الغراب الذكي

الغراب الذكي

الغراب الذكي
كَانَ هُنَاكَ غُرَابٌ نَشِيطٌ يَسْكُنُ فِي عُشِّهِ الَّذِي بَنَاهُ بِإتْقَانٍ أَعْلَى شَجَرَةٍ عَالِيَةٍ. كَانَ يَعِيشُ سَعِيدًا، وَيَخْرُجُ كُلَّ يَوْمٍ لِيَجْمَعَ الْقَشَّ الصَّغِيرَ وَيُرَتِّبَهُ بِعِنَايَةٍ دَاخِلَ الْعُشِّ لِيَكُونَ نَاعِمًا وَمُنَاسِبًا لِوَضْعِ الْبَيْضِ. وَبِالْقُرْبِ مِنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ، كَانَ هُنَاكَ ثُعْبَانٌ شِرِّيرٌ يَسْكُنُ فِي جُحْرٍ مُظْلِمٍ. كَانَ هَذَا الثُّعْبَانُ يُرَاقِبُ الْغُرَابَ دَائِمًا دُونَ أَنْ يَشْعُرَ بِهِ، وَيَنْتَظِرُ الْفُرْصَةَ لِيُؤْذِيَهُ.

فِي أَحَدِ الأَيَّامِ، طَارَ الْغُرَابُ بَعِيدًا لِيَبْحَثَ عَنْ بَعْضِ الْقَشِّ، وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ خَرَجَ الثُّعْبَانُ مِنْ جُحْرِهِ وَصَعِدَ بِسُرْعَةٍ كَبِيرَةٍ إِلَى الْعُشِّ. مَدَّ الثُّعْبَانُ رَأْسَهُ وَأَخَذَ بَيْضَةً مِنْ بَيْضَاتِ الْغُرَابِ، ثُمَّ نَزَلَ بِهَا سِرًّا إِلَى جُحْرِهِ. عِنْدَمَا عَادَ الْغُرَابُ الْمِسْكِينُ، نَظَرَ إِلَى عُشِّهِ وَفُوجِئَ بِأَنَّ هُنَاكَ بَيْضَةً نَاقِصَةً. انْزَعَجَ الْغُرَابُ كَثِيرًا وَأَخَذَ يَبْحَثُ عَنْهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَهَا أَثَرًا.

جَلَسَ الْغُرَابُ حَزِينًا يَبْكِي لِأَنَّهُ فَقَدَ بَيْضَتَهُ وَلَمْ يَعْرِفْ مَنِ السَّارِقُ. وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي، خَرَجَ الْغُرَابُ كَعَادَتِهِ، فَانْتَهَزَ الثُّعْبَانُ الْفُرْصَةَ مَرَّةً أُخْرَى، وَصَعِدَ إِلَى الْعُشِّ وَسَرَقَ بَيْضَةً ثَانِيَةً. احْتَارَ الْغُرَابُ وَقَرَّرَ أَنْ يَسْتَخْدِمَ ذَكَاءَهُ لِيَعْرِفَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقَالَ لِنَفْسِهِ: "لَابُدَّ أَنْ أَقُومَ بِحِيلَةٍ أَكْشِفُ بِهَا السَّارِقَ".

تَرَكَ الْغُرَابُ بَقِيَّةَ الْبَيْضِ فِي الْعُشِّ، لَكِنَّهُ لَمْ يَطِرْ بَعِيدًا هَذِهِ الْمَرَّةِ، بَلِ اخْتَفَى خَلْفَ أَغْصَانِ شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ لِيُرَاقِبَ مَا سَيَحْدُثُ. وَفَجْأَةً، رَأَى الثُّعْبَانَ يَخْرُجُ مِنْ جُحْرِهِ وَيَتَسَلَّلُ نَحْوَ الْعُشِّ لِيَسْرِقَ بَيْضَةً جَدِيدَةً. عَرَفَ الْغُرَابُ السَّارِقَ، لَكِنَّهُ شَعَرَ بِالْحُزْنِ وَالْهَمِّ لِأَنَّهُ طَائِرٌ ضَعِيفٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُهَاجَمَةِ الثُّعْبَانِ الْقَوِيِّ.

