِّيكُ الْجَمِيلُ! إِنَّ صَوْتَكَ عَذَبٌ رَقِيقٌ، وَصِيَاحَكَ يُعْجِبُنِي جِدّاً، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَكَ وَأَنْتَ قَرِيبٌ مِنِّي. أَرْجُوكَ انْزِلْ مِنْ أَعْلَى الشَّجَرَةِ وَتَعَالَ إِلَى جَانِبِي، لِأَسْتَمْتِعَ بِصَوْتِكَ الرَّائِعِ وَأَفْرَحَ بِكَلَامِكَ الْحُلْوِ".
رَدَّ الدِّيكُ الذَّكِيُّ وَهُوَ يَنْظُرُ مِنَ الْأَعْلَى: "أَيُّهَا الثَّعْلَبُ الْمَاكِرُ، كَيْفَ لِي أَنْ أُصَدِّقَ كَلَامَكَ وَأَنْتَ عَدُوُّ الدَّجَاجِ الْمَعْرُوفُ؟ وَكَيْفَ آمَنُ عَلَى حَيَاتِي وَأَنْتَ تَبْحَثُ دَائِماً عَنْ صَيْدِ الدَّجَاجِ لِتَأْكُلَهُ؟".
ابْتَسَمَ الثَّعْلَبُ وَادَّعَى الْبَرَاءَةَ قَائِلاً: "مَاذَا تَقُولُ يَا صَدِيقِي؟ أَلَمْ تَسْمَعْ بِالْآخِبَارِ السَّعِيدَةِ وَبِالْقَانُونِ الْجَدِيدِ؟ لَقَدْ قَرَّرَ السَّبُعُ، وَهُوَ مَلِكُ الْغَابَةِ وَسَيِّدُ الْحَيَوَانَاتِ، وَضْعَ قَانُونٍ عَظِيمٍ يُزِيلُ الْخِلَافَاتِ وَالْعَدَاوَةَ بَيْنَ الْجَمِيعِ. هَذَا الْقَانُونُ يَنْشُرُ الْمَحَبَّةَ، فَأَصْبَحَ الذِّئْبُ يُصَاحِبُ النَّعْجَةَ، وَالْخَرُوفُ يَمْشِي مَعَ الذِّئْبِ، وَالْقِطُّ يَلْعَبُ مَعَ الْفَارَةِ فِي أَمَانٍ، بَلْ وَحَتَّى الثَّعْلَبُ يَتَحَدَّثُ مَعَ الدَّجَاجَةِ دُونَ خَوْفٍ. الْآنَ يُمْكِنُ لِكُلِّ حَيَوَانٍ أَنْ يَعِيشَ مُطْمَئِنّاً عَلَى نَفْسِهِ وَلَا يَخَافَ مِنْ أَحَدٍ".
فَهِمَ الدِّيكُ أَنَّ الثَّعْلَبَ يَكْذِبُ لِيُوقِعَ بِهِ، فَقَرَّرَ أَنْ يَخْدَعَهُ بِنَفْسِ طَرِيقَتِهِ، فَقَالَ: "اَلْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالشُّكُرُ لِلَّهِ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ! لَقَدْ ذَهَبَ الْخَوْفُ فِعْلاً. وَبِمَا أَنَّ الْأَمَانَ قَدْ سَادَ، فَإِنِّي أَرَى مَجْمُوعَةً مِنَ الْكِلَابِ الْقَوِيَّةِ آتِيَةً مِنْ بَعِيدٍ، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ تَبْقَى مَكَانَكَ لِتُقَابِلَهَا وَتَلْعَبَ مَعَهَا، فَتَطْمَئِنَّ عَلَى نَفْسِكَ وَتَكُونَ آمِناً مَعَهَا بِفَضْلِ الْقَانُونِ".
مَا إِنْ سَمِعَ الثَّعْلَبُ ذِكْرَ الْكِلَابِ حَتَّى ارْتَجَفَ جَسَدُهُ مِنَ الرُّعْبِ، وَأَخَذَ يَجْرِي بِسُرْعَةٍ لِيَهْرُبَ. نَادَاهُ الدِّيكُ وَهُوَ يَضْحَكُ: "لِمَاذَا تَخَافُ مِنَ الْكِلَابِ وَتَهْرُبُ مِنْهَا؟ أَلَيْسَ الْقَانُونُ الْجَدِيدُ يَضْمَنُ لَكَ السَّلَامَةَ وَالْأَمَانَ؟". صَرَخَ الثَّعْلَبُ وَهُوَ يَبْتَعِدُ مُسْرِعاً: "إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْكِلَابُ لَمْ تَقْرَأْ بَعْدُ هَذَا الْقَانُونَ الْجَدِيدَ!".