سوء الظن: اجعله بعيدًا عنك

  سوء الظن: اجعله بعيدًا عنك

سوء الظن: اجعله بعيدًا عنك


كان هناك طفل صغير يدعى أمير، يعيش مع أخته الكبرى ليلى في بيت يملؤه الدفء والمحبة. كانت ليلى تكبر أمير بثلاث سنوات، ورغم هذا الفارق البسيط، إلا أنهما كانا يمثلان نموذجًا رائعًا للصداقة الحقيقية؛ فكانا يستيقظان معًا، ويتناولان إفطارهما، ثم ينطلقان بابتسامة نحو المدرسة، وفي المساء يتشاركان اللعب والمذاكرة وقصص اليوم الطويل.

وفي أحد الأيام، لاحظت ليلى أن وجه أمير الصغير لم يعد مشرقًا كعادته، فقد كان الصمت يغلفه، وعيناه تنظران إلى الأفق بحزن عميق. اقتربت منه ليلى بحنان وسألته عما يشغل باله، فتنهد أمير وقال: "يا ليلى، هناك زميل لي في الفصل يدعى مروان، أراه دائمًا متفوقًا في دروسه ومهذبًا جدًا في تعامله مع الجميع، وقد تمنيت من كل قلبي أن نصبح صديقين مقربين. كنت أشعر أن لديه الرغبة نفسها في مصادقتي، لكن هناك أمرًا غريبًا يحزنني".

سألته ليلى باهتمام: "وما هو هذا الأمر يا أخي؟"، فأجابها أمير بصوت منكسر: "في كل مرة أحاول فيها التقرب منه وأقدم له قطعة من الحلوى التي أحبها، يرفض استلامها بملامح يكسوها الحزن، ثم يتركني ويمضي وحيدًا دون كلمة واحدة. فهل أخطأت في حقه دون أن أشعر؟". حاولت ليلى تهدئته قائلة: "لا تحزن يا صغيري، فربما هو ببساطة لا يحب الحلويات، حاول معه مرة أخرى غدًا، فقد يتغير الأمر".

عندما حل الليل، استلقى أمير في فراشه، لكن النوم لم يجد طريقه إلى عينيه؛ فقد كان عقله مشغولًا بالتفكير في تصرف مروان. بدأت الأفكار السلبية تتسلل إلى رأسه، فحدث نفسه قائلًا: "ربما مروان مغرور أو أناني، أو ربما هو يرى نفسه أفضل مني ولا يريد التحدث إلي". وهكذا، سيطرت عليه الشكوك والظنون السيئة حتى غلبه النوم وهو يشعر بالضيق.

في الصباح التالي، وبينما كان الأخوان في طريقهما إلى المدرسة، كان أمير قد اتخذ قرارًا حاسمًا، فقال لأخته: "لقد قررت يا ليلى أنني لا أريد مصادقة مروان بعد الآن، فلن أحاول التقرب ممن يرفض هديتي". نظرت إليه ليلى بتعجب لكنها لم تعقب، وواصلا طريقهما بصمت.

دخل أمير الفصل وهو يشعر بالثقل في قلبه، وبقي طوال اليوم الدراسي حزينًا ومنزويًا. وفجأة، اقترب منه مروان بنفسه، وسأله بلطف: "لماذا أراك حزينًا وكئيبًا اليوم يا أمير؟". ذهل أمير من سؤاله ورد بتعجب: "وهل يهمك أمري حقًا يا مروان؟". أجاب مروان بصدق: "بالتأكيد، فأنا أراك طفلًا مهذبًا ومجتهدًا، وكنت أتمنى دائمًا أن نكون صديقين".

هنا، لم يستطع أمير كتمان ما في صدره وسأله مباشرة: "إذا كنت تريد صداقتي، فلماذا ترفض الحلوى التي أقدمها لك دائمًا؟". صمت مروان قليلًا، ثم نظر إلى الأرض وقال بصوت خافت: "يا أمير، أنا أحب الحلوى مثل كل الأطفال، وأتمنى لو أستطيع أكلها معكم، ولكنني مصاب بمرض يمنعني فيه الطبيب تمامًا من تناول السكريات؛ لأنها تسبب لي مشاكل صحية كبيرة". وتابع مروان وعيناه تلمعان: "لقد كنت أرفضها بمرارة لأنني لا أستطيع تناولها، لكنني أقدر جدًا محاولاتك لإسعادي، ومن اليوم سنكون أفضل أصدقاء".

عاد أمير إلى البيت والبهجة تغمر روحه، لكنه كان يشعر بالخجل من نفسه. قص لأخته ليلى ما حدث وهو يقول: "لقد شعرت بالحرج الشديد يا ليلى، فقد أسأت الظن بمروان وظننته متكبرًا، بينما كان يتألم لأنه لا يستطيع مشاركتنا ما نحب". ابتسمت ليلى وقالت له بحكمة: "يا أخي الصغير، هذه هي نتيجة التسرع في الحكم على الآخرين. فدائمًا هناك تفاصيل لا نراها، وسوء الظن يجعلنا نفقد أشخاصًا طيبين. احرص دائمًا على أن تبحث عن الأعذار لمن تحب، واجعل سوء الظن بعيدًا عنك دائمًا". ومنذ ذلك اليوم، تعاهد أمير ومروان على صدق الصداقة، وتعلم أمير درسًا لن ينساه أبدًا.


إرسال تعليق

أحدث أقدم