البالونة

البالونة

البالونة

في يوم من الأيام الجميلَة، وفي إحْدَى النَّوَادِي الرِّيَاضِيَّةِ التي تضج بالنشاط، قَامَ مُدَرِّبٌ ذكي بِتَوْزِيعِ بَالُونَاتٍ ملونة عَلَى مَجْمُوعَةٍ مِنَ المُتَدَرِّبِينَ الصِّغَارِ. كان الأطفال يشعرون بسعادة غامرة وهم يمسكون بالبالونات بين أيديهم، ثُمَّ طَلَبَ مِنْهُمْ المُدَرِّبُ أَنْ يَقُومُوا بِنَفْخِ البَالُونَاتِ جَيِّداً وَ رَبْطَهَا بِإِحْكَامٍ. فَقَامَ كُلُّ مُتَدَرِّبٍ بِمَا طُلِبَ مِنْهُ بِكُلِّ جِدٍّ وَنَشَاطٍ، وَامْتَلَأَ المكانُ بِبَالُونَاتٍ مَنْفُوخَةٍ تزهو بألوانها.

ثُمَّ جَمَعَ المُدَرِّبُ الجَمِيعَ حَوْلَهُ وَوَجَّهَ لَهُمْ كَلَاماً مُشَوِّقاً قَالَ فِيهِ: "الَّذِي يَسْتَطِيعُ مِنْكُمْ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى بَالُونَتِهِ سَلِيمَةً بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الغَابَةِ، سَوْفَ أَمْنَحُهُ جَائِزَةً قَيِّمَةً تَقْدِيراً لِحُسْنِ ذَكَائِهِ وَيَقَظَتِهِ العَالِيَةِ". ثُمَّ أَمْسَكَ المُدَرِّبُ بِصَفَّارَةٍ صَغِيرَةٍ بِيَدِهِ وَأَعْطَى بِهَا إِشَارَةَ الانْطِلَاقِ.

فَجَرَى الأَوْلَادُ بِسُرْعَةٍ كَبِيرَةٍ فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ نَحْوَ الغَابَةِ، وَلَكِنَّ أَمْراً غَرِيباً حَدَثَ؛ فَقَدْ كَانَتْ عَيْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ تُرَاقِبُ بَالُونَةَ الآخَرِ بِحَذَرٍ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ بِخَطَأٍ أَنَّ هُنَاكَ جَائِزَةً وَاحِدَةً فَقَطْ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ. وَعِنْدَ مَدْخَلِ الغَابَةِ، بَدَلَ أَنْ يَحْمِيَ كُلُّ طِفْلٍ بَالُونَتَهُ، هَجَمَ المُتَنَافِسُونَ عَلَى بَعْضِهِمْ بَعْضاً بِقُوَّةٍ.

كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُرِيدُ تَفْجِيرَ بَالُونَةِ الآخَرِ حَتَّى يَنْفَرِدَ بِالجَائِزَةِ لِنَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ. فَلَمْ يَمْضِ وَقْتٌ طَوِيلٌ حَتَّى تَعَالَتْ أَصْوَاتُ الفَرْقَعَةِ، وَانْفَجَرَتْ كُلُّ البَالُونَاتِ تَقْرِيباً، وَلَمْ تَبْقَ إِلَّا بَالُونَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ بِيَدِ أَحَدِهِمْ بَعْدَ عَنَاءٍ كَبِيرٍ.

اسْتَغْرَبَ المُدَرِّبُ كَثِيراً مِنْ هَذَا التَّصَرُّفِ الأناني، وَجَمَعَ الأَوْلَادَ مَرَّةً أُخْرَى وَقَالَ لَهُمْ بِأَسَفٍ: "لَقَدْ أَخْطَأْتُمْ، فَأَنَا لَمْ أَطْلُبْ مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ أَنْ يُفَجِّرَ بَالُونَةَ الآخَرِ، وَلَوْ أَنَّكُمْ وَقَفْتُمْ بِهُدُوءٍ وَحَافَظْتُمْ عَلَى بَالُونَاتِكُمْ دُونَ اتِّخَاذِ قَرَارٍ سَلْبِيٍّ مِثْلَ هَذَا، لَنَالَ الجَمِيعُ الجَوَائِزَ دُونَ اسْتِثْنَاءٍ".

فَشَعَرَ الأَوْلَادُ بِخَجَلٍ شَدِيدٍ لِمَا بَدَرَ مِنْهُمْ مِن تسرعٍ، وَوَعَدُوا المُدَرِّبَ أَنْ لَا يُكَرِّرُوا هَذَا الفِعْلَ المُشِينَ مَرَّةً أُخْرَى. وَتَعَلَّمُوا دَرْساً ثَمِيناً وَهُوَ أَنْ لَا يُفَكِّرُوا فِي النَّجَاحِ عَلَى حِسَابِ الآخَرِينَ، لِأَنَّ نَجَاحَ الفَرْدِ الحَقِيقِيَّ لَا يَسْتَوْجِبُ أَبَداً فَشَلَ غَيْرِهِ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم