الجَمَالُ النَّائِمُ
كَانَ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ مَلِكٌ يَعِيشُ مَعَ زَوْجَتِهِ الْمَلِكَةِ فِي سَعَادَةٍ غَامِرَةٍ، وَلَا يَنْقُصُهُمَا شَيْءٌ إِلَّا الأَطْفَالُ، فَلَمْ يَكُفَّا عَنِ الابْتِهَالِ إِلَى اللهِ لِيُحَقِّقَ لَهُمَا تِلْكَ الأُمْنِيَةَ. وَمَرَّتِ الأَيَّامُ بِدُونِ أَنْ يُمَنَّ اللهُ عَلَيْهِمَا بِطِفْلٍ جَمِيلٍ يُسْعِدُهُمَا وَيَشْفِي قَلْبَهُمَا العَلِيلَ. وَأَخِيرًا اسْتَجَابَ اللهُ لِدُعَائِهِمَا، وَوَلَدَتِ الْمَلِكَةُ طِفْلَةً جَمِيلَةً، وَقَرَّرَ الْمَلِكَانِ أَنْ يُقِيمَا حَفْلًا كَبِيرًا يَدْعُوَانِ فِيهِ كُلَّ النَّاسِ. وَفِي القَصْرِ الْمَلَكِيِّ الكَبِيرِ تَمَّتِ الِاسْتِعْدَادَاتُ لِاسْتِقْبَالِ الضُّيُوفِ وَالِاحْتِفَالِ بِالأَمِيرَةِ الصَّغِيرَةِ. وَكَانَ مِنْ بَيْنِ الْمَدْعُوِّينَ ثَلَاثُ جِنِّيَّاتٍ طَيِّبَاتٍ دَعَاهُنَّ الْمَلِكُ لِطِيبَتِهِنَّ وَحُبِّهِنَّ لِلْخَيْرِ، وَتَنَبَّأَتِ الجِنِّيَّاتُ أَنْ تَكُونَ الأَمِيرَةُ طَيِّبَةً وَعَطُوفَةً وَجَمِيلَةً.
رَقَصَ الجَمِيعُ سُعَدَاءَ، وَبَيْنَمَا جَلَسَ الجَمِيعُ لِلْعَشَاءِ ظَهَرَتِ الجِنِّيَّةُ الشِّرِّيرَةُ، فَفَزِعَ الجَمِيعُ خَوْفًا عَلَى الأَمِيرَةِ. تَقَدَّمَتِ الْمَلِكَةُ لِلِاعْتِذَارِ وَطَلَبِ الغُفْرَانِ، فَقَدْ نَسِيَتْ أَنْ تَدْعُوَ الجِنِّيَّةَ الشِّرِّيرَةَ، وَلَمْ تَسْتَمِعِ الجِنِّيَّةُ لِتَوَسُّلَاتِ الْمَلِكَةِ الطَّيِّبَةِ. فَأَطْلَقَتْ نُبُوءَتَهَا الحَزِينَةَ: أَنَّ الأَمِيرَةَ سَتَمُوتُ فِي عِيدِ مِيلَادِهَا السَّادِسَ عَشَرَ بَعْدَ أَنْ يَجْرَحَ الْمِغْزَلُ إِصْبَعَهَا. فَزِعَ الجَمِيعُ وَبَكَى الْمَلِكَانِ عَلَى ابْنَتِهِمَا الجَمِيلَةِ. وَهُنَا صَرَخَتْ إِحْدَى الجِنِّيَّاتِ الثَّلَاثِ الطَّيِّبَاتِ: لَنْ تَمُوتَ الأَمِيرَةُ، إِنَّ لَدَيَّ بَقِيَّةً مِنَ السِّحْرِ، سَيُجْرَحُ إِصْبَعُ الأَمِيرَةِ وَتَنَامُ مِائَةَ عَامٍ إِلَى أَنْ يُوقِظَهَا أَمِيرٌ جَمِيلٌ ابْنُ مَلِكٍ عَظِيمٍ.
نَادَى مُنَادِي الْمَلِكِ فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ: «بِأَمْرِ الْمَلِكِ، يُحَرَّمُ اسْتِخْدَامُ الْمِغْزَلِ مَدَى الحَيَاةِ». وَمَرَّ الزَّمَانُ سِتَّةَ عَشَرَ عَامًا، وَكَبِرَتِ الأَمِيرَةُ وَأَصْبَحَتْ جَمِيلَةَ الجَمِيلَاتِ. وَفِي يَوْمِ مِيلَادِهَا السَّادِسَ عَشَرَ، وَبَيْنَمَا يَسْتَعِدُّ الجَمِيعُ لِلِاحْتِفَالِ بِعِيدِ الْمِيلَادِ، خَرَجَتِ الأَمِيرَةُ لِلنُّزْهَةِ فِي الحَدِيقَةِ، قَابَلَتْهَا الجِنِّيَّةُ الشِّرِّيرَةُ فِي صُورَةِ امْرَأَةٍ عَجُوزٍ فِي يَدِهَا مِغْزَلٌ، انْدَهَشَتِ الأَمِيرَةُ وَسَأَلَتْ: «مَا هَذَا الَّذِي بِيَدِكِ يَا أُمِّي العَجُوزَ؟». أَجَابَتِ السَّاحِرَةُ: «إِنَّهُ مِغْزَلٌ.. هَلْ تُجَرِّبِينَهُ؟» وَمَا كَادَتْ تَلْمِسُهُ الأَمِيرَةُ حَتَّى تَحَقَّقَتْ نُبُوءَةُ العَجُوزِ الشِّرِّيرَةِ، وَسَقَطَتِ الأَمِيرَةُ عَلَى الأَرْضِ فِي نَوْمٍ عَمِيقٍ.
