أَلِيسُ فِي بِلادِ العَجائِبِ

 أَلِيسُ فِي بِلادِ العَجائِبِ

أَلِيسُ فِي بِلادِ العَجائِبِفِي يَوْمٍ جَمِيلٍ مِنْ أَيَّامِ الرَّبِيعِ، كَانَتْ أَلِيسُ تَتَنَزَّهُ بَيْنَ الحُقُولِ الخَضْرَاءِ، وَبَيْنَمَا هِيَ تَمْشِي شَاهَدَتْ أَرْنَبًا أَبْيَضَ اللَّوْنِ يَرْكُضُ بِسُرْعَةٍ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى سَاعَةٍ كَبِيرَةٍ فِي يَدِهِ وَيَصْرُخُ: أَوْه، يَا إِلَهِي.. سَوْفَ أَتَأَخَّرُ. وَدَفَعَهَا الفُضُولُ إِلَى اللَّحَاقِ بِهِ، فَنَزَلَ الأَرْنَبُ فِي حُفْرَةٍ كَبِيرَةٍ فَنَزَلَتْ وَرَاءَهُ. وَأَخَذَتْ تَسْقُطُ وَتَسْقُطُ دَاخِلَ الحُفْرَةِ إِلَى أَنْ وَجَدَتْ نَفْسَهَا فِي غُرْفَةٍ كَبِيرَةٍ جِدًّا فِيهَا أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ صَغِيرَةٍ جِدًّا لا تَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ مِنْهَا وَهِيَ فِي حَجْمِهَا هَذَا. فَجَلَسَتْ عَلَى طَاوِلَةٍ وَجَدَتْهَا فِي وَسَطِ الغُرْفَةِ وَفَوْقَهَا قَارُورَةُ مَاءٍ، وَلِشِدَّةِ عَطَشِهَا تَنَاوَلَتِ القَارُورَةَ وَشَرِبَتِ المَاءَ كُلَّهُ، وَمَا هِيَ إِلَّا لَحْظَةٌ وَاحِدَةٌ حَتَّى أَخَذَ حَجْمُهَا يَصْغُرُ وَيَصْغُرُ، فَفَرِحَتْ جِدًّا لأَنَّهَا الآنَ تَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ مِنَ البَابِ. وَلَكِنْ كَيْفَ سَتَنْزِلُ مِنْ فَوْقِ الطَّاوِلَةِ وَهِيَ صَغِيرَةٌ، وَلا يُوجَدُ سُلَّمٌ تَنْزِلُ عَلَيْهِ؟. جَلَسَتْ أَلِيسُ تَبْكِي بُكَاءً شَدِيدًا حَتَّى صَارَتْ دُمُوعُهَا نَهْرًا يَجْرِي، فَسَبَحَتْ أَلِيسُ فِي هَذَا النَّهْرِ نَحْوَ البَابِ وَفَتَحَتْهُ، ثُمَّ خَرَجَتْ مِنْ هَذِهِ الغُرْفَةِ إِلَى حَدِيقَةٍ رَائِعَةِ الجَمَالِ وَمَشَتْ فِيهَا وَهِيَ لا تَدْرِي إِلَى أَيْنَ سَيَأْخُذُهَا الطَّرِيقُ. شَاهَدَتْ مَجْمُوعَةً مِنَ الطُّيُورِ يَتَسَابَقُونَ فِي الطَّيَرَانِ، وَبَعْدَ انْتِهَاءِ السِّبَاقِ قَدَّمَتْ لَهَا الطُّيُورُ عُلْبَةً مِنَ الشُّوكُولاتَةِ أَكَلَتْهَا أَلِيسُ بِنَهَمٍ شَدِيدٍ وَفِي الحَالِ رَجَعَتْ إِلَى حَجْمِهَا الطَّبِيعِيِّ، فَفَرِحَتْ فَرَحًا شَدِيدًا، وَانْطَلَقَتْ تُتَابِعُ سَيْرَهَا فِي الغَابَةِ. فَشَاهَدَتِ الأَرْنَبَ الأَبْيَضَ لِلْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَهُوَ يَرْكُضُ وَيَصْرُخُ: سَتَغْضَبُ المَلِكَةُ لِتَأَخُّرِي عَنْهَا وَسَوْفَ يَقْطَعُونَ رَأْسِي. ثُمَّ اسْتَدَارَ وَشَاهَدَ أَلِيسَ، فَقَالَ لَهَا بِغَضَبٍ شَدِيدٍ: مَاذَا تَفْعَلِينَ هُنَا يَا مَارِي؟ هَيَّا اجْلِبِي لِي قُبَّعَتِي الَّتِي أَخَذْتِهَا مِنِّي. خَافَتْ أَلِيسُ مِنْهُ وَلَمْ تَجْرُؤْ أَنْ تَقُولَ لَهُ: لَسْتُ مَارِي، وَأَخَذَتْ تَرْكُضُ وَتَرْكُضُ إِلَى أَنْ وَصَلَتْ إِلَى كُوخٍ خَشَبِيٍّ كَبِيرٍ، فَدَخَلَتْهُ، وَكَانَ جَمِيلاً، أَمَّا هِيَ فَكَانَتْ تَعِبَةً وَعَطْشَى، وَلِذَلِكَ جَلَسَتْ لِتَسْتَرِيحَ، وَشَرِبَتْ بَعْضَ المَاءِ الَّذِي شَاهَدَتْهُ عَلَى طَاوِلَةٍ صَغِيرَةٍ فَبَدَأَ حَجْمُهَا يَكْبُرُ.. وَيَكْبُرُ.. وَيَكْبُرُ.. حَتَّى خَرَجَتْ يَدَاهَا وَرِجْلَاهَا مِنْ أَبْوَابِ الكُوخِ وَشَبَابِيكِهِ وَحَطَّمَ رَأْسُهَا سَقْفَ الكُوخِ. فَتَحَطَّمَ الكُوخُ الخَشَبِيُّ كُلُّهُ وَتَكَسَّرَ، وَبَيْنَمَا كَانَتْ تُزِيلُ القِطَعَ الخَشَبِيَّةَ العَالِقَةَ عَلَى جَسَدِهَا شَاهَدَتِ الأَرْنَبَ الأَبْيَضَ الَّذِي ارْتَعَدَ هَلَعًا مِنْ حَجْمِهَا العِمْلَاقِ فَهَرَبَ مِنْهَا. أَمَّا هِيَ فَأَخَذَتْ تَمْشِي وَهِيَ تَبْكِي إِلَى أَنْ وَصَلَتْ إِلَى فِطْرٍ أَبْيَضِ اللَّوْنِ كَبِيرِ الحَجْمِ وَعَلَى قُبَّعَتِهِ تَجْلِسُ يَرْقَةٌ خَضْرَاءُ تَتَمَتَّعُ بِأَشِعَّةِ الشَّمْسِ، فَسَأَلَتْهَا اليَرْقَةُ: مَنْ أَنْتِ؟ أَجَابَتْ أَلِيسُ: لَسْتُ أَدْرِي! قَالَتِ اليَرْقَةُ: مَاذَا تَعْنِينَ؟ لَسْتُ أَفْهَمُكِ! رَدَّتْ أَلِيسُ: لَقَدْ كُنْتُ صَغِيرَةً فَأَصْبَحْتُ عِمْلَاقَةً فَأَنَا الآنَ لَسْتُ أَنَا كَمَا كُنْتُ فِي السَّابِقِ. ضَحِكَتِ اليَرْقَةُ وَقَالَتْ: لا بَأْسَ، سَتَعُودِينَ إِلَى طَبِيعَتِكِ بَعْدَ أَنْ تُرَدِّدِي وَرَائِي هَذِهِ الكَلِمَاتِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أَنَا الأَبُ دِيليام كَبِيرٌ فِي السِّنِّ سَاعِدْنِي