الْغُرَابُ الْحَكِيمُ وَالْعُصْفُورُ الْحَبِيسُ

الْغُرَابُ الْحَكِيمُ وَالْعُصْفُورُ الْحَبِيسُ

فِي قَلْبِ غَابَةٍ كَثِيفَةِ الْأَشْجَارِ، تَلُفُّهَا الظِّلَالُ الْوَرِيفَةُ وَتَزِينُهَا الْأَزْهَارُ الْمُلَوَّنَةُ، كَانَ يَعِيشُ غُرَابٌ صَغِيرٌ يُدْعَى "غَرِيبًا". كَانَ غَرِيبٌ يَمْلِكُ جَنَاحَيْنِ قَوِيَّيْنِ بِلَوْنِ اللَّيْلِ الدَّامِسِ، وَعَيْنَيْنِ ثَاقِبَتَيْنِ تَلْمَعَانِ بِالذَّكَاءِ، لَكِنَّ قَلْبَهُ كَانَ مَلِيئًا بِالْإِعْجَابِ بِكُلِّ مَا هُوَ مُخْتَلِفٌ عَنْهُ. كَانَ يَسْتَيْقِظُ كُلَّ صَبَاحٍ عَلَى زَقْزَقَةِ الْعَصَافِيرِ، فَيُحَاوِلُ أَنْ يُغَرِّدَ مِثْلَهَا، لَكِنَّ صَوْتَهُ كَانَ يَخْرُجُ خَشِنًا جَهُورِيًّا يُدَوِّي بَيْنَ الْأَغْصَانِ: "كَامْ.. كَامْ.. كَامْ!"، فَيَشْعُرُ بِالْخَجَلِ وَيَصْمُتُ.

وَفِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، بَيْنَمَا كَانَتْ أَشِعَّةُ الشَّمْسِ الذَّهَبِيَّةِ تَتَسَلَّلُ بَيْنَ الْأَوْرَاقِ، سَمِعَ غَرِيبٌ لَحْنًا سَاحِرًا لَمْ يَسْمَعْ مِثْلَهُ مِنْ قَبْلُ. طَارَ مُتَّجِهًا نَحْوَ مَصْدَرِ الصَّوْتِ بِفُضُولٍ شَدِيدٍ، فَوَجَدَ عُصْفُورًا صَغِيرًا يَقِفُ عَلَى غُصْنِ شَجَرَةِ يَاسَمِينٍ، رِيشُهُ يَلْمَعُ كَالذَّهَبِ الْخَالِصِ، وَصَوْتُهُ يَنْسَابُ كَجَدْوَلِ مَاءٍ رَقْرَاقٍ. اقْتَرَبَ غَرِيبٌ بِتَوَاضُعٍ وَحَيَّاهُ قَائِلًا: "مَا أَجْمَلَ صَوْتَكَ أَيُّهَا الْعُصْفُورُ! لَيْتَنِي أَمْلِكُ مِثْلَ حَنْجَرَتِكَ الذَّهَبِيَّةِ". نَظَرَ الْعُصْفُورُ إِلَى الْغُرَابِ بِتَرَفُّعٍ وَكِبْرِيَاءٍ، ثُمَّ نَفَضَ رِيشَهُ وَقَالَ بِسُخْرِيَةٍ: "أَتَقْرِنُ نَفْسَكَ بِي أَيُّهَا الْغُرَابُ الْأَسْوَدُ؟ إِنَّ صَوْتَكَ يَبْعَثُ عَلَى الْقَلَقِ، وَلَوْنَكَ قَاتِمٌ كَالْغُيُومِ الْمُمْطِرَةِ، ابْتَعِدْ عَنِّي فَلَيْسَ لِمِثْلِكَ أَنْ يَقِفَ بِمَحْضَرِ الْجَمَالِ!"