وَفِي الْمَسَاءِ حَضَرَتِ الجِنِّيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ وَرَأَيْنَ الأَمِيرَةَ عَلَى هَذَا الحَالِ، فَقَرَّرْنَ أَنْ يَنَامَ جَمِيعُ مَنْ فِي القَصْرِ مِائَةَ عَامٍ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ ابْنُ الْمَلِكِ لِيُوقِظَ الأَمِيرَةَ. تَوَقَّفَتِ الأَنْفَاسُ وَنَامَ الجَمِيعُ، وَنَبَتَتِ الغَابَاتُ حَوْلَ القَصْرِ الكَبِيرِ، وَتَحَوَّلَتِ الحَيَاةُ فِيهِ إِلَى صَمْتٍ رَهِيبٍ. وَعَلَى هَذَا الحَالِ مَرَّتْ مِائَةُ عَامٍ.
وَفِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ مَرَّ أَمِيرٌ جَمِيلٌ ابْنُ الْمَلِكِ عَلَى القَصْرِ الكَبِيرِ، وَتَعَجَّبَ مِنْ أَمْرِ هَذَا القَصْرِ الغَرِيبِ وَسَأَلَ نَفْسَهُ: «مَا سِرُّ هَذَا القَصْرِ العَجِيبِ؟». هَلْ هُوَ مَأْوَى شَبَحٍ أَوْ يَعِيشُ فِيهِ رَجُلٌ مَجْنُونٌ؟. وَأَوْقَفَ الأَمِيرُ رَجُلًا عَجُوزًا وَسَأَلَهُ: «أَخْبِرْنِي يَا أَبِي، مَا قِصَّةُ هَذَا القَصْرِ الْمَهْجُورِ؟» أَجَابَ الرَّجُلُ: «إِنَّهَا قِصَّةٌ قَدِيمَةٌ حَكَاهَا لِي أَبِي، إِنَّ هُنَاكَ فِي القَصْرِ تَنَامُ أَمِيرَةٌ جَمِيلَةٌ مُنْذُ مِائَةِ عَامٍ تَنْتَظِرُ أَنْ يُوقِظَهَا ابْنُ الْمَلِكِ».
اقْتَحَمَ الأَمِيرُ الشُّجَاعُ غَابَاتِ القَصْرِ بِسَيْفِهِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى مَرْقَدِ الأَمِيرَةِ، وَبُهِرَ بِجَمَالِهَا الفَتَّانِ، فَاقْتَرَبَ مِنْهَا وَلَمْ يَكَدْ يُقَبِّلُهَا حَتَّى اسْتَيْقَظَتِ الأَمِيرَةُ وَفَتَحَتْ عَيْنَيْهَا مُبْتَسِمَةً لِلأَمِيرِ، وَاسْتَيْقَظَ مَعَهَا جَمِيعُ مَنْ فِي القَصْرِ الكَبِيرِ. دَبَّتِ الحَيَاةُ فِي القَصْرِ، وَبَدَأَتِ الكِلَابُ تَنْبَحُ وَالعَصَافِيرُ تُغَرِّدُ مِنْ جَدِيدٍ. وَاسْتَعَدَّ الجَمِيعُ لِلِاحْتِفَالِ بِعِيدِ مِيلَادِ الأَمِيرَةِ السَّادِسَ عَشَرَ كَمَا كَانَ مُنْذُ مِائَةِ عَامٍ.
وَفِي أَثْنَاءِ الِاحْتِفَالِ انْحَنَى الأَمِيرُ لِلْمَلِكِ وَطَلَبَ مِنْهُ يَدَ الأَمِيرَةِ الصَّغِيرَةِ لِلزَّوَاجِ، فَرِحَ الْمَلِكُ وَفَرِحَتِ الْمَلِكَةُ بِزَوَاجِ الأَمِيرِ وَالأَمِيرَةِ، وَتَهَلَّلَ الجَمِيعُ فَرَحًا بِالْمُنَاسَبَةِ السَّعِيدَةِ الَّتِي تَجْمَعُ عِيدَ الْمِيلَادِ وَزَوَاجَ الأَمِيرَةِ. وَمِنْ بَعِيدٍ سَمِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَزْفَ الْمُوسِيقَى وَغِنَاءَ الْمَدْعُوِّينَ فَعَلِمُوا بِنَجَاةِ الأَمِيرَةِ. وَاحْتَفَلَ الجَمِيعُ بِزَوَاجِ الأَمِيرَةِ وَالأَمِيرِ، وَعَاشَ الجَمِيعُ فِي سَعَادَةٍ وَهَنَاءٍ بَعْدَ أَنْ انْتَصَرَ الخَيْرُ عَلَى الشَّرِّ.

