البطة الطيبة و الثعلب
كَانَ يَا مَا كَانَ، فِي قَديمِ الزَّمَانِ، كَانَت هُنَاكَ بَطَّةٌ جَمِيلَةٌ تُدْعَى "البَطَّة الطَّيِّبَة". كَانَت هَذِهِ البَطَّةُ نَشِيطَةً جِدّاً، تَقُومُ مِن نَوْمِهَا مُبَكِّرَةً مَع صِيَاحِ الدِّيكِ. وَأَوَّلُ مَا تَبْدَأُ بِهِ يَوْمَهَا هُوَ أَنْ تَتَوَضَّأَ وَتُصَلِّيَ لِلهِ شُكراً، ثُمَّ تَتَنَاوَلُ فَطُورَهَا الشَّهِيَّ مِنَ الفُولِ وَالذُّرَةِ. وَبَعْدَ ذَلِكَ، تُشَمِّرُ عَن جَنَاحَيْهَا لِتُنَظِّفَ مَسْكَنَهَا حَتَّى يَلْمَعَ وَيُصْبِحَ مُرَتَّباً.
وَبَعْدَ أَنْ تَنْتَهِيَ مِن أَعْمَالِ المَنْزِلِ، تَلْبَسُ فُسْتَانَهَا الأَنِيقَ وَتَحْمِلُ حَقِيبَتَهَا الصَّغِيرَةَ، وَتَخْرُجُ مُتَوَجِّهَةً إِلَى السُّوقِ لِتَشْتَرِيَ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ. وَفِي السُّوقِ، كَانَت تَقَابِلُ كُلَّ يَوْمٍ صَدِيقَتَهَا العَزِيزَةَ وَجَارَتَهَا الوَفِيَّةَ "الست وَزَّة النَّاصِحَة".
وفِي أَحَدِ الأَيَّامِ، ذَهَبَتِ البَطَّةُ إِلَى السُّوقِ كَعَادَتِهَا، لَكِنَّهَا بَحَثَت عَن صَدِيقَتِهَا الوَزَّةِ وَلَمْ تَجِدْهَا. قَلِقَتِ البَطَّةُ كَثِيراً وَقَالَت فِي نَفْسِهَا: "يَا تَرَى مَاذَا جَرَى لَهَا؟". وَعَلَى الفَوْرِ، قَرَّرَت أَنْ تَذْهَبَ إِلَى مَنْزِلِهَا لِتَزُورَهَا وَتَطْمَئِنَّ عَلَيْهَا. عِنْدَمَا وَصَلَت، وَجَدَتِ الوَزَّةَ مَرِيضَةً تَرْقُدُ فِي سَرِيرِهَا. لَمْ تَتْرُكْهَا البَطَّةُ وَحِيدَةً، بَلْ أَحْضَرَت لَهَا الطَّبِيبَ، وَأَخَذَت تَعْتَنِي بِهَا وَتُقَدِّمُ لَهَا الدَّوَاءَ فِي مَوَاعِيدِهِ بِكُلِّ حُبٍّ.
وَبَعْدَ مُرُورِ أَيَّامٍ، شُفِيَتِ الوَزَّةُ وَاسْتَعَادَت صِحَّتَهَا. وَبَيْنَمَا كَانَت تَنْظُرُ مِن شُبَّاكِهَا، رَأَتِ "الثَّعْلَبَ المَكَّارَ" يَدُورُ حَوْلَ مَنْزِلِ صَدِيقَتِهَا البَطَّةِ بِنَوَايَا سَيِّئَةٍ. فَكَّرَتِ الوَزَّةُ الذَّكِيَّةُ وَقَالَت: "لَا تَخَافِي يَا صَدِيقَتِي، سَأُدَبِّرُ لَكِ الأَمْرَ". تَسَلَّلَتِ الوَزَّةُ إِلَى مَنْزِلِ البَطَّةِ وَحَذَّرَتْهَا مِنَ الثَّعْلَبِ. خَافَتِ البَطَّةُ الطَّيِّبَةُ وَسَأَلَت: "مَاذَا أَعْمَلُ يَا صَدِيقَتِي؟".
أَسْرَعَتِ الوَزَّةُ إِلَى "الكَلْبِ الأَمِينِ" وَقَالَت لَهُ: "إِنَّ البَطَّةَ الطَّيِّبَةَ تَدْعُوكَ لِتَقْضِيَ عِنْدَهَا يَوْمَيْنِ". أَجَابَ الكَلْبُ: "وَلَكِنِّي لَا آكُلُ الحُبُوبَ مِثْلَكُمَا". طَمْأَنَتْهُ الوَزَّةُ قَائِلَةً: "لَا تَقْلَقْ، سَتُقَدِّمُ لَكَ البَطَّةُ العَظْمَ الشَّهِيَّ". فَقَبِلَ الكَلْبُ الدَّعْوَةَ بِسُرُورٍ.
انْطَلَقَتِ الوَزَّةُ النَّاصِحَةُ إِلَى الجَزَّارِ وَاشْتَرَت مِنْهُ عَظْماً كَبِيراً، ثُمَّ مَرَّت بِالخَبَّازِ وَاشْتَرَت خُبْزاً طَازَجاً. وَأَعْطَت ذَلِكَ لِلْبَطَّةِ الَّتِي جَهَّزَت طَبَقاً لَذِيذاً مِنَ "الثَّرِيدِ" (الفَتَّة) وَوَضَعَت فَوْقَهُ العَظْمَ. ثُمَّ رَتَّبَت غُرْفَةً خَاصَّةً فِي الدَّوْرِ الأَرْضِيِّ وَوَضَعَت فِيهَا هَذَا الطَّبَقَ الشَّهِيَّ.
عِنْدَمَا حَضَرَ الكَلْبُ الأَمِينُ، رَحَّبَت بِهِ البَطَّةُ كَثِيراً وَأَدْخَلَتْهُ غُرْفَتَهُ. فَرِحَ الكَلْبُ عِنْدَمَا رَأَى الطَّعَامَ وَأَكَلَ حَتَّى شَبِعَ، ثُمَّ اسْتَلْقَى لِيَرْتَاحَ. وَبَعْدَ قَلِيلٍ، جَاءَ الثَّعْلَبُ المَكَّارُ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ البَطَّةَ وَحِيدَةٌ، فَنَقَرَ عَلَى البَابِ. وَلَكِنَّ المُفَاجَأَةَ كَانَت عِنْدَمَا فَتَحَ الكَلْبُ لَهُ البَابَ وَهُوَ يَرْتَدِي مَلَابِسَ النَّوْمِ. ظَنَّ الثَّعْلَبُ أَنَّ الكَلْبَ قَدْ سَكَنَ عِنْدَ البَطَّةِ لِيَحْمِيَهَا، فَمَلأَهُ الرُّعْبُ وَفَرَّ هَارِباً إِلَى مَكَانٍ بَعِيدٍ، وَنَجَتِ البَطَّةُ الطَّيِّبَةُ بِفَضْلِ ذَكَاءِ صَدِيقَتِهَا الوَزَّةِ.