بَيْنَمَا كَانَ الْغُرَابُ يُفَكِّرُ مَهْمُومًا فِي كَيْفِيَّةِ الْقَضَاءِ عَلَى هَذَا الْعَدُوِّ، مَرَّتْ بِهِ سُلَحْفَاةٌ طَيِّبَةٌ. سَأَلَتْهُ السُّلَحْفَاةُ: "لِمَ أَرَاكَ حَزِينًا يَا صَدِيقِي الْغُرَابَ؟". أَخْبَرَهَا الْغُرَابُ بِقِصَّتِهِ وَقَالَ: "إِنَّهُ أَمْرٌ صَعْبٌ لَا أَسْتَطِيعُ فِعْلَ شَيْءٍ تِجَاهَهُ، فَهَلْ يَقْدِرُ الضَّعِيفُ أَنْ يَهْزِمَ الشَّرِّيرَ الْقَوِيَّ؟". أَجَابَتْهُ السُّلَحْفَاةُ بِحِكْمَةٍ: "نَعَمْ، يُمْكِنُكَ ذَلِكَ إِذَا اسْتَخْدَمْتَ ذَكَاءَكَ وَحِيلَتَكَ".

فَكَّرَ الْغُرَابُ فِي كَلَامِ السُّلَحْفَاةِ وَقَرَّرَ التَّصَرُّفَ. طَارَ عَالِيًا حَتَّى وَصَلَ إِلَى مَنَازِلِ الْقَرْيَةِ، وَهُنَاكَ رَأَى فَتَاةً تَنْشُرُ الْغَسِيلَ فَوْقَ سَطْحِ مَنْزِلِهَا، وَقَدْ وَضَعَتْ بِجَانِبِهَا عِقْدًا جَمِيلًا وَثَمِينًا. انْقَضَّ الْغُرَابُ بِسُرْعَةٍ وَخَطَفَ الْعِقْدَ بِمِنْقَارِهِ وَطَارَ بِهِ بَعِيدًا. صَرَخَتِ الْفَتَاةُ وَطَلَبَتِ النَّجْدَةَ، فَتَجَمَّعَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ وَهُمْ يَحْمِلُونَ الْعِصِيَّ لِيُلَاحِقُوا الْغُرَابَ وَيَسْتَعِيدُوا الْعِقْدَ.

كَانَ الْغُرَابُ ذَكِيًّا جِدًّا، فَلَمْ يَطِرْ بَعِيدًا حَتَّى يَغِيبَ عَنْ أَنْظَارِهِمْ، بَلْ كَانَ يَطِيرُ مَسَافَةً قَصِيرَةً ثُمَّ يَقِفُ لِيَنْتَظِرَهُمْ حَتَّى يَقْتَرِبُوا مِنْهُ، ثُمَّ يَطِيرُ مَرَّةً أُخْرَى. اسْتَمَرَّ فِي فِعْلِ ذَلِكَ وَالنَّاسُ يَتْبَعُونَهُ دُونَ يَأْسٍ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى مَكَانِ جُحْرِ الثُّعْبَانِ. عِنْدَهَا، أَلْقَى الْغُرَابُ الْعِقْدَ أَمَامَ فَتْحَةِ الْجُحْرِ تَمَامًا.

فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، خَرَجَ الثُّعْبَانُ لِيَرَى مَا هَذَا الشَّيْءُ اللَّامِعُ الَّذِي سَقَطَ عِنْدَ بَابِهِ، وَفَرِحَ بِالْعِقْدِ كَثِيرًا. لَكِنَّ النَّاسَ وَصَلُوا فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، وَعِنْدَمَا رَأَوْا الثُّعْبَانَ الشِّرِّيرَ عِنْدَ الْعِقْدِ، انْقَضُّوا عَلَيْهِ بِعِصِيِّهِمْ وَقَتَلُوهُ، ثُمَّ اسْتَعَادُوا الْعِقْدَ وَرَحَلُوا. كَانَ الْغُرَابُ يُرَاقِبُ كُلَّ مَا جَرَى مِنْ فَوْقِ شَجَرَتِهِ، فَشَعَرَ بِفَرَحٍ كَبِيرٍ لِأَنَّهُ تَخَلَّصَ مِنَ الثُّعْبَانِ، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَمَانٍ، مُتَعَلِّمًا أَنَّ الْعَقْلَ وَالذَّكَاءَ هُمَا السِّلَاحُ الأَقْوَى فِي مَوَاجَهَةِ الشَّرِّ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم