عِنْدَمَا ضَاعَتْ مِنِّي حَقِيبَتِي

عِنْدَمَا ضَاعَتْ مِنِّي حَقِيبَتِي

عِنْدَمَا ضَاعَتْ مِنِّي حَقِيبَتِي

فِي يَوْمٍ مِنْ تِلْكَ الأَيَّامِ الرَّبِيعِيَّةِ البَاهِيَةِ، حَيْثُ كَانَتِ الشَّمْسُ تُرْسِلُ خُيُوطَهَا الذَّهَبِيَّةَ لِتُدَافِئَ الأَرْضَ، كَانَ أَحْمَدُ، ذَلِكَ الطِّفْلُ الذَّكِيُّ الَّذِي يَدْرُسُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي الِابْتِدَائِيِّ، يَمْشِي مَزْهُوًّا بِمَدْرَسَتِهِ الَّتِي يَعْشَقُهَا وَأَصْدِقَائِهِ الَّذِينَ يَقْضِي مَعَهُمْ أَجْمَلَ الأَوْقَاتِ. وَفِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِ المَأْلُوفَةِ مِنَ المَدْرَسَةِ إِلَى البَيْتِ، وَصَلَ أَحْمَدُ مَعَ رِفَاقِهِ إِلَى نَاصِيَةِ الطَّرِيقِ، وَهُنَاكَ تَوَقَّفُوا قَلِيلًا كَعَادَتِهِمْ لِيَتَبَادَلُوا أَطْرَافَ الحَدِيثِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقُوا وَيَمْضِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى مَنْزِلِهِ. كَانَ ضَجِيجُ ضِحْكَاتِهِمْ يَمْلأُ الفَضَاءَ وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ بِحَمَاسٍ عَنْ أَلْعَابِهِمُ الإِلِكْتُرُونِيَّةِ المُفَضَّلَةِ، وَعَنِ المَوَاقِفِ المُضْحِكَةِ الَّتِي حَدَثَتْ مَعَهُمْ فِي سَاحَةِ المَدْرَسَةِ، بَعِيدًا كُلَّ البُعْدِ عَنْ هُمُومِ الدُّرُوسِ وَثِقَلِ الوَاجِبَاتِ المَدْرَسِيَّةِ. وَبَعْدَ دَقَائِقَ مِنَ المَرَحِ، وَدَّعَ أَحْمَدُ أَصْحَابَهُ وَتَابَعَ مَسِيرَهُ وَحِيدًا نَحْوَ بَيْتِهِ. وَقُبَيْلَ أَنْ يَطَأَ عَتَبَةَ المَنْزِلِ بِخُطُوَاتٍ قَلِيلَةٍ، اجْتَاحَهُ شُعُورٌ غَرِيبٌ وَمُفَاجِئٌ، كَأَنَّ هُنَاكَ حِمْلًا كَانَ يُثْقِلُ كَاهِلَهُ وَقَدْ تَلاشَى، فَجَرَتْ قَشْعَرِيرَةٌ فِي جَسَدِهِ حِينَ أَدْرَكَ أَنَّهُ يَفْتَقِدُ شَيْئًا جَوْهَرِيًّا. مَدَّ يَدَهُ بِحَرَكَةٍ لا إِرَادِيَّةٍ سَرِيعَةٍ لِيَتَحَسَّسَ ظَهْرَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إِلَّا الفَرَاغَ، فَارْتَجَفَتْ شَفَتَاهُ وَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ وَالدَّهْشَةُ تَعْلُو وَجْهَهُ: "أَيْنَ حَقِيبَتِي؟! لَقَدْ ضَاعَتْ حَقِيبَتِي!"

دُونَ تَفْكِيرٍ، اسْتَدَارَ أَحْمَدُ وَعَادَ يَرْكُضُ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جَاءَ مِنْهُ، وَكَانَتْ دَقَّاتُ قَلْبِهِ تَتَسَارَعُ كَطَبْلٍ يَقْرَعُ فِي صَدْرِهِ مِنْ شِدَّةِ الخَوْفِ وَالارْتِبَاكِ. وَصَلَ إِلَى تِلْكَ النَّاصِيَةِ الَّتِي وَقَفَ فِيهَا مَعَ أَصْدِقَائِهِ، وَاتَّجَهَتْ عَيْنَاهُ فَوْرًا إِلَى الحَائِطِ القَدِيمِ الَّذِي أَسْنَدَ عَلَيْهِ ظَهْرَهُ وَحَقِيبَتَهُ أَثْنَاءَ الحَدِيثِ، لَكِنَّ الصَّدْمَةَ كَانَتْ كَبِيرَةً؛ فَقَدْ كَانَ المَكَانُ خَالِيًا تَمَامًا. بَحَثَ يَمِينًا وَيَسَارًا، وَخَلْفَ الشُّجَيْرَاتِ القَرِيبَةِ، لَكِنْ لَا أَثَرَ لِلحَقِيبَةِ، فَقَدْ يَبْدُو أَنَّ عَابِرًا رَآهَا أَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَقَلَهَا مِنْ مَكَانِهَا. تَهَالَكَتْ قُوَى أَحْمَدَ، وَعَادَ إِلَى مَنْزِلِهِ تَجُرُّهُ أَذْيَالُ الخَيْبَةِ، وَالدُّمُوعُ الغَزِيرَةُ تَنْهَمِرُ عَلَى خَدَّيْهِ لِتَرْسُمَ طَرِيقًا مِنَ الحُزْنِ. حِينَمَا رَأَتْهُ أُمُّهُ "فَاطِمَةُ" بِهَذِهِ الحَالَةِ، انْفَطَرَ قَلْبُهَا، وَاقْتَرَبَتْ مِنْهُ تَمْسَحُ دُمُوعَهُ بِحَنَانٍ بَالِغٍ وَتَسْأَلُهُ: "مَا بِكَ يَا قُرَّةَ عَيْنِي؟ مَا الَّذِي أَبْكَاكَ وَأَوْجَعَ قَلْبَكَ؟" فَأَخْبَرَهَا أَحْمَدُ وَهُوَ يَشْهَقُ مِنَ البُكَاءِ بِقِصَّةِ ضَيَاعِ حَقِيبَتِهِ الَّتِي تَحْوِي كُلَّ كُتُبِهِ وَأَدَوَاتِهِ. لَمْ تَتَرَدَّدِ الأُمُّ لَحْظَةً، بَلْ هَبَّتْ وَارْتَدَتْ ثِيَابَ الخُرُوجِ بِسُرْعَةٍ قَائِلَةً: "لَا تَبْكِ يَا أَحْمَدُ، كُنْ بَطَلًا، هَيَّا بِنَا سَنَعُودُ إِلَى المَدْرَسَةِ لِنَبْحَثَ عَنْهَا هُنَاكَ".

حَاوَلَ أَحْمَدُ بِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ أَنْ يُقْنِعَهَا بِأَنَّهُ لَمْ يَنْسَهَا فِي المَدْرَسَةِ، بَلْ فَقَدَهَا فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ النَّاصِيَةِ، غَيْرَ أَنَّ الأُمَّ، مِنْ شِدَّةِ حِرْصِهَا وَظَنِّهَا أَنَّ ارْتِبَاكَ الطِّفْلِ جَعَلَهُ يَخْلِطُ بَيْنَ الأَمَاكِنِ، أَصَرَّتْ عَلَى الذَّهَابِ إِلَى الفَصْلِ لِتَقْطَعَ شَكَّهَا بِاليَقِينِ. وَصَلَا إِلَى المَدْرَسَةِ وَقَدْ غَادَرَهَا الطُّلابُ وَالمُعَلِّمُونَ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا سِوَى عَامِلاتِ النَّظَافَةِ اللَّوَاتِي كُنَّ يُنْهِينَ عَمَلَهُنَّ. طَلَبَتِ الأُمُّ بِلُطْفٍ مِنْ إِحْدَى العَامِلَاتِ أَنْ تَفْتَحَ لَهُمَا بَابَ الفَصْلِ، وَدَخَلَتْ تَتَفَحَّصُ كُلَّ زَاوِيَةٍ، وَتَنْظُرُ تَحْتَ المَقَاعِدِ وَبَيْنَ الطَّاوِلَاتِ، وَتَسْأَلُ أَحْمَدَ عَنْ مَكَانِ جُلُوسِهِ بِدِقَّةٍ، بَيْنَمَا كَانَ أَحْمَدُ يَقِفُ بَائِسًا لِأَنَّهُ يَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ مَقْعَدَهُ خَالٍ. وَبَعْدَ بَحْثٍ مُضْنٍ وَدَقِيقٍ دُونَ جَدْوَى، سَلَّمَتِ الأُمُّ بِالأَمْرِ، وَقَرَّرَتِ العَوْدَةَ مَعَهُ عَلَى أَمَلِ أَنْ يُحَالِفَهُمَا الحَظُّ فِي الطَّرِيقِ.

وَفِي طَرِيقِ العَوْدَةِ، وَبَيْنَمَا كَانَا يَمْشِيَانِ بِخُطًى وُئِيدَةٍ، لَمَحَ أَحْمَدُ شَيْئًا مَأْلُوفًا فِي الجِهَةِ المُقَابِلَةِ مِنَ الشَّارِعِ. كَانَ هُنَاكَ مَتْجَرٌ صَغِيرٌ يَمْلِكُهُ رَجُلٌ طَيِّبٌ يُدْعَى "العَمُّ كَرِيم"، وَقَدْ وُضِعَتْ أَمَامَ المَتْجَرِ بَعْضُ الأَكْيَاسِ البُنِّيَّةِ الكَبِيرَةِ، وَفَوْقَ أَحَدِ تِلْكَ الأَكْيَاسِ، كَانَتْ تَرْبِضُ حَقِيبَةٌ زَرْقَاءُ تَلْمَعُ تَحْتَ ضَوْءِ العَصْرِ. لَمْ يَتَمَالَكْ أَحْمَدُ نَفْسَهُ مِنْ شِدَّةِ الِانْفِعَالِ، فَصَرَخَ بِفَرَحٍ هَسْتِيرِيٍّ: "أُمِّي! أُمِّي! انْظُرِي، هَذِهِ حَقِيبَتِي! لَقَدْ وَجَدْتُهَا!" وَفِي لَحْظَةٍ خَطَفَتِ الأَنْفَاسَ، أَفْلَتَ أَحْمَدُ يَدَ أُمِّهِ وَانْدَفَعَ يَرْكُضُ عَبْرَ الشَّارِعِ دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا، فَقَدْ عَمِيَتْ بَصِيرَتُهُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا حَقِيبَتَهُ الغَالِيَةَ. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الحَرِجَةِ، ظَهَرَتْ سَيَّارَةٌ مُسْرِعَةٌ، وَارْتَفَعَ صَوْتُ بُوقِهَا المُرْعِبِ لِيَهُزَّ الشَّارِعَ، بَيْنَمَا ضَغَطَ السَّائِقُ بِقُوَّةٍ عَلَى المَكَابِحِ فَأَصْدَرَتْ صَرِيرًا حَادًّا يَمْزِقُ الآذَانَ وَتَصَاعَدَ مِنْهَا دُخَانٌ خَفِيفٌ. نَجَا أَحْمَدُ بِأُعْجُوبَةٍ وَوَصَلَ إِلَى الرَّصِيفِ الآخَرِ، وَارْتَمَى عَلَى حَقِيبَتِهِ يَضُمُّهَا إِلَى صَدْرِهِ بِكُلِّ مَا أُوتِيَ مِنْ قُوَّةٍ، كَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ تَطِيرَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى. هَرَولَتِ الأُمُّ نَحْوَهُ وَهِيَ تَرْتَجِفُ مِنَ الهَوْلِ، وَاحْتَضَنَتْهُ بِقُوَّةٍ وَهِيَ تَنْهَجُ وَتَشْكُرُ اللهَ عَلَى سَلَامَتِهِ. تَجَمَّعَ المَارَّةُ لِيَطْمَئِنُّوا عَلَى هَذَا الطِّفْلِ الَّذِي نَجَا مِنَ الخَطَرِ، لَكِنَّ أَحْمَدَ لَمْ يَكُنْ يَسْمَعُ لَوْمَ السَّائِقِ وَلَا تَمْتَمَاتِ النَّاسِ، بَلْ كَانَ غَارِقًا فِي سَعَادَةٍ لَا تُوصَفُ، وَقَدِ ارْتَسَمَتْ عَلَى وَجْهِهِ بَسْمَةُ النَّصْرِ، فَقَدْ عَادَتْ إِلَيْهِ حَقِيبَتُهُ الَّتِي تَحْمِلُ عَالَمَهُ الصَّغِيرَ.


إرسال تعليق

أحدث أقدم