الأرنب الذكي

الأرنب الذكي

الأرنب الذكي

في غابةٍ واسعةٍ جداً، تمتدُّ فيها الأشجارُ العاليةُ وتتشابكُ فيها الأغصانُ الخضراءُ، كان هناك نمرٌ قويٌّ يسيرُ متبختراً بجمالِ جِلدِهِ المنقّطِ، باحثاً عن مغامرةٍ جديدةٍ. وأثناءَ سيره بخطواتٍ واثقةٍ بين الحشائشِ الطويلةِ، لمحَ أرنباً صغيراً يجلسُ بهدوءٍ شديدٍ وسكينةٍ تحتَ ظِلالِ شجرةٍ ضخمةٍ وكبيرةٍ.

اقتربَ النمرُ من الأرنبِ بفضولٍ كبيرٍ وسأله بصوتٍ عالٍ: "ماذا تفعلُ هنا أيها الأرنبُ الصغيرُ؟ ولماذا تجلسُ وحيداً تحت هذه الشجرةِ؟". نظرَ الأرنبُ الذكيُّ إلى النمرِ بعينينِ لامعتينِ، ولم يظهرْ عليه الخوفُ، بل أجابهُ بهدوءٍ وثباتٍ: "أهلاً بكَ أيها النمرُ القويُّ، أنا لا ألعبُ هنا، بل أنا في مهمةٍ رسميةٍ وخطيرةٍ، أنا أحرسُ هذا القُرصَ النحاسيَّ العجيبَ المعلّقَ فوقَ رأسي، فقد طُلِبَ مني ألا يلمسهُ أحدٌ أبداً؛ لأنَّ صوتهُ عالٍ جداً جداً، وإذا صدرَ منه صوتٌ فإنه سيزعجُ الغابةَ كلَّها ويوقظُ كلَّ من فيها من نومهم".

رَفَعَ الأرنبُ يدَهُ الصغيرةَ وأشارَ نحو الأعلى، حيث كان هناك شيءٌ مستديرٌ يلمعُ لمعاناً شديداً تحت ضوءِ الشمسِ المتسللِ من بين الأوراقِ، وكان معلّقاً بإحكامٍ في أحدِ أغصانِ الشجرةِ الكبيرةِ. كانت الحيواناتُ الأخرى تمرُّ من بعيدٍ وتنظرُ إليه في خوفٍ ورهبةٍ.

ابتسمَ الأرنبُ بمكرٍ وقال للنمرِ: "بما أنكَ ملكٌ قويٌّ وشجاعٌ، فأنتَ تستطيعُ أن تضربَ عليه بنفسِكَ لتسمعَ صوتهُ القويَّ العالي الذي لا يجرؤُ أحدٌ غيركَ على سماعهِ. ولكنني، ولأنني أرنبٌ صغيرٌ ورقيقٌ، سأذهبُ بعيداً جداً قبل أن تفعلَ ذلك؛ لأنَّ صوتهُ القويَّ يؤلمُ أذنيَّ الصغيرتينِ ويجعلُ عينيَّ تدمعانِ من شدتهِ".

شعرَ النمرُ بالغرورِ والافتخارِ بنفسِهِ، وأرادَ حقاً أن يُثبتَ شجاعتهُ ويسمعَ ذلك الصوتَ العظيمَ. فقال للأرنبِ بغطرسةٍ: "حسناً يا صغيري، ابتعدْ أنتَ الآنَ بسرعةٍ، لأنني سأضربُ القُرصَ بكلِّ قوتي ولن أخشى أحداً". وبالفعلِ، جرى الأرنبُ بسرعةِ الريحِ وابتعدَ حتى اختفى تماماً عن الأنظارِ.

وعندما تأكدَ النمرُ أنَّ الأرنبَ قد صارَ بعيداً، رفعَ مخلبهُ القويَّ وضربَ ذلك الشيءَ اللامعَ بكلِّ ما أوتيَ من عزمٍ. وفجأةً، لم يصدر صوتُ رنينٍ نحاسيٍّ، بل تمزّقَ الغلافُ وتناثرت الأجزاءُ، وظهرتِ الحقيقةُ الصادمةُ! لم يكن ذلك قُرصاً نحاسياً أبداً، بل كان قُرصاً ضخماً من أَقراصِ النحلِ المليئةِ بالعسلِ والآلافِ من النحلِ الغاضبِ!!

وفي الحالِ، هجمَ النحلُ على النمرِ ولدغهُ لدغاتٍ قويةً ومتتاليةً في كلِّ مكانٍ، مما جعلَ النمرَ القويَّ يصرخُ ويقفزُ من شدةِ الألمِ وهو يحاولُ الهربَ. تركتْ تلك اللدغاتُ علاماتٍ واضحةً وبثوراً حمراءَ على وجهِ النمرِ وجسمهِ، وظلت هذه العلاماتُ لعدةِ أيامٍ تُذكّرُهُ دائماً بذكاءِ الأرنبِ الصغيرِ، وكيف استطاعَ بحيلتهِ الذكيةِ أن يهربَ بسلامٍ ويتركَ النمرَ المغرورَ يتعلمُ درساً لن ينساهُ أبداً.

إرسال تعليق

أحدث أقدم