الأَرْنَبِ الشُّجَاعِ وَالْغَابَةِ السِّحْرِيَّةِ
فِي قَلْبِ مَرْجٍ أَخْضَرَ تَلُفُّهُ الْجِبَالُ الْمُكَلَّلَةُ بِالضَّبَابِ، كَانَتْ تَرْبِضُ قَرْيَةٌ صَغِيرَةٌ لِلأَرَانِبِ، تَعِيشُ فِيهَا الْعَائِلَاتُ فِي جُحُورٍ دَافِئَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ صَخَبِ الْعَالَمِ. وَكَانَ مِنْ بَيْنِ سُكَّانِهَا أَرْنَبٌ فَتًى يُدْعَى رَامِي، امْتَازَ عَنْ أَقْرَانِهِ بِأُذُنَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ تَلْتَقِطَانِ هَمَسَاتِ الرِّيحِ، وَعَيْنَيْنِ تَلْمَعَانِ بِفُضُولٍ لَا يَنْطَفِئُ. بَيْنَمَا كَانَتْ بَقِيَّةُ الأَرَانِبِ تَقْنَعُ بِقَضْمِ الْعُشْبِ حَوْلَ مَدَاخِلِ بُيُوتِهَا، كَانَ رَامِي يَقْضِي سَاعَاتِهِ مُتَسَلِّقاً التِّلَالَ، يُرَاقِبُ الأُفُقَ الْبَعِيدَ وَيَتَمَنَّى لَوْ يَعْرِفُ مَاذَا يُخَبِّئُ ذَلِكَ الْمَدَى الشَّاسِعُ.
فِي صَبَاحِ يَوْمٍ قَائظٍ، وَبَيْنَمَا كَانَ رَامِي يَرْتَاحُ تَحْتَ ظِلِّ شُجَيْرَةٍ كَبِيرَةٍ، تَرَبَّعَتْ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْكَبِيرَةِ قُرْبَهُ، وَبَدَأَتْ تَتَهَامَسُ عَنْ أَسْطُورَةٍ قَدِيمَةٍ. تَحَدَّثُوا عَنْ "الْغَابَةِ السِّحْرِيَّةِ" الَّتِي تَقَعُ خَلْفَ آخِرِ جَبَلٍ تَمَسُّهُ أَشِعَّةُ الشَّمْسِ، حَيْثُ تَنْبُتُ أَشْجَارٌ لَيْسَتْ كَالأَشْجَارِ، لَهَا أَوْرَاقٌ مِنَ الزُّمُرُّدِ وَثِمَارٌ مِنْ ذَهَبٍ خَالِصٍ، تَمْلِكُ الْقُدْرَةَ عَلَى تَحْقِيقِ أَمَانِي مَنْ يَجْسُرُ عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهَا. لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْقِصَصُ مُجَرَّدَ تَسْلِيَةٍ لِرَامِي، بَلْ كَانَتْ بِمَثَابَةِ شُعْلَةٍ أُوقِدَتْ فِي صَدْرِهِ، خَاصَّةً وَأَنَّ قَرْيَتَهُ كَانَتْ تَمُرُّ بِسَنَوَاتٍ عِجَافٍ، حَيْثُ جَفَّتِ الآبَارُ وَاصْفَرَّتِ الْمَرَاعِي، وَبَدَا الْجُوعُ يَنْهَشُ أَجْسَادَ جِيرَانِهِ الضَّعِيفَةِ.
