الثعلب الذكي والأسد المكار

 الثَّعْلَبُ الذَّكِيُّ وَالأَسَدُ الْمَكَّارُ

الثعلب الذكي والأسد المكار

فِي غَابَةٍ بَعِيدَةٍ أَرْضُهَا مَكْسُوَّةٌ بِبِسَاطٍ مِنَ الأَعْشَابِ الْخَضْرَاءِ، وَأَشْجَارُهَا طَوِيلَةٌ تُعَانِقُ السَّحَابَ، كَانَ يَعِيشُ أَسَدٌ عَجُوزٌ يُدْعَى سُلْطَانَ. قَضَى سُلْطَانُ عُمُرَهُ مَلِكاً مَهَاباً، تَرْتَعِدُ الْفَرَائِصُ لِزَئِيرِهِ، وَتَهْرُبُ الْغِزْلَانُ مِنْ ظِلِّهِ. لَكِنَّ دَوَامَ الْحَالِ مِنَ الْمُحَالِ، فَقَدْ نَالَ الشَّيْبُ مِنْ لِبْدَتِهِ، وَوَهَنَ الْعَظْمُ مِنْ جَسَدِهِ، فَأَصْبَحَتْ أَنْيَابُهُ كَلِيلَةً وَمَخَالِبُهُ ضَعِيفَةً، وَلَمْ يَعُدْ قَادِراً عَلَى مُطَارَدَةِ فَرِيسَةٍ أَوْ خَوْضِ مَعْرَكَةٍ. كَانَ الْجُوعُ يَقْرِصُ مَعِدَتَهُ قَرْصاً، فَيَقْضِي لَيْلَهُ مُفَكِّراً فِي حِيلَةٍ تَمْلأُ بَطْنَهُ دُونَ عَنَاءٍ، فَلاَ عَقْلَ لِلْمَلِكِ إِذَا جَاعَ إِلاَّ فِي الصَّيْدِ.

وَفِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ، اسْتَلْقَى سُلْطَانُ فِي عَرِينِهِ الْمُظْلِمِ وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: "إِنَّ جَسَدِي قَدْ خَانَنِي، لَكِنَّ عَقْلِي لَمْ يَخُنِّي بَعْدُ، سَأَجْعَلُ الطَّعَامَ يَسْعَى إِلَيَّ بِقَدَمَيْهِ بَدَلاً مِنْ أَنْ أَسْعَى إِلَيْهِ". وَمَعَ خُيُوطِ الْفَجْرِ الأُولَى، اسْتَدْعَى الْبَبَّغَاءَ الْمُلَوَّنَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَطِيرَ فِي أَرْجَاءِ الْغَابَةِ وَيَنْشُرَ خَبَراً مَحْزُوناً بَيْنَ الرَّعِيَّةِ. طَارَ الْبَبَّغَاءُ وَهُوَ يَصِيحُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "يَا مَعْشَرَ الْحَيَوَانَاتِ، يَا سُكَّانَ الْغَابَةِ الْكِرَامِ، إِنَّ مَلِكَكُمُ الْعَظِيمَ سُلْطَانَ قَدْ نَزَلَ بِهِ مَرَضٌ شَدِيدٌ، وَهُوَ الآنَ طَرِيحُ الْفِرَاشِ يَنْتَظِرُ زِيَارَتَكُمْ لِيُوَدِّعَكُمْ وَيَسْمَعَ دُعَاءَكُمْ، فَهَلُمُّوا إِلَيْهِ بَرّاً بِهِ وَوَفَاءً لِعَهْدِهِ".

مَا إِنْ سَمِعَتِ الْحَيَوَانَاتُ الْخَبَرَ حَتَّى خَيَّمَ الْحُزْنُ عَلَيْهَا، وَاجْتَمَعَتْ زَرَافَاتٍ وَوُحْدَاناً عِنْدَ الصَّخْرَةِ الْكَبِيرَةِ. قَالَ الْغَزَالُ الصَّغِيرُ وَقَلْبُهُ يَرْجُفُ: "إِنَّهُ مَلِكُنَا، وَمِنَ الْوَاجِبِ أَنْ نَعُودَهُ فِي مَرَضِهِ"، وَأَيَّدَهُ الأَرْنَبُ وَالْخَرُوفُ، رَغْمَ تَحْذِيرَاتِ الْمَاعِزِ الْحَكِيمَةِ الَّتِي ارْتَابَتْ فِي الأَمْرِ. وَهَكَذَا، وُضِعَ جَدْوَلٌ لِلزِّيَارَاتِ لِيَدْخُلَ كُلُّ حَيَوَانٍ بِمُفْرَدِهِ حَتَّى لاَ يُزْعِجُوا الْمَلِكَ الْمَرِيضَ. فِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ، دَخَلَ الْغَزَالُ الرَّشِيقُ إِلَى الْعَرِينِ بِخُطُواتٍ هَادِئَةٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ قَطُّ. وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي، دَخَلَتِ الْمَاعِزُ لِتُقَدِّمَ مَوَاسَاتَهَا، فَلَحِقَتْ بِالْغَزَالِ. وَتَلَاهُمَا الْخَرُوفُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي دَخَلَتْ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ وَانْتَهَتْ فِي مَعِدَةِ الأَسَدِ الْمَاكِرِ الَّذِي كَانَ يَسْتَقْبِلُهُمْ بِتَمَاثُلِ الْمَرَضِ، ثُمَّ يَنْقَضُّ عَلَيْهِمْ بِمَا تَبَقَّى لَهُ مِنْ قُوَّةٍ.

