مغامرات سندباد 06 وَسِرُّ جَبَلِ العَاجِ
عَادَ سِنْدِبَادُ أَخِيراً إِلَى مَدِينَتِهِ بَغْدَادَ بَعْدَ طُولِ غِيَابٍ وَتَرْحَالٍ، وَقَدْ غَمَرَتْ قَلْبَهُ فَرْحَةٌ عَارِمَةٌ وَهُوَ يَمْشِي فِي شَوَارِعِهَا الَّتِي أَلِفَهَا، مُرَدِّداً فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ مَا مِنْ مَكَانٍ أَقْوَى وَلَا أَجْمَلَ مِنْ بَغْدَادَ فِي كُلِّ البِلَادِ.
كَانَ يَتَلَهَّفُ لِلِقَاءِ وَالِدَيْهِ لِيُطَمْئِنَهُمَا عَلَيْهِ، فَأَسْرَعَ نَحْوَ مَنْزِلِهِ بَعْدَ أَنْ رَافَقَهُ رِفَاقُهُ التُّجَّارُ الَّذِينَ كَانُوا يَنْوُونَ تَقْدِيمَ الهَدَايَا لِوَالِدِهِ.
وَعِنْدَمَا وَصَلَ إِلَى حَدِيقَةِ مَنْزِلِهِ، أَرَادَ أَنْ يُفَاجِئَ أَهْلَهُ، فَلَاحَظَ أَنَّ الحَدِيقَةَ كَانَتْ فِي حَالٍ غَرِيبَةٍ مِنَ الإِهْمَالِ، فَرَمَى بَعْضَ الأَوْسَاخِ لِيَرَى إِنْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ سَيُحَاسِبُهُ، لَكِنْ لَمْ يَظْهَرُ أَحَدٌ.
دَخَلَ غُرْفَةَ أَبِيهِ ثُمَّ المَطْبَخَ، فَلَمْ يَجِدْ أَثَراً لِلطَّعَامِ أَوْ لِوَالِدَيْهِ، فَتَمَلَّكَهُ القَلَقُ وَبَدَأَ يَتَسَاءَلُ عَمَّا حَدَثَ لَهُمَا فِي غِيَابِهِ. وَفِي تِلْكَ الأَثْنَاءِ، الْتَقَى بِصَدِيقَيْهِ حَسَنٍ وَسَلْمَى، اللَّذَيْنِ صُدِمَا بِرُؤْيَتِهِ حَيّاً، إِذْ كَانَ الجَمِيعُ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ هَلَكَ فِي حَادِثِ السَّفِينَةِ.
وَأَخْبَرَاهُ بِالحَقِيقَةِ المُرَّةِ؛ وَهِيَ أَنَّ وَالِدَيْهِ، حِينَ سَمِعَا خَبَرَ مَوْتِهِ، بَاعَا البَيْتَ وَكُلَّ أَمْلَاكِهِمَا، وَاشْتَرَيَا سَفِينَةً لِيَبْحَثَا عَنْهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
حَزِنَ سِنْدِبَادُ حُزْناً عَمِيقاً، لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَسْلِمْ لِلْيَأْسِ، بَلْ قَرَّرَ أَنْ يَكُونَ رَجُلاً عَظِيماً كَمَا كَانَ أَبُوهُ، وَأَنْ يَعْمَلَ حَتَّى يَجْمَعَ مِنَ الذَّهَبِ وَالجَوَاهِرِ أَضْعَافَ رَأْسِ المَالِ الَّذِي فَقَدَهُ، فَأَبْحَرَ فِي الصَّبَاحِ التَّالِي مُتَوَجِّهاً إِلَى مَدِينَةِ سَرَنْدِيبَ،.
وَفِي طَرِيقِهِ، سَارَتِ الرِّيَاحُ بِمَا تَهْوَى السُّفُنُ فِي البِدَايَةِ، لَكِنَّ المَقَادِيرَ سَاقَتْهُ إِلَى مَوْقِفٍ صَعْبٍ، حَيْثُ وَجَدَ نَفْسَهُ وَرِفَاقَهُ يَعْمَلُونَ عِنْدَ رَجُلٍ اشْتَرَى حُرِّيَّتَهُمْ بِثَلَاثِ قِطَعٍ مِنَ العَاجِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
وَكَانَ الشَّرْطُ لِيَسْتَعِيدُوا حُرِّيَّتَهُمْ هُوَ أَنْ يَصْطَادَ كُلُّ وَاحِدٍ خَمْسَةَ فِيَلَةٍ. كَانَ سِنْدِبَادُ مَذْعُوراً مِنْ فِكْرَةِ الهُجُومِ عَلَى الفِيَلَةِ وَقَتْلِهَا، وَبَيْنَمَا كَانَ فِي الغَابَةِ، شَاهَدَ فِيلًا كَانَ يَبْدُو عاجِزاً أَوْ مُصَاباً، فَقَرَّرَ مُسَاعَدَتَهُ بَدَلًا مِنْ قَتْلِهِ.
وَتَقْدِيراً لِصَنِيعِهِ، قَامَ الفِيلُ بِمُسَاعَدَةِ سِنْدِبَادَ وَأَرْشَدَهُ إِلَى مَكَانٍ أَسْطُورِيٍّ وَهُوَ "جَبَلُ العَاجِ"، حَيْثُ تَتَرَاكَمُ أَنْيَابُ الفِيَلَةِ المَيْتَةِ بِكَثْرَةٍ دُونَ حَاجَةٍ لِلصَّيْدِ.
عَمَّتِ الفَرْحَةُ قَلْبَ سِنْدِبَادَ لِأَنَّهُ سَيُصْبِحُ غَنِيّاً وَيَسْتَعِيدُ حُرِّيَّتَهُ وَيَعُودُ إِلَى بَغْدَادَ.
أَحْضَرَ سِنْدِبَادُ قِطْعَةً وَاحِدَةً مِنَ العَاجِ كَدَلِيلٍ لِيُصَدِّقَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ، وَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى مَكَانِ الجَبَلِ بِشُرُوطٍ مُحَدَّدَةٍ.
كَانَ أَهَمُّ شُرُوطِهِ هُوَ إِعْتَاقُ رِفَاقِهِ وَتَحْرِيرُهُمْ جَمِيعاً مُقَابِلَ عَشْرِ قِطَعٍ مِنَ العَاجِ عَنْ كُلِّ شَخْصٍ، لِيَضْمَنَ أَلَّا يُعَرِّضُوا أَنْفُسَهُمْ لِلْمَخَاطِرِ مَرَّةً أُخْرَى.
وَافَقَ الرَّجُلُ، وَهَكَذَا نَالَ سِنْدِبَادُ وَأَصْدِقَاؤُهُ حُرِّيَّتَهُمْ، وَبَدَأَ يَبِيعُ العَاجَ بِأَسْعَارٍ مُجْزِيَةٍ، لِيُثْبِتَ أَنَّ الذَّكَاءَ وَالرَّحْمَةَ يَتَفَوَّقَانِ عَلَى القُوَّةِ وَالعُنْفِ.
وَانْتَهَتْ هَذِهِ المُرْحَلَةُ مِنْ رِحْلَتِهِ بِوَلِيمَةِ طَعَامٍ كَبِيرَةٍ احْتِفَالاً بِنَجَاتِهِمْ، قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ نَحْوَ مُغَامَرَةٍ جَدِيدَةٍ تَنْتَظِرُهُ مَعَ قَبِيلَةٍ غَرِيبَةٍ سَيَتَعَرَّفُ عَلَيْهَا فِي مُسْتَقْبَلِ أَيَّامِهِ.