اتَّخَذَ رَامِي قَرَارَهُ بِحَزْمٍ لَمْ تَعْهَدْهُ عَيْنُ أُمِّهِ الَّتِي بَكَتْ خَوْفاً عَلَيْهِ حِينَمَا أَخْبَرَهَا بِرَحِيلِهِ. حَاوَلَتِ الأَرَانِبُ الْكَبِيرَةُ إِثْنَاءَهُ عَنْ مَسْعَاهُ، وَصَوَّرُوا لَهُ الطَّرِيقَ كَوَحْشٍ كَاسِرٍ يَبْتَلِعُ مَنْ يَقْتَرِبُ مِنْهُ، لَكِنَّ رَامِي حَزَمَ مَتَاعَهُ بِيَقِينِ الْمُؤْمِنِ، وَوَضَعَ فِي حَقِيبَتِهِ بَعْضَ الْجَزَرِ وَقَارُورَةَ مَاءٍ صَغِيرَةً، وَوَدَّعَ أَهْلَهُ بِصَوْتٍ مُتَحَشْرِجٍ بِالْعَبَرَاتِ لَكِنَّهُ وَاثِقٌ، وَعَدَهُمْ فِيهِ أَنْ لَا يَعُودَ إِلَّا وَمَعَهُ طَوْقُ النَّجَاةِ لِلْقَرْيَةِ.
مَضَى رَامِي فِي دَرْبِهِ، وَسُرْعَانَ مَا انْقَشَعَتْ خُضْرَةُ الْمَرَاعِي لِتَحُلَّ مَحَلَّهَا غَابَةٌ كَثِيفَةٌ تَسْكُنُهَا الظِّلَالُ. وَمِنْ بَيْنِ الشُّجَيْرَاتِ، بَرَزَ لَهُ ذِئْبٌ رَمَادِيٌّ، عَيْنَاهُ تَتَّقِدَانِ مَكْراً، فَقَالَ لَهُ بِصَوْتٍ رَخِيمٍ مُخَادِعٍ: "إِلَى أَيْنَ أَيُّهَا الصَّغِيرُ؟ إِنَّ الطَّرِيقَ أَمَامَكَ مَسْدُودٌ، وَالْغَابَةَ السِّحْرِيَّةَ مَا هِيَ إِلَّا خُرَافَةٌ لِيَهْلِكَ أَمْثَالُكَ، عُدْ أَدْرَاجَكَ فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ السِّبَاعَ!". لَمْ يَنْخَدِعْ رَامِي بِتَظَاهُرِ الذِّئْبِ بِالرَّحْمَةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ أَنَّ هَذَا الْمَاكِرَ يُرِيدُ تَعْطِيلَهُ لِيَنْفَرِدَ بِهِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. رَدَّ رَامِي بِلَبَاقَةٍ: "أَشْكُرُ نُصْحَكَ أَيُّهَا السَّيِّدُ، وَلَكِنَّنِي رَأَيْتُ نَسْراً يُحَلِّقُ فَوْقَنَا وَقَدْ أَوْصَانِي أَنْ لَا أَتَوَقَّفَ لِأَنَّ صَيَّاداً يَقْتَفِي أَثَرِي". ارْتَبَكَ الذِّئْبُ حِينَمَا سَمِعَ طَارِي الصَّيَّادِ وَالْفَضَاءَ، فَهَرَبَ بَيْنَ الأَشْجَارِ، بَيْنَمَا انْطَلَقَ رَامِي كَالسَّهْمِ مُسْتَغِلّاً لَحْظَةَ انْشِغَالِهِ.
بَعْدَ مَسِيرِ يَوْمٍ كَامِلٍ، وَقَفَ رَامِي أَمَامَ نَهْرٍ عَاتٍ، تَهْدِرُ مِيَاهُهُ بِقُوَّةٍ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ جِسْرٌ لِلْعُبُورِ. وَفِيمَا هُوَ غَارِقٌ فِي حِيرَتِهِ، رَأَى سُلَحْفَاةً عَجُوزاً تَجْلِسُ عَلَى ضِفَّةِ النَّهْرِ وَعَلَى وَجْهِهَا سَحَابَةٌ مِنَ الْحُزْنِ. اقْتَرَبَ مِنْهَا رَامِي وَسَأَلَهَا عَنْ حَالِهَا، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ صِغَارَهَا ضَلُّوا الطَّرِيقَ فِي الْجَانِبِ الآخَرِ مِنَ الضِّفَّةِ وَهِيَ لَا تَقْوَى عَلَى سُرْعَةِ التَّيَّارِ وَحْدَهَا. بِلَا تَرَدُّدٍ، قَضَى رَامِي سَاعَاتٍ فِي الْبَحْثِ وَالتَّسَلُّقِ حَتَّى عَثَرَ عَلَى الصِّغَارِ عَالِقِينَ بَيْنَ الصُّخُورِ، وَسَاعَدَهُمْ بِرِفْقٍ لِلْعَوْدَةِ إِلَى أُمِّهِمْ. وَتَقْدِيراً لِشَهَامَتِهِ، طَلَبَتْ مِنْهُ السُّلَحْفَاةُ أَنْ يَرْكَبَ عَلَى صَدَفَتِهَا الْقَوِيَّةِ، وَخَاضَتْ بِهِ عُبَابَ النَّهْرِ حَتَّى أَوْصَلَتْهُ إِلَى الضِّفَّةِ الْمَنْشُودَةِ بَأَمَانٍ.
عِنْدَمَا أَسْدَلَ اللَّيْلُ سِتَارَهُ، وَبَدَأَتْ أَصْوَاتُ الْبُومِ وَالرِّيحِ تَعْزِفُ لَحْناً مَقْبِضاً، شَعَرَ رَامِي بِالْخَوْفِ يَتَسَلَّلُ إِلَى قَلْبِهِ. تَذَكَّرَ حِينَئِذٍ صَوْتَ جَدَّتِهِ الْحَنُونَ وَهِيَ تَقُولُ: "يَا بُنَيَّ، الشَّجَاعَةُ لَيْسَتْ أَنْ لَا تَخَافَ، بَلْ أَنْ تَقْبَلَ خَوْفَكَ وَتَسِيرَ مَعَهُ حَتَّى يَتَلَاشَى". أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ، وَاسْتَحْضَرَ وُجُوهَ أَهْلِهِ الْعِطَاشِ، فَاسْتَمَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً مَكَّنَتْهُ مِنَ الصُّمُودِ حَتَّى انْبَلَجَ الصُّبْحُ، لِيَجِدَ نَفْسَهُ أَمَامَ مَشْهَدٍ يَحْبِسُ الأَنْفَاسَ.
لَقَدْ وَصَلَ إِلَى الْغَابَةِ السِّحْرِيَّةِ. كَانَتِ الأَرْضُ مَفْرُوشَةً بِأَزْهَارٍ تُضِيءُ بِنَفْسِهَا، وَالأَشْجَارُ تَمِيلُ مَعَ النَّسِيمِ كَأَنَّهَا تُؤَدِّي رَقْصَةً صَامِتَةً. وَفِي مَرْكَزِ هَذَا الْبَهَاءِ، انْتَصَبَتْ شَجَرَةٌ عِمْلَاقَةٌ تَمْتَدُّ أَغْصَانُهَا نَحْوَ السَّمَاءِ، تَتَدَلَّى مِنْهَا ثِمَارٌ ذَهَبِيَّةٌ تَخْطَفُ الأَبْصَارَ. وَفَجْأَةً، تَجَسَّدَ نُورٌ أَبْيَضُ أَمَامَ الشَّجَرَةِ، وَظَهَرَتْ جِنِّيَّةُ الْغَابَةِ بِرِدَاءٍ مِنَ الضَّوْءِ، وَقَالَتْ بِنَبْرَةٍ تَمْلَؤُهَا الْحِكْمَةُ: "مَرْحَباً بِكَ يَا رَامِي، لَقَدْ رَاقَبْتُ رِحْلَتَكَ مُنْذُ خُطْوَتِكَ الأُولَى. شَجَاعَتُكَ أَوْصَلَتْكَ، وَلَكِنَّ قَلْبَكَ هُوَ مَنْ سَيُقَرِّرُ نِهَايَةَ الْقِصَّةِ. لَكَ ثَمَرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَأُمْنِيَةٌ وَاحِدَةٌ، فَمَاذَا تَخْتَارُ؟".