كَانَ الثَّعْلَبُ "ذَكِيٌّ" يُرَاقِبُ الْمَشْهَدَ مِنْ بَعِيدٍ بِعَيْنَيْنِ ثَاقِبَتَيْنِ، فَقَدْ شَكَّ فِي صِدْقِ هَذَا الْمَرَضِ الْمُفَاجِئِ. عِنْدَمَا جَاءَ دَوْرُهُ فِي الزِّيَارَةِ، مَشَى نَحْوَ عَرِينِ الأَسَدِ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، وَعِنْدَمَا وَصَلَ إِلَى الْمَدْخَلِ، لَمْ يَنْدَفِعْ إِلَى الدَّاخِلِ كَمَا فَعَلَ الآخَرُونَ، بَلْ وَقَفَ عَلَى مَسَافَةٍ آمِنَةٍ وَأَطْرَقَ بِرَأْسِهِ نَحْوَ الأَرْضِ يَتَفَحَّصُ رِمَالَهَا. هُنَا خَرَجَ صَوْتُ الأَسَدِ مِنْ دَاخِلِ الظُّلْمَةِ، صَوْتاً مَبْحُوحاً مُتَعَثِّراً يَقُولُ: "تَعَالَ يَا صَدِيقِي الثَّعْلَبَ، لِمَاذَا تَقِفُ عِنْدَ الْبَابِ كَالْغَرِيبِ؟ اقْتَرِبْ مِنِّي فَإِنَّ صَوْتِي ضَعِيفٌ وَنَفَسِي قَصِيرٌ، أُرِيدُ أَنْ أُوصِيَكَ بِمَا يَنْفَعُ رَعِيَّتِي بَعْدَ مَوْتِي".

رَفَعَ الثَّعْلَبُ رَأْسَهُ وَقَدْ لَمَعَتْ فِي عَيْنَيْهِ شَرَارَةُ الْفِطْنَةِ، وَقَالَ بِأَدَبٍ جَمٍّ: "عُذْراً يَا مَوْلاَيَ الْمَلِكَ، فَأَنَا أَوَدُّ الدُّخُولَ حَقّاً لِمُوَاسَاتِكَ، لَكِنَّنِي رَأَيْتُ أَمْراً جَعَلَ قَدَمَيَّ تَتَسَمَّرَانِ فِي مَكَانِهِمَا. لَقَدْ نَظَرْتُ إِلَى الأَرْضِ فَرَأَيْتُ آثَارَ أَقْدَامِ كَثِيرَةٍ تَتَّجِهُ نَحْوَ دَاخِلِ عَرِينِكَ، لَكِنَّنِي -وَيَا لَلْعَجَبِ- لَمْ أَرَ أَثَرَ قَدَمٍ وَاحِدَةٍ تَعُودُ أَوْ تَخْرُجُ مِنْهُ! فَكَيْفَ لِي أَنْ أَدْخَلَ مَكَاناً يَعْرِفُ الْجَمِيعُ طَرِيقَ الدُّخُولِ إِلَيْهِ، وَلاَ يَعْرِفُ أَحَدٌ كَيْفَ يَخْرُجُ مِنْهُ؟".

صُعِقَ الأَسَدُ مِنْ فِطْنَةِ الثَّعْلَبِ، وَحَاوَلَ النُّهُوضَ لِيُمْسِكَ بِهِ، لَكِنَّ الثَّعْلَبَ كَانَ أَسْرَعَ مِنَ الرِّيحِ، فَقَدْ وَلَّى مُدْبِراً وَهُوَ يَصِيحُ فِي الْغَابَةِ مُحَذِّراً بَقِيَّةَ الْحَيَوَانَاتِ: "الْحَذَرَ الْحَذَرَ! إِنَّ الْعَرِينَ مَقْبَرَةٌ وَلَيْسَ مَشْفَى!". انْتَشَرَ الْخَبَرُ كَالنَّارِ فِي الْهَشِيمِ، فَاجْتَنَبَتِ الْحَيَوَانَاتُ الأَسَدَ تَمَاماً، وَبَقِيَ سُلْطَانُ وَحِيداً مُنْعَزِلاً يَأْكُلُهُ الْجُوعُ وَالنَّدَمُ، فَلَمْ يَنْفَعْهُ مَكْرُهُ حِينَ كُشِفَتْ حِيلَتُهُ. وَمِنْ ذَلِكَ الْحِينِ، صَارَ الثَّعْلَبُ مَضْرِبَ الْمَثَلِ فِي الذَّكَاءِ، وَتَعَلَّمَ الْجَمِيعُ أَنَّ الْعَقْلَ هُوَ الدِّرْعُ الَّذِي يَقِي صَاحِبَهُ مِنَ الْمَهَالِكِ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَنْظُرْ فِي الْعَوَاقِبِ، مَا أَمِنَ النَّوَائِبَ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم