أسرار عمار

أسرار عمار

في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، عاش رجل من كبار الأعيان يُدعى "عمار بن عمران". كان عمار رجلاً طيب القلب، صاحب معروف وإحسان، لا يظلم إنساناً ولا حيواناً. كان يسكن في بلدة ريفية جميلة، ويملك مزرعة واسعة مليئة بحقول الخضر وأشجار الفاكهة وحدائق الزهور الملونة. وبسبب حبه لمزرعته، كان يتفقدها بنفسه دائماً ليتأكد من سلامة كل ما فيها.

في ليلة هادئة، وبينما كان عمار يتمشى قرب "الزريبة" حيث تنام الحيوانات، سمع همسات خافتة. اقترب ببطء من النافذة وأنصت جيداً، ليتفاجأ بأن الكلام يدور بين "الثور" و"الحمار". كان الثور يشكو حاله للحمار بحزن ويقول: "يا صديقي، أنت محظوظ جداً! يقدمون لك الشعير النظيف والفول المنقى، ويهتمون بمظهرك ببرذعة مزخرفة، بينما تقضي أيامك في راحة ونزهات قصيرة مع صاحب المزرعة بلا تعب".

ثم تنهد الثور وتابع بحسرة: "أما أنا، فبمجرد أن يلوح الفجر، يأخذني الحارس لأجر المحراث الثقيل أو أدير الساقية والطاحون طوال النهار تحت الشمس الحارقة، وأعود في المساء مهدوداً من التعب، وحتى طعامي لا يعتنون بنظافته مثلك".

أشفق الحمار على صديقه الثور وفكر في حيلة لمساعدته. قال له: "عندي لك رأي؛ غداً عندما يأتي الحارس، تظاهر بأنك مريض وضعيف جداً ولا تستطيع الحركة. حينها سيتركك لترتاح ويبحث عن حيوان آخر يقوم بعملك". أعجب الثور بالفكرة، وبالفعل في الصباح الباكر، وجده الحارس مطروحاً على الأرض يتظاهر بالمرض.

لكن عمار، الذي كان قد سمع حوارهما في الليل، فهم الحيلة فوراً. قال للحارس بذكاء: "اترك الثور ليرتاح اليوم، ولكن بما أننا نحتاج لتشغيل الطاحون، فخذ الحمار واجعله يعمل مكانه!". وهكذا، وجد الحمار نفسه يجر الطاحون الثقيل طوال النهار، وشعر بتعب شديد لم يذقه من قبل، وقال لنفسه بندم: "ما لي وللتدخل في شؤون غيري؟ لقد جنيتُ على نفسي!".

عندما عاد الحمار في المساء مرهقاً، وجد الثور في أحسن حال ومرتاح البال. خاف الحمار أن يظل يعمل مكان الثور للأبد، فقرر استخدام حيلة أخرى ليخرج من هذه الورطة. قال للثور: "يا صديقي، لقد سمعت صاحب المزرعة يقول للحارس إنه إذا ظل الثور مريضاً غداً، فسيحضره للجزار ليذبحه ويستفيد من لحمه!".

خاف الثور خوفاً شديداً وارتعدت فرائصه. وفي الفجر، وقبل أن يصل الحارس، قام الثور بنشاط وأكل كل طعامه. وعندما جاء الحارس، وجده مستعداً للعمل، فذهب به إلى الطاحون وسط دهشة الجميع وفرحة عمار بنجاح خطته.

كانت "أنوار"، زوجة عمار، تراقبه وهو يبتسم، فسألته عن سبب فرحه. أخبرها عمار أنه عرف حيلة الثور والحمار، لكنه رفض أن يفسر لها كيف عرف ذلك، قائلاً: "هذا سر من أسراري، لا أطلعك عليه". غضبت أنوار وحزنت لأن زوجها يخفي عنها سراً، وقررت الاعتكاف في غرفتها.

في تلك الأثناء، ذهب عمار ليتفقد "مزرعة الدواجن" التي كانت أنوار تهتم بها. هناك، سمع "الديك" يتحدث مع الكلب "سبع الليل". كان الديك يفتخر بقوته وسيطرته على الدجاجات، ويسخر من عمار لأنه لم يستطع إقناع زوجته بالخروج من غرفتها. نصح الكلبُ الديكَ أن يكون لطيفاً، فالقوة لا تُستخدم في الظلم.

تعلم عمار درساً من كلام الحيوانات، فعاد إلى زوجته أنوار وحاول مصالحتها. وعندما أصرت على معرفة السر، قال لها بذكاء إن هذا السر عرفه من "ساحر"، وإنه إذا باح به فقد يصيبه مكروه. خافت أنوار على زوجها بشدة وقالت له: "لا تبح بسرك أبداً! حياتك أغلى عندي من كل شيء". وهكذا، عادت السعادة إلى البيت، واحتفظ عمار بسره الذي عرفه بفضل قوة ملاحظته وذكائه في فهم ما يدور حوله.

إرسال تعليق

أحدث أقدم