السيف المسحور

 السيف المسحور

السيف المسحور

كَانَ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ، رَجُلٌ شِرِّيرٌ يُدْعَى هَامَان، اسْتَطَاعَ بِالْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ أَنْ يَسْرِقَ السَّيْفَ الْمَسْحُورَ، وَبِهِ اغْتَصَبَ الْحُكْمَ مِنْ مَلِكِ الْبِلَادِ الصَّالِحِ الْعَادِلِ، ثُمَّ أَلْقَاهُ فِي السِّجْنِ. زَادَ السَّيْفُ الْمَسْحُورُ هَامَانَ قُوَّةً، فَكَانَ يَجْمَعُ الضَّرَائِبَ الْبَاهِظَةَ مِنَ الشَّعْبِ الْمِسْكِينِ، الَّذِي بَاتَ يَئِنُّ تَحْتَ وَطْأَةِ الْجُوعِ وَالْعَذَابِ؛ فَهِامَانُ يَأْخُذُ كُلَّ شَيْءٍ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ يُلْقَى بِهِ فِي السِّجْنِ. وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، كَانَ هُنَاكَ فَتًى ذَكِيٌّ شُجَاعٌ اسْمُهُ الشَّاطِرُ حَسَن، وَكَانَ مُغَامِراً يُحِبُّ التَّرْحَالَ. رَأَى ذَاتَ مَرَّةٍ فَتَاةً فَقِيرَةً تُدْعَى أَمِيرَة، وَكَانَتْ جَمِيلَةً رَقِيقَةً تَعِيشُ فِي قَرْيَةٍ مِنْ ضَوَاحِي الْمَدِينَةِ، فِي كُوخِ الْأُمِّ « رَتِيبَة » الَّتِي كَفَلَتْهَا وَرَبَّتْهَا حَتَّى صَارَتْ عَرُوساً حَسْنَاءَ يَسْعَى وَرَاءَهَا الْخُطَّابُ، فَأَحَبَّهَا الشَّاطِرُ حَسَن وَأَحَبَّتْهُ، وَصَارَ يَقْضِي أَغْلَبَ وَقْتِهِ مَعَهَا، وَتَقْضِي أَغْلَبَ وَقْتِهَا مَعَهُ. وَلَمْ يُطِلْ بِهِمَا الْحَالُ إِذْ سَرْعَانَ مَا كَلَّمَ الشَّاطِرُ حَسَن الْأُمَّ رَتِيبَةَ، يَطْلُبُ مِنْهَا يَدَ ابْنَتِهَا أَمِيرَةَ. وَدُهِشَ الشَّاطِرُ حَسَن وَتَحَيَّرَ عِنْدَمَا وَافَقَتْ أَمِيرَةُ عَلَى زَوَاجِهَا إِيَّاهُ، إِلَّا أَنَّهَا اشْتَرَطَتْ شَرْطاً صَعْباً حَتَّى يَتِمَّ هَذَا الزَّوَاجُ، هُوَ أَنْ يَأْتِيَ لَهَا بِالسَّيْفِ الْمَسْحُورِ، وَلِأَنَّهَا تُحِبُّهُ وَتُرِيدُ أَنْ تَتَزَوْجَهُ فَقَدْ قَالَتْ لَهُ: "اذْهَبْ وَاطْلُبِ السَّيْفَ الْمَسْحُورَ.. وَأَنَا أَطْلُبُهُ مَعَكَ". كَانَ شَرْطُهَا أَكْبَرَ وَأَصْعَبَ مِنْ أَنْ تَطْلُبَهُ فَتَاةٌ مِنْ فَتًى جَاءَ يَخْطُبُهَا، وَلَكِنَّ الشَّاطِرَ حَسَن وَافَقَ بِسُرْعَةٍ وَانْطَلَقَ إِلَى الْمَدِينَةِ يَبْحَثُ، وَانْطَلَقَتْ هِيَ وَرَاءَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخْبِرَهُ. لَجَأَ الشَّاطِرُ حَسَن أَوَّلَ مَا لَجَأَ إِلَى الْعَرَّافِينَ وَسَمِعَ مِنْهُمْ وَصْفاً دَقِيقاً لِقَصْرِ الْمَلِكِ وَمَمَرَّاتِهِ وَدَهَالِيزِهِ، وَلِلسَّيْفِ الْمَسْحُورِ الْمُعَلَّقِ فِي أَعْلَى قُبَّةِ الْمَوْتِ.. حَيْثُ وُضِعَ السَّيْفُ فِي مِصْبَاحٍ كَالدُّرَّةِ الْكَبِيرَةِ، وَتَحْتَهُ تَرْبُضُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُسُودِ الْكَاسِرَةِ، عَدَدُهَا اثْنَا عَشَرَ أَسَداً. تَعَرَّفَ الشَّاطِرُ حَسَن إِلَى كُلِّ الْعَامِلِينَ بِالْقَصْرِ، وَتَقَرَّبَ إِلَيْهِمْ بِالْمِنَحِ وَالْهَدَايَا، فَأَلْحَقُوهُ بِالْعَمَلِ فِي خِدْمَةِ الْمَلِكِ الشِّرِّيرِ. رَاحَ الشَّاطِرُ حَسَن يَبْحَثُ وَيُفَتِّشُ، وَيَدْرُسُ الدُّرُوبَ وَالْمَمَرَّاتِ الَّتِي تَقُودُ إِلَى مَكَانِ السَّيْفِ الْمَسْحُورِ. وَلَمْ يَمُرَّ بِهِ وَقْتٌ طَوِيلٌ، حَتَّى أَلِفَهُ الْحُرَّاسُ وَخَدَمُ الْقَصْرِ وَكُلُّ مَنْ يُقِيمُ بِالْقَصْرِ، حَتَّى الْمَلِكُ الظَّالِمُ نَفْسُهُ، فَقَدْ صَارَ يَطْلُبُ قُدُومَهُ وَيَتَسَلَّى بِنَوَادِرِهِ وَحِكَايَاتِهِ الْعَجِيبَةِ. حَتَّى إِذَا كَانَ مَسَاءُ يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، أَلْقَى الشَّاطِرُ حَسَن بِاللَّحْمِ الْمَسْمُومِ إِلَى جَمَاعَةِ الْأُسُودِ، وَظَلَّ مُخْتَبِئاً حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَسَارَعَ إِلَى الْأُسُودِ فَوَجَدَهَا مَيْتَةً لَا حَرَاكَ بِهَا، فَتَسَلَّقَ إِلَى الْمِصْبَاحِ وَأَخْرَجَ مِنْهُ السَّيْفَ الْمَسْحُورَ. ثُمَّ أَمْسَكَ بِهِ وَهَزَّهُ فِي يَدِهِ وَضَرَبَ بِهِ الْهَوَاءَ عِدَّةَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ انْدَفَعَ إِلَى حَرَسِ الْقَصْرِ وَجُنُودِهِ يُقَاتِلُهُمْ فِي طَرِيقِهِ إِلَى الْمَلِكِ الشِّرِّيرِ، وَقَدْ تَعَجَّبَ كَثِيراً مِمَّا يَقُومُ بِهِ ذَلِكَ السَّيْفُ الْعَجِيبُ، كَانَ يَكْفِي أَنْ يُحَرِّكَهُ فِي الْهَوَاءَ حَتَّى تَسْقُطَ صُفُوفٌ كَامِلَةٌ مِنَ الْحَرَسِ وَالْجُنُودِ. وَانْتَبَهَ حَيْثُ كَانَ مُنْهَمِكاً فِي الْقِتَالِ إِلَى وُجُودِ فَارِسٍ مُلَثَّمٍ يُقَاتِلُ مَعَهُ، فَأَسْرَعَ إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ مَنْ يَكُونُ، وَمَا لَبِثَ أَنْ قَهْقَهَ ضَاحِكاً فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ الْفَارِسُ هُوَ فَتَاتَهُ أَمِيرَةَ. وَلَمْ يَمْضِ وَقْتٌ طَوِيلٌ حَتَّى اسْتَطَاعَ الشَّاطِرُ حَسَن أَنْ يَفْتَحَ أَبْوَابَ الْقَصْرِ أَمَامَ أَفْرَادِ الشَّعْبِ، الَّذِينَ مَا إِنْ عَلِمُوا بِمَا جَرَى حَتَّى أَسْرَعُوا مُتَسَلِّحِينَ بِالْعِصِيِّ وَالْفُؤُوسِ، يُقَاتِلُونَ الظُّلْمَ وَالشَّرَّ مَعَ الشَّاطِرِ حَسَن. وَقَبَضَ الشَّاطِرُ حَسَن عَلَى الْمَلِكِ الشِّرِّيرِ وَوَضَعَهُ فِي قَفَصٍ مِنَ الْحَدِيدِ، لِيَعْرِضَهُ فِي السَّاحَةِ الْعَامَّةِ لِيَرَاهُ أَفْرَادُ الشَّعْبِ. وَأَسْرَعَتْ أَمِيرَةُ لِتُخْرِجَ الْمَلِكَ الْعَادِلَ مِنْ سِجْنِهِ وَتُعِيدَهُ إِلَى الْعَرْشِ. وَبَعْدَ أَنْ اطْمَأَنَّ الشَّاطِرُ حَسَن إِلَى عَوْدَةِ الْأُمُورِ إِلَى طَبِيعَتِهَا، قَدَّمَ السَّيْفَ إِلَى حَبِيبَتِهِ أَمِيرَةَ، وَطَلَبَ مِنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَا، فَقَالَتْ لَهُ: "أَلَيْسَ الْوَاجِبُ أَنْ نَأْخُذَ رَأْيَ وَالِدِي؟". وَمَا أَشَدَّ دَهْشَتَهُ حِينَ قَادَتْهُ إِلَى الْمَلِكِ الْعَادِلِ، عِنْدَئِذٍ عَرَفَ أَنَّ حَبِيبَتَهُ أَمِيرَةَ كَانَتِ ابْنَةَ الْمَلِكِ الْعَادِلِ الْمَسْجُونِ بِالْقَصْرِ، وَأَنَّ الْأُمَّ « رَتِيبَةَ » كَانَتْ أُمَّهَا وَزَوْجَةَ الْمَلِكِ الْعَادِلِ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم