أَوَّلُ السَّبْعِ
فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ، كَانَ هُنَاكَ صَدِيقَانِ حَمِيمَانِ يَعِيشَانِ فِي قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ هَادِئَةٍ، هُمَا حَمْدَانُ وَسَالِمٌ. وَفِي صَبَاحِ يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، اسْتَيْقَظَ الصَّدِيقَانِ مَعَ زَقْزَقَةِ الْعَصَافِيرِ، وَقَرَّرَا الذَّهَابَ إِلَى الْمَدِينَةِ الْبَعِيدَةِ لِشِرَاءِ الْبُذُورِ وَالتَّقَاوِي اللاَّزِمَةِ لِزِرَاعَةِ حُقُولِهِمَا. رَكِبَ كُلٌّ مِنْهُمَا حِمَارَهُ، وَانْطَلَقَا فِي طَرِيقِهِمَا الطَّوِيلِ الَّذِي كَانَ يَسْتَغْرِقُ نِصْفَ يَوْمٍ مِنَ السَّيْرِ الْمُتَوَاصِلِ. وَبَيْنَمَا كَانَا فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ، اشْتَدَّتْ حَرَارَةُ الشَّمْسِ وَأَصْبَحَ الْجَوُّ قَائِظاً، فَلَمَحَا مَكَانًا جَمِيلًا تَكْثُرُ فِيهِ الْأَشْجَارُ الْخَضْرَاءُ الْبَاسِقَةُ، فَقَرَّرَا الِاسْتِرَاحَةَ فِي ظِلِّهَا الظَّلِيلِ.
مَا إِنْ جَلَسَ سَالِمٌ حَتَّى غَلَبَهُ النُّعَاسُ، فَاسْتَسْلَمَ لِنَوْمٍ عَمِيقٍ، أَمَّا حَمْدَانُ فَقَدْ ظَلَّ يَقْظَانَ يُرَاقِبُ مَنَاظِرَ الطَّبِيعَةِ مِنْ حَوْلِهِ. وَفَجْأَةً، اسْتَيْقَظَ سَالِمٌ وَهُوَ يَضْحَكُ وَيَمْسَحُ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لِصَدِيقِهِ: "يَا لَهُ مِنْ حُلْمٍ عَجِيبٍ يَا حَمْدَانُ! لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَنَامِي أَنَّ شَجَرَةً تَنْبُتُ فَوْقَ صَخْرَةٍ عَظِيمَةٍ، تَمَاماً مِثْلَ تِلْكَ الصَّخْرَةِ الَّتِي نَرَاهَا أَمَامَنَا، وَكَانَ هُنَاكَ طَائِرُ سَنُونُو صَغِيرٌ يَطِيرُ حَوْلَهَا وَيُنَادِينِي قَائِلًا: احْفِرْ هُنَا.. احْفِرْ هُنَا! وَعِنْدَمَا بَدَأْتُ الْحَفْرَ، وَجَدْتُ جَرَّةً فَخَّارِيَّةً مَلِيئَةً بِالذَّهَبِ اللَّامِعِ". أَطْرَقَ حَمْدَانُ يُفَكِّرُ فِيمَا سَمِعَ، وَشَعَرَ أَنَّ هَذَا الْحُلْمَ رُبَّمَا يَكُونُ حَقِيقَةً، فَشَجَّعَ صَدِيقَهُ عَلَى الْحَفْرِ، لَكِنَّ سَالِماً كَانَ مَيَّالًا لِلْكَسَلِ، فَقَالَ: "لَنْ أُتْعِبَ نَفْسِي فِي الْحَفْرِ تَحْتَ هَجِيرِ الشَّمْسِ مِنْ أَجْلِ خَيَالٍ". عِنْدَهَا عَرَضَ حَمْدَانُ أَنْ يَشْتَرِيَ هَذَا الْحُلْمَ مِنْ سَالِمٍ مُقَابِلَ مَبْلَغٍ مِنَ الْمَالِ، فَوَافَقَ سَالِمٌ عَلَى الْفَوْرِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ صَدِيقَهُ قَدْ جُنَّ.
لَمْ يَكُنِ الصَّدِيقَانِ وَحْدَهُمَا، فَقَدْ كَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ بَخِيلٌ وَشِرِّيرٌ يَتَنَصَّتُ عَلَيْهِمَا، وَمَا إِنْ ذَهَبَا إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى أَسْرَعَ ذَلِكَ الْبَخِيلُ إِلَى الصَّخْرَةِ وَبَدَأَ يَحْفِرُ بِجَشَعٍ، وَفِعْلًا وَجَدَ جَرَّةً مَلِيئَةً بِالذَّهَبِ فَأَخَذَهَا وَهَرَبَ مَسْرُوراً. عِنْدَمَا عَادَ حَمْدَانُ وَسَالِمٌ لِيَحْفِرَا، وَجَدَا الْحُفْرَةَ خَالِيَةً إِلَّا مِنْ بَقَايَا الْجَرَّةِ الْمَكْسُورَةِ، فَحَزِنَ حَمْدَانُ كَثِيراً، لَكِنَّهُ لَمْ يَيْأَسْ. بَدَأَ يَتَفَحَّصُ قِطَعَ الْفَخَّارِ الْمُحَطَّمَةَ، فَوَجَدَ عَلَى إِحْدَاهَا كَلِمَاتٍ مَنْقُوشَةً تَقُولُ: "أَوَّلُ السَّبْعِ". فَهِمَ حَمْدَانُ الذَّكِيُّ الشَّيْفْرَةَ فَوْراً، وَصَاحَ بِفَرَحٍ: "يَا سَالِمُ، هَذِهِ كَانَتْ فَقَطْ أَوَّلَ جَرَّةٍ مِنْ أَصْلِ سَبْعِ جَرَّاتٍ!". بَدَأَ حَمْدَانُ يَحْفِرُ بِعَزِيمَةٍ أَقْوَى، وَبَعْدَ جُهْدٍ كَبِيرٍ، اسْتَخْرَجَ سِتَّ جَرَّاتٍ أُخْرَى كُلُّهَا مَلِيئَةٌ بِالذَّهَبِ الْخَالِصِ.
عَادَ حَمْدَانُ إِلَى قَرْيَتِهِ غَنِيّاً، لَكِنَّهُ لَمْ يَنْسَ أَصْلَهُ وَلَا صَدِيقَهُ سَالِماً. بَنَى مَدْرَسَةً لِلْأَطْفَالِ وَمَشْفًى لِلْفُقَرَاءِ، وَاشْتَرَى مَصْنَعاً لِتَطْوِيرِ زِرَاعَةِ الْقَرْيَةِ، فَأَصْبَحَ الْجَمِيعُ يُحِبُّونَهُ لِكَرَمِهِ وَإِخْلَاصِهِ. أَمَّا الرَّجُلُ الْبَخِيلُ الَّذِي سَرَقَ الْجَرَّةَ الْأُولَى، فَقَدْ أَنْفَقَ أَمْوَالَهُ فِي السَّفَهِ وَأَعْمَالِ الشَّرِّ، فَلَمْ يُبَارِكِ اللَّهُ لَهُ فِيهَا وَعَادَ فَقِيراً كَمَا كَانَ. وَظَلَّ سَالِمٌ يَزُورُ حَمْدَانَ دَائِماً، وَيَتَنَاوَلَانِ الطَّعَامَ مَعاً، وَسَالِمٌ يَقُولُ لَهُ بِمَزَاحٍ: "لَقَدْ كَانَ حُلْمِي بَاباً لِلْخَيْرِ عَلَيْنَا جَمِيعاً"، فَيَبْتَسِمُ حَمْدَانُ وَيُؤَكِّدُ لَهُ أَنَّ الصَّدَاقَةَ وَالْعَمَلَ هُمَا الْكَنْزُ الْحَقِيقِيُّ.
