السمكة الذكية

السَّمَكَةُ الذَّكِيَّةُ

السمكة الذكية

فِي مَجْرَى النَّهْرِ العَمِيقِ، وَفِي بُقْعَةٍ صَخْرِيَّةٍ صَعْبَةٍ حَيْثُ تَعْتَرِضُ الصُّخُورُ تَدَفُّقَ المِيَاهِ بِسُهُولَةٍ، فَتَمُرُّ المِيَاهُ مُخْتَنِقَةً بَيْنَ فَرْعَيْنِ ضَيِّقَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا يَنْعَطِفُ نَحْوَ اليَمِينِ وَالآخَرُ نَحْوَ اليَسَارِ. فِي ذَلِكَ المَكَانِ، اخْتَارَتْ سَمَكَةٌ كَبِيرَةٌ وَمُفْتَرِسَةٌ اسْمُهَا «مَلِكَةُ الأَنْهَارِ» مَقَرًّا لَهَا فِي الفَرْعِ اليَمِينِيِّ، حَيْثُ كَانَتْ تَمْكُثُ خَلْفَ إِحْدَى الصُّخُورِ الضَّخْمَةِ، تَرْقُبُ بِعَيْنَيْهَا البَرَّاقَتَيْنِ كُلَّ سَمَكَةٍ صَغِيرَةٍ تَمُرُّ، فَتَتَلَقَّفُهَا بِفَمِهَا الوَاسِعِ وَتَبْتَلِعُهَا فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ.

كَانَ مِنَ المُمْكِنِ لِلأَسْمَاكِ الصَّغِيرَةِ أَنْ تَنْجُوَ بِحَيَاتِهَا لَوْ تَجَنَّبَتْ ذَلِكَ الطَّرِيقَ، لَكِنَّ المُشْكِلَةَ كَانَتْ فِي الفَرْعِ الآخَرِ؛ فَعِنْدَ ذَلِكَ المُنْعَطَفِ الضَّيِّقِ جِهَةَ اليَسَارِ، كَانَتْ تَرْبِضُ سَمَكَةٌ عِمْلَاقَةٌ أُخْرَى تُدْعَى «سُلْطَانَةُ البِحَارِ»، قَدْ صَنَعَتْ لَهَا كَمِينًا مِنَ الحَشَائِشِ الكَثِيفَةِ لِتَصْطَادَ كُلَّ مَنْ يَمُرُّ بِجِوَارِهَا. وَهَكَذَا حُوصِرَتِ الأَسْمَاكُ الصَّغِيرَةُ بَيْنَ خَطَرَيْنِ، فَلَمْ تَعُدْ تَقْدِرُ عَلَى الوُصُولِ إِلَى مَجْرَى النَّهْرِ المُنْبَسِطِ الوَاسِعِ حَيْثُ تَعِيشُ بَقِيَّةُ الأَسْمَاكِ فِي أَمَانٍ.

عِنْدَمَا اشْتَدَّ البَلَاءُ وَضَاقَتِ الحَالُ بِتِلْكَ الأَسْمَاكِ الضَّعِيفَةِ، اجْتَمَعَتْ لِتَتَشَاوَرَ فِيمَا بَيْنَهَا لِلْبَحْثِ عَنْ مَخْرَجٍ، وَاتَّجَهَتْ أَنْظَارُهُمَا جَمِيعًا نَحْوَ زَعِيمِهِمْ الَّذِي كَانَ أَقْوَاهَا جِسْمًا وَأَكْثَرَهَا ذَكَاءً وَحِكْمَةً. قَالَ الزَّعِيمُ بِهُدُوءٍ: «يَا رِفَاقِي، لَيْسَ أَمَامَنَا إِلَّا الِانْتِظَارُ، فَأَنَا أَعْرِفُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ السَّمَكَتَيْنِ الكَبِيرَتَيْنِ تَكْرَهُ الأُخْرَى وَتَتَحَيَّنُ الفُرْصَةَ لِافْتِرَاسِهَا». لَكِنَّ الأَسْمَاكِ صَرَخَتْ بِيَأْسٍ: «وَإِلَى مَتَى نَنْتَظِرُ؟ سَنَمُوتُ جَمِيعًا قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ مَعْرَكَتُهُمَا!».

أَطْرَقَ الزَّعِيمُ مُفَكِّرًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَدْ لَمَعَتْ فِي عَيْنَيْهِ فِكْرَةٌ بَارِعَةٌ، وَقَالَ: «إِنَّ السَّلَامَ لَا يُنَالُ إِلَّا بِالحَرْبِ، وَالحَرْبُ خِدْعَةٌ. سَنُوَاجِهُهُمَا بِالسِّلَاحِ الَّذِي تَمْلِكَانِهِ، وَلَنْ نَخْسَرَ فِي هَذِهِ المَعْرَكَةِ إِلَّا فَرْدًا وَاحِدًا يُضَحِّي بِنَفْسِهِ لِيُنْقِذَ الجَمِيعَ، فَمَنْ مِنْكُمْ يَتَقَدَّمُ لِهَذَا المَجْدِ؟». خَيَّمَ الصَّمْتُ عَلَى الجَمِيعِ مِنَ الخَوْفِ، حَتَّى صَاحَتْ سَمَكَةٌ جَرِيئَةٌ: «أَنْتَ وَحْدَكَ يَا زَعِيمَنَا مَنْ يَسْتَحِقُّ هَذَا المَجْدَ!». لَمْ يَتَرَدَّدِ الزَّعِيمُ، فَقَدْ مَلَأَتْ رُوحُ القِيَادَةِ قَلْبَهُ، وَقَرَّرَ أَنْ يَبْدَأَ تَنْفِيذَ خُطَّتِهِ فَوْرًا.

أَمَرَ الزَّعِيمُ جَمِيعَ الأَسْمَاكِ بِالِاحْتِشَادِ عِنْدَ ضِفَّتَيِ النَّهْرِ وَتَرْكِ مَمَرٍّ وَاسِعٍ فِي الوَسَطِ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى «مَلِكَةِ الأَنْهَارِ» وَقَالَ لَهَا: «أَيَّتُهَا المَلِكَةُ الجَبَّارَةُ، أَنَا سَفِيرٌ إِلَيْكِ مِنْ (سُلْطَانَةِ البِحَارِ) تُحَذِّرُكِ فِيهِ مِنْ مُنَافَسَتِهَا فِي مُلْكِهَا!». اشْتَعَلَ الغَضَبُ فِي عَيْنَيِ المَلِكَةِ وَصَرَخَتْ: «مَنْ هَذِهِ الَّتِي تَتَحَدَّانِي؟ سَأَسْحَقُهَا!». ثُمَّ انْطَلَقَ الزَّعِيمُ مُسْرِعًا إِلَى «سُلْطَانَةِ البِحَارِ» وَنَقَلَ لَهَا كَلَامًا مُشَابِهًا، مُدَّعِيًا أَنَّ «مَلِكَةَ الأَنْهَارِ» تَنْوِي القَضَاءَ عَلَيْهَا وَالِاسْتِيلاءَ عَلَى مَكَانِهَا.

نَجَحَتِ الخِدْعَةُ، وَانْدَفَعَتِ السَّمَكَتَانِ العِمْلَاقَتَانِ نَحْوَ بَعْضِهِمَا بِكُلِّ قُوَّةٍ وَغَيْظٍ، وَقَدْ فَغَرَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَاهَا لِتَبْتَلِعَ الأُخْرَى. وَفِي وَسَطِ المَيْدَانِ الَّذِي أَخْلَتْهُ الأَسْمَاكُ الصَّغِيرَةُ، نَشِبَتْ مَعْرَكَةٌ هَائِلَةٌ، وَاصْطَدَمَتِ السَّمَكَتَانِ اصْطِدَامًا عَنِيفًا. فَتَحَتْ «سُلْطَانَةُ البِحَارِ» فَمَهَا عَلَى آخِرِهِ وَابْتَلَعَتْ جِسْمَ «مَلِكَةِ الأَنْهَارِ» الضَّخْمَ، لَكِنَّ المَفَاجَأَةَ كَانَتْ أَنَّ الجِسْمَ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ أَنْ يُمْضَغَ أَوْ يُبْلَعَ، وَلَمْ تَسْتَطِعْ أَيْضًا أَنْ تَلْفِظَهُ.

انْتَهَى الأَمْرُ بِمَوْتِ السَّمَكَتَيْنِ العِمْلَاقَتَيْنِ مَعًا؛ إِحْدَاهُمَا لَمْ تَعُدْ تَتَنَفَّسُ وَالأُخْرَى اخْتَنَقَتْ بِفَرِيسَتِهَا. وَهَكَذَا، بِفَضْلِ ذَكَاءِ الزَّعِيمِ وَحُسْنِ تَدْبِيرِهِ، تَحَرَّرَتِ الأَسْمَاكُ الصَّغِيرَةُ مِنَ الخَطَرِ وَعَاشَتْ فِي أَمَانٍ وَسَلَامٍ بَعْدَ أَنْ هَلَكَتِ العَدُوَّتَانِ مَعًا

إرسال تعليق

أحدث أقدم