ليْسَ الْوَقْتُ وَقْتَ الْكَلَامِ
فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ الْمُشْمِسَةِ، كَانَ هُنَاكَ ثَعْلَبٌ مَكَّارٌ يَتَجَوَّلُ فِي الْغَابَةِ بَحْثاً عَنْ طَعَامٍ، وَبَيْنَمَا كَانَ يَمْشِي وَلَا يَنْتَبِهُ لِقَدَمَيْهِ، وَقَعَ فَجْأَةً فِي بِئْرٍ عَمِيقَةٍ جِدّاً كَانَتْ مَمْلُوءَةً بِالْمَاءِ الْبَارِدِ. حَاوَلَ الثَّعْلَبُ كَثِيراً أَنْ يَخْرُجَ وَيَتَسَلَّقَ جُدْرَانَ الْبِئْرِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ لِأَنَّ الْجُدْرَانَ كَانَتْ مَلْسَاءَ وَالْبِئْرَ كَانَتْ عَمِيقَةً لِلْغَايَةِ. شَعَرَ الثَّعْلَبُ بِخَوْفٍ شَدِيدٍ عِنْدَمَا أَحَسَّ أَنَّهُ سَيَغْرَقُ، فَأَخَذَ يَصِيحُ وَيَصْرُخُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ طَالِباً النَّجْدَةَ قَائِلاً: "اَلسَّاعِدَةَ! اَلْمُسَاعَدَةَ! اَلْمَعُونَةَ! اَلْمَعُونَةَ!".
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، كَانَ هُنَاكَ ذِئْبٌ يَمُرُّ بِالْقُرْبِ مِنَ الْمَكَانِ، فَسَمِعَ صِيَاحَ الثَّعْلَبِ وَصَرَخَاتِهِ الْمُتَكَرِّرَةَ. أَقْبَلَ الذِّئْبُ مُسْرِعاً نَحْوَ مَصْدَرِ الصَّوْتِ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى حَافَةِ الْبِئْرِ وَنَظَرَ إِلَى الْأَسْفَلِ لِيَعْرِفَ مَاذَا حَدَثَ. عِنْدَمَا رَآهُ الثَّعْلَبُ، فَرِحَ كَثِيراً وَنَادَاهُ بِتَوَسُّلٍ: "أَغِثْنِي يَا صَدِيقِي! أَرْجُوكَ أَنْفِذْنِي مِنْ هَذِهِ الْبِئْرِ قَبْلَ أَنْ يَغْلِبَنِي التَّعَبُ وَأَغْرَقَ فِي هَذَا الْمَاءِ".
لَكِنَّ الذِّئْبَ، بَدَلَ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ أَوْ يَبْحَثَ عَنْ حَبْلٍ، بَدَأَ يَتَكَلَّمُ بِبُطْءٍ وَقَالَ: "يُؤْلِمُنِي كُلَّ الْآلَمِ، وَيَحْزَنُ قَلْبِي يَا أَخِي الثَّعْلَبَ أَنْ أَرَاكَ فِي هَذِهِ الْمُصِيبَةِ الْكَبِيرَةِ. لَكِنْ قُلْ لِي يَا أَخِي الْعَزِيزَ، مَا الَّذِي أَوْقَعَكَ فِي هَذَا الْمَأْزَقِ؟ وَهَلْ مَضَى عَلَيْكَ وَقْتٌ طَوِيلٌ وَأَنْتَ تُقَاسِي الْآلَامَ وَتَشْكُو الْأَحْزَانَ وَحِيداً فِي قَاعِ هَذِهِ الْبِئْرِ؟. أَخْبِرْنِي أَيْضاً، هَلْ تَرَى أَنَّ هَذِهِ الْبِئْرَ عَمِيقَةٌ جِدّاً؟ وَهَلْ تَشْعُرُ بِبَرْدِ الْمَاءِ الشَّدِيدِ يَنْخُرُ عِظَامَكَ؟. وَمَتَى نَزَلْتَ هُنَا؟ وَكَيْفَ سَقَطْتَ؟ وَمَنْ ذَا الَّذِي قَالَ لَكَ أَنْ تَنْزِلَ إِلَى هَذَا الْمَكَانِ الْخَطِيرِ؟. أَجِبْنِي عَنْ أَسْئِلَتِي يَا أَخِي، فَأَنَا مُتَأَلِّمٌ جِدّاً لِحَالِكَ وَحَزِينٌ عَلَيْكَ".
كَانَ الثَّعْلَبُ يَصَارِعُ الْمَاءَ وَيَحَاوِلُ الْبَقَاءَ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ، فَرَدَّ عَلَى الذِّئْبِ بِغَضَبٍ وَنَفَادِ صَبْرٍ: "يَا هَذَا! أَنْفِذْنِي أَوَّلاً وَأَخْرِجْنِي مِنَ الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ غَرَقاً!. وَبَعْدَ أَنْ أَصِيرَ فِي أَمَانٍ عَلَى الْأَرْضِ، اسْأَلْنِي عَمَّا شِئْتَ وَكَمَا تُحِبُّ، فَلَيْسَ هَذَا الْوَقْتُ وَقْتَ الْكَلَامِ وَكَثْرَةِ الْأَسْئِلَةِ، وَلَكِنَّهُ وَقْتُ الْعَمَلِ السَّرِيعِ وَالْإِنْقَاذِ".