انْكَسَرَ قَلْبُ غَرِيبٍ، وَطَارَ بَعِيدًا وَالدُّمُوعُ تَكَادُ تَطْفِرُ مِنْ عَيْنَيْهِ. جَلَسَ فَوْقَ صَخْرَةٍ عَالِيَةٍ تُطِلُّ عَلَى نَهْرٍ صَافٍ، وَأَخَذَ يَتَأَمَّلُ انْعِكَاسَ صُورَتِهِ فِي الْمَاءِ، قَائِلًا بِنَبْرَةٍ حَزِينَةٍ: "لِمَاذَا خَلَقَنِيَ اللهُ بِهَذَا الرِّيدَاءِ الْأَسْوَدِ؟ وَلِمَاذَا جَعَلَ صَوْتِي غَلِيظًا لَا يُطْرِبُ أَحَدًا؟". ظَلَّ غَرِيبٌ أَيَّامًا يَتَجَنَّبُ الطُّيُورَ، وَيَقْضِي وَقْتَهُ وَحِيدًا، يَشْعُرُ بِأَنَّهُ أَقَلُّ شَأْنًا مِنْ بَقِيَّةِ سُكَّانِ الْغَابَةِ.

مَضَتِ الْأَسَابِيعُ، وَفِي ظَهِيرَةِ يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرَارَةِ، حَلَّقَ غَرِيبٌ بَعِيدًا عَنْ حُدُودِ غَابَتِهِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ. وَبَيْنَمَا كَانَ يَمُرُّ بِجَانِبِ نَافِذَةِ مَنْزِلٍ كَبِيرٍ، سَمِعَ أَنِينًا حَزِينًا وَتَغْرِيدًا مَكْسُورًا. اقْتَرَبَ بِحَذَرٍ وَأَطَلَّ بَرَأْسِهِ، فَكَانَتِ الْمُفَاجَأَةُ الَّتِي أَلْجَمَتْ لِسَانَهُ؛ لَقَدْ رَأَى الْعُصْفُورَ الذَّهَبِيَّ نَفْسَهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَمَايَلُ عَلَى أَغْصَانِ الشَّجَرِ، بَلْ كَانَ سَجِينًا خَلْفَ قُضْبَانِ قَفَصٍ ذَهَبِيٍّ ضَيِّقٍ. كَانَ الْعُصْفُورُ يَمُدُّ مِنْقَارَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ وَيَقُولُ بِبُكَّاءٍ: "وَا حَسْرَتَاهُ عَلَى طَيَرَانِي! مَا نَفْعُ هَذَا الذَّهَبِ الَّذِي يُحِيطُ بِي وَأَنَا لَا أَمْلِكُ أَنْ أَفْرِدَ جَنَاحَيَّ؟ لَيْتَنِي كُنْتُ أَقْبَحَ الطُّيُورِ وَأَكْثَرَهَا خُشُونَةً فَقَطْ لِأَسْتَعِيدَ حُرِّيَّتِي!"

تَوَقَّفَ غَرِيبٌ طَوِيلًا، وَتَأَمَّلَ حَالَ ذَلِكَ الْعُصْفُورِ الَّذِي كَانَ يَتَكَبَّرُ بِجَمَالِهِ. نَظَرَ إِلَى جَنَاحَيْهِ السَّوْدَاوَيْنِ اللَّذَيْنِ يَحْمِلَانِهِ حَيْثُ يَشَاءُ، وَإِلَى الْفَضَاءِ الْوَاسِعِ الَّذِي يَنْتَظِرُهُ، فَنَطَقَ بِيَقِينٍ وَحِكْمَةٍ: "الْآنَ عَرَفْتُ قَدْرَ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيَّ! أَنْ أَكُونَ غُرَابًا حُرًّا، أَطِيرُ بَيْنَ السَّحَابِ، وَأَبْحَثُ عَنْ طَعَامِي بِكَدِّي، وَأَصْرُخُ بِصَوْتِي الْخَشِنِ كَيْفَمَا شِئْتُ، خَيْرٌ لِي أَلْفَ مَرَّةٍ مِنْ أَنْ أَكُونَ جَمِيلًا مَسْلُوبَ الْإِرَادَةِ فِي سِجْنٍ مَهْمَا غَلَا ثَمَنُهُ". ثُمَّ رَفْرَفَ بِجَنَاحَيْهِ بِقُوَّةٍ، وَانْطَلَقَ فِي أَعَالِي السَّمَاءِ، مُطْلِقًا صَيْحَتَهُ الشَّهِيرَةَ "كَامْ.. كَامْ!"، لَكِنَّهَا هَذِهِ الْمَرَّةَ لَمْ تَكُنْ صَيْحَةَ حُزْنٍ، بَلْ كَانَتْ نَشِيدًا لِلْحُرِّيَّةِ وَالرِّضَا، وَهُوَ يَقُولُ: "أَنَا غَرِيبٌ.. أَنَا حُرٌّ.. وَالْحُرِّيَّةُ هِيَ أَجْمَلُ أَلْوَانِ الْحَيَاةِ".


