الغش في الامتحان
عاد أمير إلى بيته في ذلك اليوم، ولكن لم تكن مشيته المعتادة التي تملؤها الحيوية والنشاط موجودة؛ بل كان يجر خطاه ببطء، صامتاً وحائراً، وشارد الذهن وكأن جبالاً من التفكير تجلس فوق رأسه الصغير. لاحظ الجميع حالته الغريبة، فما إن رأت الأم صغيرها على هذا الحال حتى اقتربت منه بحنان الأمومة المعتاد، وربتت على كتفه قائلة: "ما لي أراك اليوم حائراً يا أمير؟! هل حدث مكروه؟". تردد أمير قليلاً، ونظر إلى الأرض مفكراً قبل أن يجيب بصوت خافت: "لا تقلقي يا أمي، إنني بخير، ولكن حدث اليوم في المدرسة شيء غريب حقاً، شيء لم أستطع فهمه أو إيجاد تفسير منطقي له".
ابتسمت الأم لتهدئة روعه وقالت: "وما هو هذا الشيء يا حبيبي؟ احكِ لي فربما تجد عند أمك تفسيراً لما يدور في خاطرك ويحيرك". تنفس أمير الصعداء وبدأ يحكي القصة من بدايتها قائلاً: "لقد أعد لنا معلم اللغة العربية الأسبوع الماضي اختباراً مفاجئاً، وكما تعلمين يا أمي، فأنا أحب لغتنا الجميلة وأذاكر دروسي أولاً بأول، لذا كان الاختبار بالنسبة لي سهلاً ويسيراً، وقد أجبت عن كل الأسئلة بثقة". ثم تابع والدهشة تلمع في عينيه: "ولكن، أثناء الامتحان قام أحد التلاميذ بالغش، ولم يمضِ وقت طويل حتى لَمحه المعلم بذكائه، فما كان منه إلا أن عاقبه فوراً وحرمه من إكمال الامتحان".
نظرت الأم إليه باهتمام وقالت بصوت هادئ ورزين: "أنت تعلم يا أمير أن الغش أمر سيء للغاية، فهو خلق لا يليق بطالب العلم، ويضر بصاحبه قبل أن يضر بالآخرين". قاطعها أمير قائلاً: "أعرف ذلك يا أمي يقيناً، ولكن الأمر الغريب والمحير حقاً هو أن تلميذاً آخر كان يغش أيضاً في نفس الامتحان! لكنه كان يفعل ذلك بحذر شديد وبطريقة معقدة يصعب اكتشافها، لذا لم يره المعلم ولم ينكشف أمره". ثم خفض أمير رأسه وأكمل بحزن شديد: "المؤلم يا أمي هو ما حدث اليوم عند توزيع الدرجات، فقد حصلتُ أنا على الدرجة النهائية بجهدي وتعبي، ولكن ذلك التلميذ الذي غش ولم يكتشفه المعلم حصل هو الآخر على الدرجة النهائية مثلي تماماً! فكيف يتساوى من تعب ومن غش؟".
في تلك اللحظة، ضمت الأم أميراً إلى صدرها بحب، وقالت له: "أولاً، هنيئاً لك يا صغيري، فهذه الدرجة هي الثمرة الحقيقية لتعبك وسهرك ومذاكرتك، فأنت مجتهد وتستحق التفوق بجدارة". ثم تابعت تشرح له الحكمة: "أما ذلك التلميذ الذي غش وعوقب، فقد أخطأ بلا شك، لكنه الآن يملك فرصة ذهبية لتصحيح مساره وتعديل أسلوبه في المذاكرة، صحيح أنه حصل على صفر اليوم، لكنه قد يحصل على أعلى الدرجات غداً إذا تعلم الدرس وأيقن أن الغش يضر أكثر مما ينفع".
سألها أمير بفضول: "وماذا عن التلميذ الذي غش وحصل على الدرجة النهائية؟ أليس هو الفائز الآن؟". أجابته الأم بحكمة: "اعلم جيداً يا أمير أن هذا التلميذ قد غش نفسه قبل أن يغش الآخرين، هو يرى الدرجة النهائية الآن ويفرح بها، ولكن الفشل والإخفاق ينتظرانه غداً لا محالة؛ فالغش قد يسعده اليوم لحظياً، لكنه حتماً سيبكيه غداً عندما يجد نفسه عاجزاً عن الفهم الحقيقي".
شعر أمير بارتياح كبير، وشكر أمه لأن كلماتها أزالت كل الحيرة من قلبه. وفي اليوم التالي، حدث ما توقعته الأم تماماً؛ فقد عقد معلم اللغة العربية امتحاناً شفهياً أمام الزملاء جميعاً، وهنا سقط القناع عن ذلك التلميذ الذي اعتمد على الغش، فظهر عجزه أمام الجميع وافتضح أمره، ووضع نفسه في موقف مخزٍ للغاية، فبكى وشعر بالندم الشديد بعدما أدرك أن الورقة التي غش منها لم تنفعه في الحوار المباشر.
مرت الأيام والشهور، وقارب العام الدراسي على الانتهاء، فاستعد التلاميذ للامتحانات النهائية ببذل المزيد من الجهد والاجتهاد. وعندما جاء يوم إعلان النتائج، كان يوماً منصفاً بامتياز؛ فبقدر اجتهاد كل طالب وتعبه نال ثمرته اللذيذة، وكانت من نصيب أمير النجاح الباهر والسعادة العارمة والرضا التام عن النفس، لأنه علم أن النجاح الحقيقي هو ما نبنيه بأيدينا لا ما نسرقه من مجهود غيرنا.
