الاتحاد قوة
كَانَ الأَسَدُ، مَلِكُ الغَابَةِ، دَائِمَ الصِّرَاعِ مَعَ الثَّوْرِ مِنْ أَجْلِ إِثْبَاتِ الْقُوَّةِ وَالسَّيْطَرَةِ. وَفِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، أَرَادَ الأَسَدُ أَنْ يَحْسِمَ هَذَا النِّزَاعَ، فَتَحَدَّى الثَّوْرَ وَأَصْدِقَاءَهُ لِتُقَامَ بَيْنَهُمْ مُبَارَاةٌ عَظِيمَةٌ لِتَحْدِيدِ مَنِ الأَقْوَى فِي هَذِهِ الغَابَةِ. قَبِلَ الْجَمِيعُ هَذَا التَّحَدِّيَ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَكُونَ الشِّيرَانُ الثَّلاثَةُ فَرِيقاً وَاحِداً مُتَمَاسِكاً ضِدَّ الأَسَدِ. وَعِنْدَمَا رَأَى الأَسَدُ هَذَا التَّلاحُمَ، فَزِعَ وَخَافَ كَثِيراً مِنِ اتِّحَادِ الثَّيْرَانِ الثَّلاثَةِ ضِدَّهُ، لأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ قُوَّتَهُمْ فِي اجْتِمَاعِهِمْ.
بَدَأَ الأَسَدُ يُفَكِّرُ فِي خُطَّةٍ ذَكِيَّةٍ وَمَاكِرَةٍ لِكَيْ يَسْتَطِيعَ الْفَوْزَ فِي مُبَارَاةِ التَّحَدِّيِّ. كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الطَّرِيقَ الوَحِيدَ لِلنَّيْلِ مِنَ الشِّيرَانِ هُوَ تَفْرِيقُ هَذَا الاتِّحَادِ وَالاسْتِفْرَادُ بِكُلِّ ثَوْرٍ عَلَى حِدَةٍ.
تَسَلَّلَ الأَسَدُ وَذَهَبَ لِلتَّوْرِ الأَوَّلِ، وَهَمَسَ فِي أُذُنِهِ بِخُبْثٍ قَائِلاً: "إِنَّ الثَّوْرَ الأَسْوَدَ يَقُولُ لِلْجَمِيعِ إِنَّهُ الأَقْوَى بَيْنَ الثَّيْرَانِ الثَّلاثَةِ، وَيَدَّعِي أَنَّكُمْ بِدُونِهِ ضُعَفَاءُ وَسَوْفَ تُلاقُونَ شَرَّ هَزِيمَةٍ". ثُمَّ انْطَلَقَ الأَسَدُ إِلَى الثَّوْرِ الثَّانِي، وَنَفَثَ سُمُومَهُ فِي عَقْلِهِ قَائِلاً: "إِنَّ الثَّوْرَ الأَحْمَرَ يَقُولُ عَنْكَ إِنَّكَ أَضْعَفُ ثَوْرٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَإِنَّكَ لا تَصْلُحُ أَبَداً لِلْمُبَارَاةِ". وَلَمْ يَكْتَفِ الأَسَدُ بِذَلِكَ، بَلْ ذَهَبَ لِلثَّوْرِ الثَّالِثِ وَقَالَ لَهُ: "إِنَّ التَّوْرَيْنِ الآخَرَيْنِ يَسْخَرَانِ مِنْكَ، وَيَقُولانِ إِنَّكَ جَبَانٌ وَإِنَّكَ سَوْفَ تَحْتَمِي بِهِمَا أَثْنَاءَ الْمُبَارَاةِ".
وَبِمُجَرَّدِ مَا انْتَهَى الأَسَدُ مِنَ الْحَدِيثِ مَعَ الشِّيرَانِ الثَّلاثَةِ، نَجَحَتْ خُطَّتُهُ فِي زَرْعِ الْفِتْنَةِ، فَثَارَتِ الشِّيرَانُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهَا. بَدَلاً مِنْ مُوَاجَهَةِ الأَسَدِ، أَصْبَحَ كُلُّ ثَوْرٍ يُرِيدُ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهُ هُوَ الأَقْوَى وَسَطَ الْمَجْمُوعَةِ. فَجْأَةً، هَجَمَ الثَّوْرُ الأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي بِعُنْفٍ، ثُمَّ هَجَمَ الثَّوْرُ الثَّالِثُ عَلَيْهِمَا، وَانْدَلَعَتْ مَعْرَكَةٌ حَامِيَةٌ وَمُؤْلِمَةٌ بَيْنَ الإِخْوَةِ.
انْتَهَتِ الْمَعْرَكَةُ بِنِهَايَةٍ حَزِينَةٍ، حَيْثُ تَمَزَّقَتْ قُوَاهُمْ وَقُتِلَ الثِّيرَانُ الثَّلاثَةُ بِسَبَبِ خِلافِهِمْ. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، جَاءَ الأَسَدُ يَمْشِي بِخُيَلاءَ، سَعِيداً جِدّاً بِنَجَاحِ خُطَّتِهِ الَّتِي اعْتَمَدَتْ عَلَى ذَكَائِهِ وَدَهَائِهِ فِي تَفْرِيقِهِمْ. نَظَرَ الأَسَدُ إِلَيْهِمْ وَقَالَ مُعَلِّماً: "حَقّاً الاتِّحَادُ قُوَّةٌ، وَبِدُونِهِ تَكُونُ الْهَزِيمَةُ مُحَقَّقَةٌ".