الْغُرَابُ الصَّغِيرُ وَالْحُرِّيَّةُ

فِي غَابَةٍ خَضْرَاءَ كَبِيرَةٍ، كَانَ يَعِيشُ غُرَابٌ نَشِيطٌ اسْمُهُ "غَرِيبٌ". كَانَ لَدَى غَرِيبٍ رِيشٌ أَسْوَدُ لَامِعٌ وَمِنْقَارٌ قَوِيٌّ. كَانَ غَرِيبٌ يُحِبُّ أَنْ يَطِيرَ عَالِيًا وَيَصِيحَ بِصَوْتِهِ الْقَوِيِّ: "كَامْ.. كَامْ.. كَامْ!". 

فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، رَأَى غَرِيبٌ عُصْفُورًا جَمِيلًا جِدًّا، لَوْنُهُ أَصْفَرُ مِثْلَ الذَّهَبِ. كَانَ الْعُصْفُورُ يُغَنِّي بِصَوْتٍ نَاعِمٍ وَرَقِيقٍ. قَالَ غَرِيبٌ فِي نَفْسِهِ: "يَا لَيْتَنِي جَمِيلٌ مِثْلَ هَذَا الْعُصْفُورِ! لِمَاذَا لَوْنِي أَسْوَدُ وَصَوْتِي خَشِنٌ؟". حَزِنَ غَرِيبٌ وَظَنَّ أَنَّ الْجَمَالَ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ.

طَارَ غَرِيبٌ بَعِيدًا حَتَّى وَصَلَ إِلَى بَيْتٍ جَمِيلٍ. نَظَرَ مِنَ النَّافِذَةِ، فَوَجَدَ مُفَاجَأَةً! لَقَدْ رَأَى الْعُصْفُورَ الذَّهَبِيَّ نَفْسَهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ سَعِيدًا. كَانَ الْعُصْفُورُ مَحْبُوسًا دَاخِلَ قَفَصٍ صَغِيرٍ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَطِيرَ، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَلْعَبَ مَعَ أَصْدِقَائِهِ فِي الْغَابَةِ.

كَانَ الْعُصْفُورُ يَبْكِي وَيَقُولُ: "أَنَا حَزِينٌ.. أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى السَّمَاءِ الْوَاسِعَةِ! أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ حُرًّا!".

عِنْدَهَا فَهِمَ غَرِيبٌ أَمْرًا مُهِمًّا جِدًّا. فَرَدَ جَنَاحَيْهِ السَّوْدَاوَيْنِ بِقُوَّةٍ، وَطَارَ عَالِيًا جِدًّا حَتَّى لَمَسَ السَّحَابَ. صَاحَ غَرِيبٌ بِفَرَحٍ: "كَامْ.. كَامْ! أَنَا مَحْظُوظٌ جِدًّا! لَوْنِي أَسْوَدُ لَكِنِّي حُرٌّ. صَوْتِي خَشِنٌ لَكِنِّي أَطِيرُ أَيْنَمَا أُرِيدُ!".

عَادَ غَرِيبٌ إِلَى غَابَتِهِ وَهُوَ يُحِبُّ نَفْسَهُ كَثِيرًا، وَعَرَفَ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ هِيَ أَجْمَلُ كَنْزٍ فِي الدُّنْيَا.

إرسال تعليق

أحدث أقدم