لَحْظَتَهَا، تَرَاءَتْ لِرَامِي صُوَرُ السَّلْطَنَةِ، وَالْقُصُورِ، وَتِلالِ الْجَزَرِ الَّتِي لَا تَنْتَهِي، لَكِنَّ كُلَّ هَذِهِ الأَطْمَاعِ ذَابَتْ حِينَمَا تَذَكَّرَ مَنْظَرَ الأَرَانِبِ الصَّغِيرَةِ فِي قَرْيَتِهِ وَهِيَ تَبْحَثُ عَنْ قَطْرَةِ مَاءٍ. جَثَا رَامِي عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَقَالَ بِيَقِينٍ: "أَيَّتُهَا السَّيِّدَةُ، لَا أُرِيدُ جَاهاً وَلَا مَالاً، أَتَمَنَّى فَقَطْ أَنْ يَعُودَ الْغَيْثُ إِلَى دِيَارِي، وَأَنْ تَخْضَرَّ الأَرْضُ لِيَشْبَعَ مَنْ أَحِبُّ".
ابْتَسَمَتِ الْجِنِّيَّةُ ابْتِسَامَةً أَشْرَقَتْ لَهَا الْغَابَةُ، وَقَالَتْ: "لِأَنَّكَ آثَرْتَ غَيْرَكَ عَلَى نَفْسِكَ، فَقَدْ نِلْتَ بَرَكَةَ الْغَابَةِ السِّحْرِيَّةِ". قَدَّمَتْ لَهُ ثَمَرَةً ذَهَبِيَّةً مُتَوَهِّجَةً، وَبِمُجَرَّدِ أَنْ أَمْسَكَهَا، شَعَرَ بِيَنَابِيعَ مِنَ الطَّاقَةِ تَسْرِي فِي جَسَدِهِ. قَفَلَ رَامِي رَاجِعاً، وَكَأَنَّ الأَرْضَ تُطْوَى تَحْتَ قَدَمَيْهِ طَيّاً، وَمَا إِنْ وَطِئَتْ أَقْدَامُهُ حُدُودَ قَرْيَتِهِ حَتَّى تَكَاثَفَتِ السُّحُبُ السَّوْدَاءُ، وَهَطَلَ الْمَطَرُ مِدْرَاراً، لِيُنْعِشَ الْقُلُوبَ وَالأَرْضَ مَعاً.
اسْتَقْبَلَهُ أَهْلُ الْقَرْيَةِ اسْتِقْبَالَ الأَبْطَالِ، لَيْسَ فَقَطْ لِأَنَّهُ أَنْقَذَهُمْ مِنَ الْهَلَاكِ، بَلْ لِأَنَّهُ عَلَّمَهُمْ دَرْساً لَنْ يَنْسُوهُ أَبَداً: أَنَّ الصَّغِيرَ بِجُسْمِهِ قَدْ يَكُونُ عَظِيماً بِفِعْلِهِ، وَأَنَّ الشَّجَاعَةَ الْحَقِيقِيَّةَ هِيَ الَّتِي تَنْبُعُ مِنَ الْحُبِّ وَالإِيثَارِ، وَأَنَّ مَنْ يَسْعَى لِخَيْرِ النَّاسِ، يُسَخِّرُ اللَّهُ لَهُ الْكَوْنَ بِأَسْرِهِ لِيُعِينَه. وَهَكَذَا، ظَلَّتْ قِصَّةُ رَامِي تُرْوَى لِلأَجْيَالِ، مَنَارَةً تَهْدِي كُلَّ نَفْسٍ طَامِحَةٍ لِصُنْعِ الْمُسْتَحِيلِ.