جَمَالٌ وَدَرْسُ الأَمَانَةِ الثَّمِينِ
فِي غُرْفَتِهِ الصَّغِيرَةِ الهَادِئَةِ، جَلَسَ الطِّفْلُ الذَّكِيُّ جَمَالٌ وَهُوَ يَحْمِلُ حَصَّالَةَ نُقُودِهِ المُلَوَّنَةِ، وَقَدْ بَدَتْ عَلَيْهِ مَظَاهِرُ الحَمَاسِ الشَّدِيدِ. بَدَأَ جَمَالٌ فِي فَتْحِ الحَصَّالَةِ بِحِذْرٍ، وَبَيْنَمَا هُوَ مَشْغُولٌ بِذَلِكَ، دَخَلَتْ أُمُّهُ الحُجْرَةَ وَسَأَلَتْهُ بابتسامةٍ عَنْ سَبَبِ مَا يَفْعَلُ. أَجَابَهَا جَمَالٌ بِفَرَحٍ: "إِنَّنِي أُرِيدُ شِرَاءَ لُعْبَةٍ جَمِيلَةٍ أَعْجَبَتْنِي كَثِيرًا يَا أُمِّي". فَقَالَتِ الأُمُّ: "حَسَنًا يَا بُنَيَّ، وَلَكِنْ أُرِيدُ مِنْكَ أَنْ تَشْتَرِيَ لِي بَعْضَ الطَّلَبَاتِ بَعْدَ أَنْ تَشْتَرِيَ لُعْبَتَكَ"، فَوَافَقَ جَمَالٌ بِكُلِّ سُرُورٍ قَائِلاً: "سَأَفْعَلُ ذَلِكَ يَا أُمِّي الغَالِيَةَ".
انْطَلَقَ جَمَالٌ فِي الطَّرِيقِ نَحْوَ المَتْجَرِ، وَعِنْدَمَا وَصَلَ إِلَى مَحَلِّ اللُّعَبِ، وَقَفَ أَمَامَ الوَاجِهَةِ يُشَاهِدُ اللُّعْبَةَ الَّتِي تَمَنَّاهَا طَوِيلاً. لَكِنَّ فَرْحَتَهُ لَمْ تَدُمْ، فَقَدْ اكْتَشَفَ أَنَّ ثَمَنَ اللُّعْبَةِ قَدِ ارْتَفَعَ، وَأَنَّ مَا ادَّخَرَهُ مِن نُقُودٍ لَنْ يَكْفِيَ لِشِرَائِهَا. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، قَابَلَ صَدِيقَهُ يُوسُفَ، الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ وُقُوفِهِ حَزِينًا. حَكَى لَهُ جَمَالٌ عَنْ خَيْبَةِ أَمَلِهِ، فَنَصَحَهُ يُوسُفُ بِالصَّبْرِ قَائِلاً: "إِذَنْ عَلَيْكَ أَنْ تَنْتَظِرَ حَتَّى تُدَّخِرَ مَبْلَغًا أَكْبَرَ".
تَذَكَّرَ جَمَالٌ طَلَبَ أُمِّهِ، فَقَالَ لِيُوسُفَ: "عَلَيَّ أَنْ أَذْهَبَ الآنَ لِأَشْتَرِيَ بَعْضَ الطَّلَبَاتِ"، فَقَرَّرَ يُوسُفُ مُرَافَقَتَهُ قَائِلاً: "هَيَّا بِنَا سَأَذْهَبُ مَعَكَ". وَفِي المَحَلِّ، اشْتَرَى جَمَالٌ كُلَّ مَا طَلَبَتْهُ أُمُّهُ وَدَفَعَ الثَّمَنَ لِلْبَائِعِ، فَأَعْطَاهُ البَائِعُ بَاقِي النُّقُودِ. وَلَكِنْ، عِنْدَمَا خَرَجَ جَمَالٌ، تَوَقَّفَ فَجْأَةً بَعْدَمَا اكْتَشَفَ أَنَّ البَائِعَ قَدْ أَعْطَاهُ مَبْلَغًا أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا يَسْتَحِقُّ. أَخْبَرَ جَمَالٌ صَدِيقَهُ يُوسُفَ بِمَا حَدَثَ، فَلَمَعَتْ عَيْنَا يُوسُفَ فَرَحاً وَقَالَ بِنَبْرَةٍ مُغْرِيَةٍ: "هَذِهِ فُرْصَتُكَ يَا صَدِيقِي لِتَشْتَرِيَ اللُّعْبَةَ الَّتِي تُعْجِبُكَ".
وَقَفَ جَمَالٌ حَائِرًا وَبَدَأَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ: "هَلْ مِنَ الصَّوَابِ أَنْ آخُذَ نُقُودًا لَيْسَتْ مِنْ حَقِّي؟". ثُمَّ حَسَمَ أَمْرَهُ وَقَالَ بِقُوَّةٍ: "لَيْسَ مِنَ الأَمَانَةِ أَنْ آخُذَ هَذَا المَالَ". ثُمَّ تَرَكَ يُوسُفَ وَانْطَلَقَ مُسْرِعًا عَائِدًا إِلَى المَحَلِّ، وَرَدَّ إِلَى العَمِّ عَبْدِ اللهِ صَاحِبِ المَحَلِّ البَاقِي، فَشَكَرَهُ البَائِعُ كَثِيرًا.
عَادَ جَمَالٌ إِلَى بَيْتِهِ وَحَكَى لِأُمِّهِ وَأَبِيهِ عَمَّا حَدَثَ. قَالَتِ الأُمُّ بِفَخْرٍ: "أَنَا فَخُورَةٌ بِكَ يَا جَمَالُ"، وَأَثْنَى عَلَيْهِ أَبُوهُ قَائِلاً: "أَحْسَنْتَ يَا جَمَالُ". وَفِي المَسَاءِ، دُقَّ البَابُ، وَدَخَلَ يُوسُفُ وَمَعَهُ عُلْبَةٌ مِنَ الحَلْوَى، حَيْثُ أَخْبَرَهُ أَنَّ العَمَّ عَبْدَ اللهِ أَوْصَاهُ أَنْ يُوصِلَهَا لَهُ تَقْدِيرًا لِأَمَانَتِهِ. نَظَرَ يُوسُفُ إِلَى الأَرْضِ بِخَجَلٍ وَقَالَ: "إِنَّ مَا فَعَلْتُهُ كَانَ خَطَأً كَبِيرًا". فَقَالَ وَالِدُ جَمَالٍ: "إِنَّ نَدَمَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ هُوَ خَيْرُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ لَكَ ضَمِيرًا مُسْتَيْقِظًا". ثُمَّ نَظَرَ الأَبُ إِلَى جَمَالٍ وَقَالَ: "إِنَّ غَدًا يُوافِقُ عِيدَ مِيلَادِكَ يَا جَمَالُ، وَسَتَكُونُ هَدِيَّةُ مِيلَادِكَ هِيَ تِلْكَ اللَّحْظَةَ الَّتِي كُنْتَ تَرْغَبُ فِي شِرَائِهَا"، فَقَفَزَ جَمَالٌ مِنَ الفَرَحَةِ وَشَكَرَ وَالِدَهُ.