الخوف: ليلة باردة
في إحدى ليالي الشتاء القارصة شديدة البرودة، اجتمعت الأسرة في المساء حول المدفأة يتبادلون أحاديث السمر الجميلة، وقد أعدت الأم للجميع مشروباً ساخناً لعل هذا المشروب والسترات الصوفية الثقيلة تزيد من شعورهم بالدفء في ذلك الجو البارد. كانت الأمطار في الخارج تهطل بشدة، والبرق يلمع فينير السماء فجأة، ويتبعه فوراً صوت الرعد العالي القوي. حينها، لمعت عينا الصغير "أمير" وبدأ يشعر بالانزعاج والتوتر من هذه الأصوات، وعندما لاحظ الأب ذلك اقترب منه بحنان وربت على كتفه مهدئاً إياه وقال له: "لا تخف يا أمير".
سألت ليلى والدها بفضول: "احكِ لنا يا أبي قصة تلك النباتات"، فأجاب الأب موضحاً أن الأمطار هي التي تسقي النباتات وتساعدها على النمو، وبدونها ستذبل النباتات وتموت. وأضاف الأب معلومة مدهشة عن الرعد، واصفاً إياه بتلك الشرارة في السماء التي تساعد على إنتاج مغذيات نيتروجينية خاصة في الهواء، تسقط مع قطرات المطر لتغذي الزرع، فلولا هذه المغذيات لضعف النبات ومات.
رغم ذلك، قال أمير لوالده: "ولكن يا أبي إن هطول الأمطار وصوت الرعد مع ضوء البرق يجعلاني أشعر بالخوف"، فرد الأب مبتسماً: "حسناً يا أمير، هل تعرف يا عزيزي أن هناك نباتات صغيرة مثلك تماماً تنتظر تلك الأمطار وذلك البرق، وتستقبلهما في سعادة كبيرة؟". تعجب أمير وقال إنه لم يكن يعرف كل هذه الفوائد الكبيرة للرعد والأمطار. وهنا تدخلت الأم قائلة بحكمة: "لم يخلق الله شيئاً ليخيفنا به يا صغاري، إن الخوف من إنتاج الإنسان الضعيف الذي لا يريد أن يرى الحقيقة". وتابعت الأم نصيحتها لأمير بألا يخاف من أي شيء، فدائماً هناك وجه منطقي وبسيط، وربما مشرق ومفيد خلف ما نخاف منه، ثم سأل الأب ابنه بمداعبة: "ترى هل أدركت النبتة الصغيرة الحقيقة ولم يدركها ابني الصغير؟".
سأل أمير والده مجدداً: "وماذا عن الظلام يا أبي؟ هل له فوائد أيضاً؟". وفي تلك اللحظة، اشتد هطول الأمطار مما تسبب في عطل بالكهرباء، فانطفأت الأضواء وساد الظلام في المكان، فصاحت ليلى واقتربت من أمها خائفة. حينها أشعل الأب شمعة صغيرة أزاحت الظلام من حولهم، وقال: "إن شمعة صغيرة تستطيع أن تهزم الظلام وتجعله يهرب بعيداً". نظرت الأم إلى الظلال المتكونة على الحائط وقررت أن تعلمهم شيئاً عن فوائد الظلام.
قالت الأم لصغارها: "عندما يعم الظلام وتضيئوا شمعة، فلا تجعلوا فرصة للمرح والسعادة تفوتكم". بدأ أمير وليلى ينظران إلى أمهما بترقب، فاقتربت الأم من الشمعة وابتسمت، ثم بدأت تحرك يديها وأصابعها أمام الضوء بطريقة معينة. وفجأة، بدأت تظهر على الحائط المقابل أشكال جميلة ومسلية من الظلال؛ فمرة تظهر بجعة رشيقة، ومرة قطة صغيرة، ومرة سلحفاة تسير ببطء، ومرة سمكة تبدو كأنها تسبح في الهواء.
انبهر الجميع بهذا العرض المدهش، وتعالت الضحكات والابتسامات في الغرفة، وقضى الجميع وقتاً ممتعاً للغاية رغم برودة الجو وانقطاع الكهرباء. وعندما عاد التيار الكهربائي أخيراً، ذهب الظلام بعيداً، وأخذ معه الخوف بلا رجعة.