يَا بَرْقُوقُ لأَعُودَ إِلَى حَجْمِي. وَكَرَّرَتْ أَلِيسُ هَذِهِ العِبَارَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَعَادَتْ فَوْرًا إِلَى حَجْمِهَا الطَّبِيعِيِّ وَشَكَرَتِ اليَرْقَةَ عَلَى ذَلِكَ وَمَضَتْ تُتَابِعُ سَيْرَهَا. فَشَاهَدَتْ قَصْرًا رَائِعًا، دَخَلَتْهُ وَرَأَتْ فِيهِ امْرَأَةً قَبِيحَةَ الشَّكْلِ تَضَعُ طِفْلاً رَضِيعًا عَلَى رُكْبَتَيْهَا، وَكَانَ الطِّفْلُ جَمِيلَ الشَّكْلِ. كَانَتِ المَرْأَةُ تَهُزُّهُ وَهِيَ تُغَنِّي لَهُ أُغْنِيَةً تَقُولُ كَلِمَاتُهَا: «كُونِي قَاسِيَةً مَعَ طِفْلِكِ وَاضْرِبِيهِ بِشِدَّةٍ عِنْدَمَا يَبْكِي...». دُهِشَتْ أَلِيسُ مِنْ كَلِمَاتِ الأُغْنِيَةِ تِلْكَ وَاسْتَغْرَبَتْ مِنْهَا، فَأَخَذَتِ الرَّضِيعَ مِنْ حِضْنِ المَرْأَةِ وَهَرَبَتْ مَعَهُ إِلَى الحَدِيقَةِ. وَفَجْأَةً تَحَوَّلَ الطِّفْلُ إِلَى خِنْزِيرٍ صَغِيرٍ وَأَخَذَ يَرْكُضُ حَتَّى اخْتَفَى عَنْ أَنْظَارِهَا. وَأَلِيسُ أَيْضًا أَخَذَتْ تَرْكُضُ فَشَاهَدَتْ فِي طَرِيقِهَا قِطَّةً سَأَلَتْهَا أَلِيسُ: لِمَاذَا الجَمِيعُ هُنَا غَاضِبُونَ؟ أَجَابَتِ القِطَّةُ: لأَنَّ هَذِهِ المَدِينَةَ هِيَ مَدِينَةُ العَجَائِبِ. أَأَنْتِ غَرِيبَةٌ؟ قَالَتْ أَلِيسُ: نَعَمْ، فَأَنَا لَسْتُ مِنْ هُنَا. رَدَّتِ القِطَّةُ: كُلُّنَا غُرَبَاءُ هُنَا فِي بِلَادِ العَجَائِبِ. وَهَلْ شَاهَدْتِ المَلِكَةَ؟ أَلِيسُ: لَا لَمْ أُشَاهِدْهَا. القِطَّةُ: إِذَا شَاهَدْتِهَا فَانْتَبِهِي لأَنَّهَا سَرِيعَةُ الغَضَبِ، وَعِنْدَمَا تَغْضَبُ تَقْطَعُ الرُّؤُوسَ. وَبَيْنَمَا القِطَّةُ تَتَحَدَّثُ مَعَ أَلِيسَ بَدَأَتْ تَخْتَفِي حَتَّى اخْتَفَتْ كُلِّيًّا وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا سِوَى ابْتِسَامَتِهَا. دُهِشَتْ أَلِيسُ وَقَالَتْ: شَاهَدْتُ قِطَطًا كَثِيرَةً دُونَ ابْتِسَامَةٍ، وَلَكِنَّنِي لَمْ أُشَاهِدْ فِي حَيَاتِي ابْتِسَامَةً بِدُونِ قِطَّةٍ. وَهَكَذَا مَشَتْ أَلِيسُ فَشَاهَدَتْ وُرُودًا بَيْضَاءَ فِي غَايَةِ السِّحْرِ وَالجَمَالِ، وَكَانَ هُنَالِكَ عَدَدٌ مِنَ البُسْتَانِيِّينَ يَدْهَنُونَ الوَرْدَاتِ بِاللَّوْنِ الأَحْمَرِ فَتَقَدَّمَتْ مِنْهُمْ أَلِيسُ وَسَأَلَتْهُمْ: لِمَ تُبَدِّلُونَ لَوْنَ الوُرُودِ؟ فَأَجَابُوهَا: لأَنَّ المَلِكَةَ لَا تُحِبُّ اللَّوْنَ الأَبْيَضَ، وَإِذَا مَا شَاهَدَتْهُمْ فَإِنَّهَا سَوْفَ تَقْطَعُ رُؤُوسَنَا. وَفَجْأَةً.. سَمِعَتْ صَوْتًا يُنَادِي بِخَوْفٍ شَدِيدٍ: المَلِكَةُ، المَلِكَةُ قَادِمَةٌ. فَوَقَفَ الجَمِيعُ وَهُمْ يَقُولُونَ: سَوْفَ تَقْطَعُ المَلِكَةُ رُؤُوسَنَا. وَظَهَرَتِ المَلِكَةُ فِي مَوْكِبٍ فَخْمٍ وَإِلَى جَانِبِهَا المَلِكُ، وَوَرَاءَهُمَا يَسِيرُ رِجَالُ المَلِكِ وَالوُزَرَاءُ وَالخَدَمُ. تَوَقَّفَتِ المَلِكَةُ عِنْدَمَا شَاهَدَتْ أَلِيسَ وَسَأَلَتْهَا: مَا اسْمُكِ يَا فَتَاةُ؟ رَدَّتْ أَلِيسُ: اسْمِي أَلِيسُ. - أَلَسْتِ خَائِفَةً مِنِّي يَا أَلِيسُ؟ - لَا، أَنَا لَا أَخَافُ مِنْكِ، فَلَسْتِ سِوَى وَرَقَةٍ. غَضِبَتِ المَلِكَةُ مِنْهَا وَصَرَخَتْ فِي حَاشِيَتِهَا: أَمْسِكُوهَا وَاقْطَعُوا رَأْسَهَا.. اقْطَعُوا رَأْسَهَا. هَرَبَتْ أَلِيسُ، فَجَرَى الجُنُودُ وَرَاءَهَا وَأَمْسَكُوا بِهَا، ثُمَّ أَحْضَرُوهَا إِلَى المَلِكَةِ الَّتِي أَعَادَتْ سُؤَالَهَا: مَنْ أَنْتِ؟ فَقَالَتْ لَهَا: أَنَا أَلِيسُ. فَصَرَخَتِ المَلِكَةُ: اقْطَعُوا رَأْسَهَا. لَكِنَّ أَلِيسَ لَمْ تَخَفْ، بَلْ قَالَتْ لِلْمَلِكَةِ: أَنْتِ مَلِكَةٌ غَبِيَّةٌ وَأَنَا لَسْتُ خَائِفَةً مِنْكِ، فَأَنْتِ مُجَرَّدُ بِطَاقَةٍ. اشْتَدَّ غَضَبُ المَلِكَةِ، وَانْهَالَتْ ضَرْبًا عَلَى رَأْسِ أَلِيسَ وَوَجْهِهَا. فَغَضِبَتْ أَلِيسُ وَأَخَذَتْ تَصْرُخُ وَهِيَ تَدْفَعُ الوَرَقَاتِ عَنْهَا بِيَدِهَا، ثُمَّ فَتَحَتْ عَيْنَيْهَا فَوَجَدَتْ نَفْسَهَا نَائِمَةً تَحْتَ شَجَرَةٍ كَبِيرَةٍ وَبِجَانِبِهَا أُخْتُهَا الصَّغِيرَةُ تَقُولُ لَهَا: هَلِ اسْتَيْقَظْتِ يَا عَزِيزَتِي؟ لَقَدْ نِمْتِ لِوَقْتٍ طَوِيلٍ جِدًّا! ضَحِكَتْ أَلِيسُ، وَقَصَّتْ عَلَى أُخْتِهَا الحُلْمَ الَّذِي شَاهَدَتْهُ، ثُمَّ رَكَضَتْ نَحْوَ المَنْزِلِ لِتَأْكُلَ الطَّعَامَ وَتَشْرَبَ الشَّاي... لَقَدْ كَانَ حُلْمًا غَرِيبًا.

إرسال تعليق

أحدث أقدم